تفسير هذه الآية

السورة 56 : الآية 14

تفسير البغوي (معالم التنزيل)

{وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} يَعْنِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالَ الزَّجَّاجُ: الَّذِينَ عَايَنُوا جَمِيعَ النَّبِيِّينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَصَدَّقُوهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ عَايَنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

تفسير ابن كثير

{ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14)} يقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء السابقين المقربين أنهم ثلة؛ أي: جماعة من الأولين وقليل من الآخرين، وقد اختلفوا في المراد بقوله الأولين والآخرين فقيل: المراد بالأولين الأمم الماضية وبالآخرين هذه الأُمة، وهذا رواية عن مجاهد والحسن البصري ¬أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وذلك في تفسير الآية 39 من هذه السورة الكريمة، وكذا أخرجه الطبري عن الحسن وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.¥، رواها عنهما ابن أبي حاتم: وهو اختيار ابن جرير واستأنس بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" ¬تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية 224.¥ ولم يحك غيره ولا عزاه إلى أحد، ومما يستأنس به لهذا القول ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا شريك، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: لما نزلت {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14)} شقَّ ذلك على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزل {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40)} [الواقعة] فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة أو شطر أهل الجنة وتقاسمونهم النصف الثاني" ¬سنده ضعيف لجهالة والد محمد بن عبد الرحمن وهو عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة. وشريك هو ابن عبد الله النخعي صدوق سيء الحفظ.¥. ورواه الإمام أحمد، عن أسود بن عامر، عن شريك، عن محمد بياع الملاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ... فذكره ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 15/ 38 ح 9080) وقال محققوه: حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف.¥. وقد روي من حديث جابر نحو هذا، ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق هشام بن عمارة، حدثنا عبد ربه بن صالح، عن عروة بن رويم، عن جابر بن عبد الله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: لما نزلت {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1)} [الواقعة] " ذكر فيها " {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14)} " قال عمر: يا رسول الله {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13)} وقليل منا؟ [قال: فأمسك] ¬زيادة من (حم) و (ح)، وفي الأصل بياض.¥ آخر السورة سنة ثم نزل: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40)} [الواقعة] فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا عمر تعال فاسمع ما قد أنزل الله: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40)} [الواقعة] ألا وإن من آدم إلي ثلة وأُمتي ثلة، ولن نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان من رعاة الإبل ممن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له" ¬تاريخ دمشق 11/ ل 279، وسنده ضعيف لانقطاعه بين عروة بن رويم وجابر لأنه لم يسمع منه.¥ هكذا أورده في ترجمة عروة بن رويم إسنادًا ومتنًا، ولكن في إسناده نظر، وقد وردت طرق كثيرة متعددة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة" ¬صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج (ح 3348).¥ الحديث بتمامه وهو مفرد في صفة الجنة، ولله الحمد والمنة. وهذا الذي اختاره ابن جرير ههنا فيه نظر بل هو قول ضعيف؛ لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنصِّ القرآن، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها، اللَّهمَّ إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة، والظاهر أن المقربين من هؤلاء أكثر من سائر الأمم والله أعلم. فالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح، وهو أن يكون المراد بقوله تعالى: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13)} أي: من صدر هذه الأمة {وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14)} أي: من هذه الأمة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عفان، حدثنا عبد الله بن بكر المزني، سمعت الحسن أتى على هذه الآية {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11)} فقال: أما السابقون فقد مَضَوا ولكن اللَّهم اجعلنا من أصحاب اليمين ¬سنده حسن.¥. ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا السري بن يحيى قال: قرأ الحسن {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13)} قال ثلة ممن مضى من هذه الأمة ¬سنده حسن.¥. وحدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة المنقري، حدثنا أبو هلال، عن محمد بن سيرين أنه قال في هذه الآية {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14)} قال: كانوا يقولون أو يرجون أن يكونوا كلهم من هذه الأمة ¬سنده حسن، وأبو هلال هو محمد بن سليم الراسبي البصري.¥، فهذا قول الحسن وابن سيرين أن الجميع من هذه الأُمة، ولا شك أن أول كل أُمة خير من آخرها، فيحتمل أن تعمَّ الآية جميع الأُمم كل أمة بحسبها، ولهذا ثبت في الصحاح وغيرها من غير وجه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" الحديث بتمامه ¬تقدم تخريجه في تفسير سورة الفرقان آية 38.¥. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زياد أبو عمر، عن الحسن، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مثل أُمتي مثل المطر لا يُدرى أوله خير أم آخره" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 31/ 174 ح 18881) وقال محققوه: حديث قوي بطرقه وشواهده وحسنه الحافظ ابن حجر بطرفه (فتح الباري 7/ 6).¥ فهذا الحديث، بعد الحكم بصحة إسناده، محمول على أن الدين كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم، كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها وتثبيت الناس على السنة وروايتها وإظهارها، والفضل للمتقدم وكذلك الزرع هو محتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني، ولكن العمدة الكبرى على الأول واحتياج الزرع إليه آكد، فإنه لولاه ما نبت في الأرض ولا تعلق أساسه فيها ولهذا قال - عليه السلام -: "لا تزال طائفة من أُمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة" وفي لفظ "حتى يأتي أمر الله تعالى وهم كذلك" ¬تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية 129.¥ والغرض أن هذه الأمة أشرف من سائر الأمم، والمقربون فيها أكثر من غيرها وأعلى منزلة لشرف دينها وعظم نبيها، ولهذا ثبت بالتواتر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه أخبر أن في هذه الأمة سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب وفي لفظ "مع كل ألف سبعون ألفًا" وفي آخر: "مع كل واحد سبعون ألفًا" ¬تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية 110.¥. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هشام بن يزيد الطبراني، حدثنا محمد هو ابن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم يعني ابن زرعة، عن شريح هو ابن عبيد، عن أبي مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أما والذي نفسي بيده ليبعثن منكم يوم القيامة مثل الليل الأسود زمرة جميعها يحيطون الأرض، تقول الملائكة لما جاء مع محمد - صلى الله عليه وسلم - أكثر مما جاء مع الأنبياء - عليهم السلام -" ¬أخرجه الطبراني (المعجم الكبير 3/ 297) وسنده ضعيف لانقطاعه فإن محمد بن إسماعيل بن عياش لم يسمع من أبيه كما في التقريب.¥. وحسن أن يذكر ههنا عند قوله تعالى: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14)} الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة حيث قال: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، أخبرنا جعفر بن محمد بن المستفاض الفريابي، حدثني أبو وهب الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله بن مسرح الحراني، حدثنا سليمان بن عطاء القرشي الحراني، عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن أبي زمل الجهني - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الصبح يقول وهو ثان رجليه: "سبحان الله وبحمده أستغفر الله إن الله كان توابًا" سبعين مرة ثم يقول: "سبعين بسبعمائة لا خير لمن كانت ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبعمائة" ثم يقول ذلك مرتين ثم يستقبل الناس بوجهه. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعجبه الرؤيا ثم يقول: "هل رأى أحد منكم شيئًا؟ " قال أبو زمل: فقلت: أنا يا رسول الله، فقال: "خير تلقاه، وشر توقاه، وخير لنا، وشر على أعدائنا الحمد لله رب العالمين اقصص رؤياك" فقلت: رأيت جميع الناس على طريق رحب سهل لاحب ¬أي: الطريق الواسع الذي لا ينقطع.¥ والناس على الجادة منطلقين، فبينما هم كذلك إذ أشفى ¬أي: أشرف عليه.¥ ذلك الطريق على مرج لم تر عيني مثله، يرف رفيفًا يقطر ماؤه فيه من أنواع الكلأ، قال: وكأني بالرعلة ¬أي: القطعة من الفرسان.¥ الأولى حين أشفوا على المرج كبَّروا ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فلم يظلموه ¬أي: فلم يعدلوا منه.¥ يمينًا ولا شمالًا، قال فكأني أنظر إليهم منطلقين، ثم جاءت الرعلة الثانية، وهم أكثر منهم أضعافًا فلما أشفوا على المرج كبروا ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المرتع ¬أي: الذي يدع ركابه ترتع من العشب.¥، ومنهم الآخذ الضغث ¬أي: الذي ينال حزمة من الحشيش، والمراد: نال من الدنيا شيئًا.¥، ومضوا على ذلك، قال: ثم قدم عظم الناس، فلما أشفوا على المرج كبروا وقالوا: هذا خير المنزل، كأني أنظر إليهم يميلون يمينًا وشمالًا، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى آتى أقصى المرج، فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل آدم شثل ¬أي: غليظ الأصابع.¥ أقنى ¬أي: الرجل ذو ارتفاع في أعلى أنفه.¥ إذا هو تكلم يسمو، فيقرع ¬أي: يعلوهم.¥ الرجال طولًا، وإذا عن يسارك رجل ربعة باد كثير خيلان ¬أي: كثير الشامات في الوجه.¥ الوجه، كأنما حمم ¬أي: سود.¥ شعره بالماء، إذا هو تكلم أصغيتم إكرامًا له، وإذا أمام ذلك رجل شيخ أشبه الناس بك خلقًا ووجهًا كلكم تأمونه تريدونه، وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف ¬أي: ناقة مُسنة.¥، وإذا أنت يا رسول الله كأنك تبعثها. قال: فامتقع لون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساعة ثم سُريَ عنه، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أما ما رأيت من الطريق السهل الرحب اللاحب، فذاك ما حملتكم عليه من الهدى وأنتم عليه، وأما المرج الذي رأيت فالدنيا وغضارة عيشها، مضيت أنا وأصحابي لم نتعلق منها بشيء ولم تتعلق منا ولم نردها ولم تردنا، ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدنا وهم أكثر منا أضعافًا، فمنهم المرتع ومنهم الآخذ الضغث ونجوا على ذلك، ثم جاء عُظْمُ الناس فمالوا في المرج يمينًا وشمالًا فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأما أنت فمضيت على طريقة صالحة، فلن تزال عليها حتى تلقاني، وأما المنبر الذي رأيت فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا في آخرها ألفًا، وأما الرجل الذي رأيت على يميني الآدم الشثل فذلك موسى - عليه السلام -، إذا تكلم يعلو الرجال بفضل كلام الله إياه، والذي رأيت عن يساري الباز الربعة الكثير خيلان الوجه كأنما حمم شعره بالماء، فذلك عيسى ابن مريم نكرمه لإكرام الله إياه، وأما الشيخ الذي رأيت أشبه الناس بي خلقًا ووجهًا فذاك أبونا إبراهيم كلنا نؤمه ونقتدي به، وأما الناقة التي رأيت ورأيتني أبعثها فهي الساعة علينا تقوم لا نبي بعدي ولا أمة بعد أمتي" قال: فما سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -عن رؤيا بعد هذا إلا أن يجيئ الرجل فيحدثه بها متبرعًا" ¬أخرجه البيهقي (الدلائل 7/ 36، 37) وسنده ضعيف جدًا لأن سليمان بن عطاء القرشي يروي عن مسلمة بن عبد الله الجهني عن عمه أبي مشجعة بن ربعي أحاديث موضوعة وقد ذكر ابن حبان هذا الحديث مثالًا لها. (ينظر المجروحين 1/ 325).¥.

التفسير الميسر

يدخلها جماعة كثيرة من صدر هذه الأمة، وغيرهم من الأمم الأخرى، وقليل من آخر هذه الأمة على سرر منسوجة بالذهب، متكئين عليها يقابل بعضهم بعضًا.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14)}. {14} {وقليلٌ من الآخِرينَ}: وهذا يدلُّ على فضل صدر هذه الأمَّة في الجملة على متأخِّريها ¬في (ب): «متأخرها».¥؛ لكون المقرَّبين من الأولين أكثر من المتأخرين، والمقرَّبون هم خواصُّ الخلق.