تفسير هذه الآية

السورة 5 : الآية 64

السورة 5 : الآية 64

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}.
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن جَراءةِ اليهودِ على ربِّهم، ووصْفِهم إياه بما ليس مِن صفتِه؛ تَوْبيخًا لهم بذلك، وتَعْريفًا منه نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - قديمَ جهلِهم واغْترارِهم به، وإنكارِهم جميعَ جَميلِ أياديه عندَهم، وكثرةَ صَفْحِه عنهم وعفوِه عن عظيمِ إجْرامِهم، واحْتجاجًا لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - بأنه له نبيٌّ مَبْعوثٌ ورسولٌ مُرْسَلٌ؛ أن كانت هذه الأنباءُ التي أنْبَأهم بها كانت مِن خَفِيِّ عُلومِهم ومَكْنونِها التي لا يَعْلَمُها إلا أخْبارُهم وعلماؤُهم دونَ غيرِهم مِن اليهودِ فضلًا عن الأمةِ الأُمِّيَّةِ مِن العربِ الذين لم يَقْرَءوا كتابًا، ولا وَعَوْا مِن علومِ أهلِ الكتابِ علمًا، فأطْلَع اللَّهُ على ذلك نبيَّه محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، ليُقَرِّرَ عندَهم صدقَه ويَقْطَعَ بذلك حجتَهم.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقالتِ اليهودُ مِن بني إسرائيلَ: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. يَعْنون: إن خيرَ اللَّهِ مُمْسَكٌ، وعَطاءَه مَحْبوسٌ عن الاتساعِ عليهم. كما قال تعالى ذكرُه في تأديبِ نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: 29].
وإنما وصَف تعالى ذكرُه اليدَ بذلك، والمعنى العَطاءُ؛ لأن عطاءَ الناسِ وبذْلَ معروفِهم الغالبَ بأيديهم، فجرَى استعمالُ الناسِ في وصفِ بعضِهم بعضًا إذا وصَفوه بجُودٍ وكرمٍ، أو بيُخْلٍ وشُحٍّ وضِيقٍ، بإضافةِ ما كان مِن ذلك مِن صفةِ الموصوفِ إلى يديه، كما قال الأعْشَى في مدحِ رجلٍ ¬ديوان الأعشى ص 225.¥:
يَداك يدا مَجْدٍ فكَفٌّ مُفِيدةٌ ... وكفٌّ إذا ما ضُنَّ بالزادِ تُنْفِقُ
فأضاف ما كان صفةَ صاحبِ اليد مِن إنفاقٍ وإفادةٍ إلى اليدِ. ومثلُ ذلك مِن كلامِ العربِ في أشْعارِها وأمثالِها أكثرُ مِن أن يُحْصَى، فخاطَبَهم اللَّهُ بما يَتَعارَفونه ويَتَحاوَرونه بينَهم في كلامِهم، فقال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. يعني بذلك أنهم قالوا: إن اللَّهَ يَبْخَلُ علينا ويَمْنَعُنا فضلَه فلا يُفْضِلُ، كالمغلولةِ يدُه الذي لا يَقْدِرُ أن يَبْسُطَها بعَطاءٍ ولا بَذْلِ معروفٍ - تعالى اللَّهُ عما قالوا ¬في م: "قال".¥، أعْداءَ اللَّهِ - فقال اللَّهُ مُكَذِّبَهم ومُخْبِرَهم بسُخْطِه عليهم: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ}. يقولُ: أُمْسِكَت أيديهم عن الخَيْراتِ، وقُبِضَت عن الانْبِساطِ بالعَطِيَّاتِ، {وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} وأُبْعِدوا مِن رحمةِ اللَّهِ وفضلِه، بالذي قالوا مِن الكفرِ، وافْتَرَوْا على اللَّهِ، ووصَفوه به مِن الكذبِ والإفْكِ، {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}. يقولُ: بل يداه مَبْسوطتان بالبَذْلِ والإعْطاءِ، وأرْزاقِ عبادِه، وأقْواتِ خلقِه، غيرُ مَغْلولتَيْن، ولا مَقْبوضتَيْن، {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}. يَقولُ: يُعْطِى هذا، ويَمْنَعُ هذا فيُقَتِّرُ عليه.
وبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا}. قال: ليس يَعْنون بذلك أن يدَ اللَّهِ مُوثَقةٌ، ولكنهم يقولون: إنه بَخيلٌ أَمْسَك ما عندَه. تعالى اللَّهُ عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1167 (6576) من طريق أبي صالح به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. قال: لقد تجهَّدنا ¬في مصدرى التخريج: "تجمدنا". والمعنى: ألحَّ علينا في السؤال.¥ اللَّهُ ¬بعده في ص، ت 1: "أي يحمدنا الله".¥ يا بني إسرائيلَ، حتى جعَل اللَّهُ يدَه إلى نحرِه. وكذَبوا ¬تفسير مجاهد ص 312، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1167 (6577).¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. قال: اليهودُ تقولُه: لقد تجهَّدنا: اللَّهُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1168 (6579، 6582) من طريق أحمد بن مفضل به.¥ يا بني إسرائيلَ ويا أهلَ الكتابِ، حتى إن يدَه إلى نحرِه. {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} إلى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}: أما قولُه: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. قالوا: اللَّهُ بَخيلٌ غيرُ جَوَادٍ. قال اللَّهُ: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}. قالوا: إن اللَّهَ وضَع يدَه على صدرِه فلا يَبْسُطُها حتى يَرُدَّ علينا مُلْكَنا. وأما قولُه: {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}. يقولُ: يَرْزُقُ كيف يَشَاءُ ¬¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال عكرمةُ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} الآية. نزَلَت في فِنْحاصَ اليهوديِّ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 296 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، عن عُبيدِ بن سليمانَ، عن الضحاكِ بن مُزاحمٍ قولَه: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. يقولون: إنه بَخيلٌ ليس بجَوَادٍ. قال اللَّهُ: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ}: أُمْسِكَت أيديهم عن النفقةِ والخيرِ. ثم قال - يعنى نفسَه -: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}. وقال: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} [الإسراء: 29]. يقولُ: لا تُمْسِكْ يدَك عن النفقةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1168 (6578)، من طريق عبيد بن سليمان به.¥.
واخْتَلَف أهلُ الجَدَلِ في تأويلِ قولِه: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك نِعْمتاه. وقال: ذلك بمعنى: يدُ اللَّهِ على خلقِه، وذلك نِعَمُه عليهم. وقال: إن العربَ تقولُ: لك عندى يدٌ. يَعْنون بذلك: نعمةٌ.
وقال آخَرون منهم: عُنِى بذلك القوةُ. وقالوا: ذلك نَظيرُ قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي} [ص: 45].
وقال آخَرون منهم: بل يدُه مُلْكُه. وقالوا: معنى قولِه: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}: ملْكُه وخَزائنُه. قالوا: وذلك كقولِ العربِ للمَمْلوكِ: هو مِلْكُ يمينِه، وفلانٌ بيدِه عُقْدةُ نكاحِ فلانةَ. أي: يَمْلِكُ ذلك. وكقولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: {فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة: 12].
وقال آخرون منهم: بل يدُ اللَّهِ صفةٌ مِن صفاتِه، هي يدٌ، غيرَ أنها ليست بجارحةٍ كجَوارحِ بني آدمَ. قالوا: وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه أخْبَر عن خُصوصِه ¬في م: "خصوصية" وكذا في المواضع التالية.¥ آدمَ بما خصَّه به مِن خلقِه إياه بيدِه.
قالوا: ولو كان [معنى اليدِ في ذلك النعمةَ ما كان] ¬زيادة يقتضيها السياق.¥ لخُصوصِه آدمَ بذلك وجهٌ مفهومٌ؛ إذ كان جميعُ خلقِه مخلوقين بقدرتِه، ومشيئتُه في خلقِه تَعُمُّه، وهو لجميعِهم مالكٌ.
قالوا: وإذ كان تعالى ذكرُه قد خصَّ آدمَ بذكرِه خلقَه إياه بيدِه دونَ غيرِه مِن عبادِه، كان مَعْلومًا أنه إنما خصَّه بذلك لمعنًى به فارَق غيرَه مِن سائر الخلقِ.
قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، بطَل قولُ مَن قال: معنى اليدِ مِن اللَّهِ القوةُ والنعمةُ، أو الملكُ في هذا الموضعِ.
قالوا: وأحْرَى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون: إن يدَ اللَّهِ في قولِه: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. هي نعمتُه. لقيل: بل يدُه مَبْسوطةٌ. ولم يَقُلْ: بل يداه؛ لأن نعمةَ اللَّهِ لا تُحْصَى كثرةً، وبذلك جاء التنزيلُ، يقولُ اللَّهُ تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}. قالوا: ولو كانت نعمَتَيْن كانتا مُحْصاتَيْن.
قالوا: فإن ظنَّ ظانٌّ أن النعمتين بمعنى النِّعَمِ الكثيرةِ، فذلك منه خطأٌ، وذلك أن العربَ قد تُخْرِجُ الجميعَ بلفظِ الواحدِ؛ لأداءِ الواحدِ عن جميعِ جنسِه، وذلك كقولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 1، 2]. وكقولِه: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} [البلد: 4]. وقولِه: {وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} [الفرقان: 55]. قالوا: فلم يُرَدْ بالإنسانِ والكافرِ في هذه الأماكنِ إنسانٌ بعينِه، ولا كافرٌ مُشارٌ إليه حاضرٌ، بل عُنِى به جميعُ الإنسِ وجميعُ الكفارِ، ولكنَّ
الواحدَ أدَّى عن جنسِه، كما تقولُ العربُ: ما أكثرَ الدرهمَ في أيدى الناسِ! وكذلك قولُه: {وَكَانَ الْكَافِرُ}. معناه: وكان الذين كفَروا.
قالوا: فأما إذا ثُنِّى الاسمُ، فلا يُؤَدِّي عن الجنسِ، ولا يُؤَدِّى إلا عن اثنين بأعْيانِهما دونَ الجميعِ ودونَ غيرِهما.
قالوا: وخطأٌ في كلامِ العربِ أن يقالَ: ما أكثرَ الدرهمين في أيدى الناسِ! بمعنى: ما أكثرَ الدراهمَ في أيديهم! قالوا: وذلك أن الدرهمَ إذا ثُنِّي لا يُؤَدِّي في كلامِها إلا عن اثنين بأعْيانِهما. قالوا: وغيرُ مُحالٍ: ما أكثرَ الدرهمَ في أيدى الناسِ!
وما أكثرَ الدراهمَ في أيديهم! لأن الواحد يُؤَدِّي عن الجميعِ.
قالوا: ففى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}. مع إعلامِه عبادَه أن نعمَه لا تُحْصَى، ومع ما وصَفْناه من أنه غيرُ معقولٍ في كلامِ العربِ أن اثنين يُؤَدِّيان عن الجميعِ - ما يُنْبِئُ عن خطأِ قول من قال: معنى اليدِ في هذا الموضعِ الموضعِ النعمةُ. وصحةِ قولِ مَن قال: إن يدَ اللهِ هي له صفةٌ.
قالوا: وبذلك تَظاهَرَت الأخبارُ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال به العلماءُ وأهلُ التأويلِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: إن هذا الذي أطْلَعناك عليه مِن خَفِيِّ أمورِ هؤلاء اليهودِ مما لا يَعْلَمُه إلا عُلماؤُهم وأحْبارُهم، احتجاجًا عليهم لصحةِ نبوَّتِك، وقطعًا لعُذْرِ قائلٍ منهم أن يقولَ: ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ، {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا}. يعنى بالطُّغْيانِ العُلُوَّ في إنكارِ ما قد علِموا صحتَه من نبوةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - والتَّمادِيَ في ذلك، {وَكُفْرًا}. يقولُ: ويَزِيدُهم مع غُلُوِّهم في إنْكارِ ذلك جُجودَهم عظمةَ اللهِ، ووَصْفَهم إياه بغيرِ صفتِه، بأن يَنْسِبوه إلى البخلِ، ويقولوا: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. وإِنما أَعْلَمَ تعالى ذكرُه نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أنهم أهلُ عُتُوٍّ وتَمَرَّدٍ على ربِّهم، وأنهم لا يُذْعِنون لحقٍّ وإن علِموا صحتَه، ولكنهم يُعانِدونه، يُسَلِّي بذلك نبيَّه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - عن المَوْجِدةِ بهم في ذهابِهم عن اللهِ وتكذيبِهم إياه.
وقد بيَّنْتُ معنى "الطُّغيانِ" فيما مضَى بشواهِدِه بما أَغْنَى عن إعادتِه ¬ينظر ما تقدم في 1/ 320 - 322.¥.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا}. حمَلهم حسدُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - والعربِ على أن كفَروا به، وهم يَجِدونه مَكْتوبًا عندَهم ¬أخرجه ابن حاتم في تفسيره 4/ 1168 (6583) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 197 إلى عبد بن حميد.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}: بينَ اليهودِ والنصارى.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}: اليهودُ والنصارى ¬ذكره البغوي في تفسيره 3/ 77.¥.
(1) فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ}. جُعِلَت (2) الهاءُ والميمُ في قولِه: {بَيْنَهُمُ}، كِنايةً عن اليهودِ والنصارى، ولم يَجْرِ لليهودِ (3) والنصارى ذكرٌ؟
قيل: قد جَرَى لهم ذكرُ، وذلك قولُه: {لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [المائدة: 51] جرَى الخبرُ في بعضِ الآيِ عن الفريقين، وفي بعضٍ عن أحدِهما، إلى أن انْتَهَى إلى قولِه: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ}. ثم قصَد بقولِه: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ} الخبرَ عن الفريقين.
القولُ في تأويلِ قولِه: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ}.
يقولُ تعالى ذكرُه: كلما جُمِع أمرُهم على شيءٍ فاسْتقام واسْتَوى، فأرادوا مُناهَضةَ مَن ناوَأَهم، شتَّته اللهُ عليهم وأفْسَده؛ لسُوء فِعالِهم، وخُبْثِ نِيّاتِهم.
كالذي حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} [الإسراء: 4 - 6]. قال: كان الفسادُ الأولُ، فبعَث اللهُ عليهم عدوًّا، فاسْتَباحوا الديارَ، واسْتَنْكحوا النساءَ، واسْتَعْبَدوا الوِلْدانَ، وخرَّبوا المسجدَ، فغَبَرُوا زمانًا، ثم بعَث اللهُ فيهم نبيًّا، وعاد أمرُهم إلى أحسنِ ما كان. ثم كان الفسادُ الثاني بقتلِهم الأنبياءَ، حتى قتَلوا يحيى بنَ زكريا، فبعَث اللهُ عليهم بُخْتَنَصَّرَ، فقتَل مَن قتَل منهم، وسبَى مَن سبَى، وخرَّب المسجدَ، فكان بُخْتُنَصَّرَ الفسادَ الثانيَ. قال: والفسادُ المعصيةُ. ثم قال: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} إلى قولِه: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا}. فبعَث اللهُ لهم عُزَيْرًا، وقد كان عَل
ِم التوراةَ وحِفظها في صدرِه وكتَبها لهم، فقام بها ذلك القرنَ، ولبِثوا فنَسُوا، ومات عُزَيْرٌ، وكانت أحْداثٌ، ونَسُوا العهدَ، وبَخَّلوا ربَّهم، وقالوا: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}. وقالوا في عُزَيْرٍ: إن الله اتَّخَذه ولدًا. وكانوا يَعِيبون ذلك على النصارى في قولِهم في المسيحِ، فخالَفوا ما نَهَوْا عنه، وعمِلوا بما كانوا يُكَفِّرون عليه، فسبَق مِن اللهِ كلمةٌ عندَ ذلك أنهم لن يَظْهَروا على عدوٍّ آخرَ الدهرِ، فقال: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}. فبعَث اللهُ عليهم المجوسَ الثالثةَ ¬في م: "الثلاثة".¥ أرْبابًا، فلم يَزالوا كذلك، والمجوسُ على رِقابِهم وهم يقولون: يا ليتَنا أدْرَكْنا هذا النبيَّ الذي نَجِدُه مكتوبًا عندَنا، عسى اللهُ أَن يَفُكَّنا به مِن المجوسِ والعذابِ والهوانِ. فبعَث محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، واسمُه محمدٌ، واسمُه في الإنجيلِ أحمدُ، فلما جاءهم ما عرَفوا كفَروا به. قال: {فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَ
ى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] وقال: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} [البقرة: 90].
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ}: هم اليهودُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا}: أولئك أعداءُ اللهِ اليهودُ، كلما أوْقَدوا نارًا للحربِ أطْفَأَها اللهُ، فلن تَلْقَى اليهودَ ببلدٍ إلا وجَدْتَهم مِن أذلِّ أهلِه، لقد جاء الإسلامُ حينَ جاء وهم تحتَ أيدى المجوسِ، أبْغضِ خلقِه إليه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1169 (6591) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 297 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطٌ، عن السديِّ قولَه: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ}. قال: كلما أجْمَعوا أمرَهم على شيءٍ فرَّقه اللهُ، وأطْفَأ حدَّهم ونارَهم، وقذَف في قلوبِهم الرعبَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1169 (6588) من طريق أحمد بن مفضل به.¥.
وقال مجاهدٌ بما حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ}. قال: حربُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ¬تفسير مجاهد ص 312 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1169 (6587).¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: ويَعْمَلُ هؤلاء اليهودُ والنصارى بمعصيةِ اللهِ، فيَكْفُرون بآياتِه، ويُكَذِّبون رسلَه، ويُخالِفون أمرَه ونهيَه، وذلك سعيُهم فيها بالفسادِ، {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}. يقولُ: واللهُ لا يُحِبُّ مَن كان عامِلًا بمعاصِيه في أرضِه.

تفاسير بلغات أخرى · 6