تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ}.
يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيها الذين ¬بعده في ت 1، ت 2، ت 3: "آمنوا".¥ صدَّقوا الله ورسولَه {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ}. يقولُ: ليختبِرنَّكم اللهُ {بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ}. يعنى: ببعضِ الصيدِ.
وإنما أَخْبَرهم تعالى ذكرُه أنه يبلُوهم بشيءٍ؛ لأنه لم يبلُهم بصيدِ البحرِ، وإنما ابتلاهم بصيدِ البَرِّ، فالابتلاءُ ببعضٍ [لا بجميعٍ] ¬سقط من: س، وفى ص: "لا يحشع". وفى م: "لم يمتنع"، وفى ت 1، ت 2، ت 3: "يخشع"، وكله تحريف عما أثبتناه.¥.
وقولُه: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ}. فإنه يعنى: إما باليدِ، كالبيضِ والفراخِ، وإما بإصابةِ النَّبْلِ والرماحِ، وذلك كالحُمُرِ والبقرِ والظِّباءِ، فيمتحِنُكم به في حالِ إحرامِكم بعمرتِكم أو بَحَجِّكم.
وبنحوِ ذلك قالت جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: أخبرنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ}.
قال: أيديكم؛ صغارُ الصيد، أخذُ الفراخِ والبيضِ، والرِّماحُ، قال: كبارُ الصيدِ ¬تفسير مجاهد ص 315 ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 193، وابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1203 (6786، 6787)، والبيهقى 5/ 202، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (8172) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 326 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، عن داودَ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ}. قال: النبلُ، و ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ رماحُكم تنالُ كبير الصيدِ، وأيديكم تنالُ صغيرَ الصيدِ؛ أخذُ الفَرْخِ والبيضِ.
حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ في قولِه: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ}. قال: ما لا يستَطيعُ أن يفِرَّ من الصيدِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير 4/ 1203 (6785) من طريق وكيع وأبى نعيم به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 327 إلى أبى الشيخ.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: {أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ}. قال: هو الضعيفُ من الصيدِ وصغيُره، يَبْتلى اللهُ تعالى ذكرُه به عبادَه في إحرامِهم، حتى لو شاءوا نالوه بأيديهم، فنهاهم اللهُ أن يقرَبوه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1203 (6784) من طريق أبى صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 326 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن حميدٍ الأعرجِ وليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ}. قال: الفراخُ والبيضُ، وما لا يستطِيعُ أن يفِرَّ.
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: {لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94)}.
يعنى ¬في ص، ت 1، ت 3، ت 3، س: "يقول".¥ تعالى ذكرُه: ليختبِرَنَّكم اللهُ أيها المؤمنون ببعضِ الصيدِ في حالِ إحرامِكم، كي يعلَمَ أهلَ طاعةِ اللهِ والإيمانِ به، والمنتهين ¬في م: "المنتهون".¥ إلى حدودِه وأمرِه ونهيِه، و ¬سقط من: م.¥ من الذي يخافُ الله، [فيتقى ما] ¬في س: "فينتهي عما".¥ نهاه عنه ويجتنبُه خوفَ عقابِه، {بِالْغَيْبِ}. بمعنى: في الدنيا بحيث لا يراه.
وقد بيَّنا أن الغيبَ إنما هو مصدرُ قولِ القائلِ: غاب عنى هذا الأمرُ، فهو يغيبُ غيبًا وغَيْبةً. وأن ما لم يُعايَنْ، فإن العربَ تسمِّيه غَيْبًا ¬ينظر ما تقدم في 1/ 241 وما بعدها.¥.
فتأويلُ الكلامِ إذن: ليعلَمَ أولياءَ اللهِ؛ من يخافُ الله، فيتَّقى محارمَه التي حرَّمها عليه من الصيدِ وغيرِه، بحيث لا يراه ولا يعاينُه.
وأما قولُه: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ}. فإنه يعنى: فمن تجاوز حدَّ اللهِ الذي حدَّه له، بعدَ ابتلائِه بتحريمِ الصيدِ عليه وهو حرامٌ، فاستحلَّ ما حرَّم اللهُ عليه منه، بأخذِه وقتلِه، {فَلَهُ عَذَابٌ} من اللهِ {أَلِيمٌ}. يعنى: مؤلِمٌ مُوجِعٌ.