( فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ) [الرحمن : 56]
ولما ذكر الفرش وعظمتها قال بعد ذلك {فِيهِنَّ} أي: في الفرش {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} أي: غضيضات عن غير أزواجهن فلا يرين شيئًا في الجنة أحسن من أزواجهن، قاله ابن عباس وقتادة وعطاء الخراساني وابن زيد ¬أخرجه محمد بن يوسف الفريابي بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد (ينظر تغليق التعليق 4/ 334)، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.¥.
وقد ورد أن الواحدة منهن تقول لبعلها: والله ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك. ولا في الجنة شيئًا أحب إلي منك، فالحمد لله الذي جعلك لي وجعلني لك.
{لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} أي: بل هن أبكار عُرُب أتراب لم يطأهن أحد قبل أزواجهن من الإنس والجن، وهذه أيضًا من الأدلة على دخول مؤمني الجن الجنة.
وقال أرطاة بن المنذر: سُئل ضمرة بن حبيب هل يدخل الجن الجنة؟ قال: نعم وينكحون، للجن جنيات وللإنس إنسيات، وذلك قوله: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57)} ¬أخرجه الطبري من طريق شُريح بن يزيد الحضرمي عن أرطأة بن المنذر به، وسنده ضعيف لإرساله.¥.
<br>القولُ في تأويلِ قولِه - عزَّ وجلَّ -: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57)}.<br>قال أبو جعفرٍ - رحِمه اللَّهُ -: يقولُ تعالى ذكرُه: في هذه الفُرُشِ التي بطائنُها من إستبرقٍ {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ}؛ وهنَّ النساء اللاتي قد قُصِر طرفُهن على أزواجِهن، فلا يَنْظُرْنَ إلى غيرِهم من الرجالِ.<br>وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.<br>ذكرُ مَن قال ذلك<br>حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أبي، [وحدَّثنا محمدُ بنُ عمارةَ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللَّهِ، جميعًا عن إسرائيلَ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قولِه: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ}. قال: قُصِر طرفُهن عن الرجالِ، فلا يَنْظُرْنَ إلا إلى أزواجِهن ¬أخرجه هناد في الزهد (17)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (329)، والبيهقي في البعث والنشور (388) من طريق منصور عن مجاهد بنحوه. وأخرجه الفريابي - كما في التغليق 4/ 334 - من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 147 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد.¥.<br>حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} الآية. يقولُ: قُصِر طرفُهن على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم ¬أخرجه البيهقي في البعث والنشور (392) من طريق سعيد به، وعزاه ابن القيم في حادي الأرواح ص 169 إلى سعيد بن منصور في تفسيره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 147 إلى عبد بن حميد.¥.<br>حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ - عزَّ وجلَّ -: {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ}. قال: لا يَنْظُرْنَ إلَّا إلى أزواجِهنَّ، تقولُ: وعزةِ ربي وجلالِه وجمالِه إن أَرى في الجنةِ شيئًا أحسَن منك، فالحمدُ للَّهِ الذي جعَلك زوجِي، وجعَلني زوجَك ¬ذكره البغوي في تفسيره 7/ 453، وابن كثير في تفسيره 7/ 479.¥.<br>وقولُه: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ}. يقولُ: لم يَمَسَّهن إنسٌ ¬بعده في الأصل: "قبلهم ولا جان".¥ قبلَ هؤلاء الذين وصَف جلَّ ثناؤُه صفتَهم - وهم الذين قال فيهم: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} - ولا جانٌّ. يُقالُ منه: ما طمَث هذا البعيرَ حبلٌ قطُّ، أي: ما [مسَّه حبلٌ] ¬في ص، ت 2، ت 3: "مشطه حبل قط".¥.<br>وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من الكوفيِّين ¬هو الفراء في معاني القرآن 3/ 119، وينظر تهذيب اللغة 13/ 316.¥ يقولُ: الطمثُ هو النكاحُ بالتَّدْمِيةِ. ويقولُ: الطَّمثُ هو الدمُ. ويقولُ: يقالُ: طمَثها، إذا دمَّاها بالنكاحِ.<br>وإنما عنَى في هذا الموضعِ بذلك أنه لم يُجامِعْهن إنسٌ قبلَهم ولا جانٌّ.<br>وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.<br>ذكرُ مَن قال ذلك<br>حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ}. يقولُ: لم يُدْمِهِنَّ ¬في ت 1: "يدميهن"، وفي ت 2: "يدمنهن"، وفي الإتقان: "يدني منهن".¥ إِنسٌ ولا جانٌّ ¬أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 47 - والبيهقي في البعث والنشور (377) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 147 إلى ابن المنذر.¥.<br>حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن عليٍّ: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ}. قال: [مذ خُلِقن] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "منذ خلقهن".¥.<br>حدَّثنا الحسينُ بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: ثنا أبو معاويةَ الضريرُ، عن مغيرةَ بنِ مسلمٍ، عن عكرِمةَ، قال: لا تَقُلِ المرأةُ: إني طامثٌ؛ فإنَّ الطَّمْثَ هو الجماعُ، وإنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه يقولُ: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 148 إلى المصنف وابن المنذر.¥.<br>حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ}. قال: لم يَمَسَّهن شيءٌ؛ إنسٌ ولا غيرُه ¬ذكره الطوسي في التبيان 9/ 479.¥.<br>حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {لَمْ يُطمِثْهُنَّ}. قال: لم يَمَسَّهن ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 147 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.<br>حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِيُّ ¬في الأصل: "الأيلي".¥، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن عاصمٍ، قال: قلتُ لأبي العاليةِ: امرأةٌ طامثٌ. قال: ما طامثٌ؟ فقال رجلٌ: حائضٌ. فقال أبو العاليةِ: حائضٌ ¬سقط من: الأصل، ت 3.¥؟! أليس يقولُ اللَّهُ - عزَّ وجلَّ -: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ}؟<br>فإن قال قائلٌ: وهل يُجامِعُ النساءَ الجنُّ فيقالَ: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ}؟<br>فإن مجاهدًا رُوِي عنه ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَعْلَى الأسلميُّ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن مجاهدٍ، قال: إذا جامَع الرجلُ ولم يُسَمِّ، انطوَى الجانُّ على إحليله فجامَع معه، فذلك قولُه: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} ¬ذكره ابن القيم في حادي الأرواح ص 170، والحافظ في الفتح 9/ 229، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 148 إلى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول.¥.<br>وكان بعضُ أهلِ العلمِ يَنْتَزِعُ بهذه الآيةِ في أن الجنَّ يَدْخُلون ¬بعده في ت 1: "قبلهم".¥ الجنةَ.<br>ذكرُ مَن قال ذلك<br>حدَّثني أبو حُمَيدٍ أحمدُ بنُ المغيرةِ الحمصيُّ، قال: ثنى أبو حيوةَ شريحُ بنُ يزيدَ الحضرميُّ، قال: ثنى أرطاةُ بنُ المنذرِ، قال: سألتُ ضَمْرةَ ¬في ت 2، ت 3: "حمزة".¥ بنَ حبيبٍ: هل للجنِّ من ثوابٍ؟ قال: نعم. ثم نزَع بهذه الآيةِ: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ}. فالإنسياتُ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "فالإنسان".¥ للإنسِ، والجنِّياتُ للجنِّ ¬أخرجه أبو الشيخ في العظمة (1162) من طريق أرطاة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 148 إلى ابن المنذر.¥.<br>