تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المُفْتَرِين على ربِّهم مِن عَبَدةِ الأوثانِ، الزاعمِين أن اللهَ حرَّم عليهم ما هم مُحَرِّموه من حُروثِهم وأنعامِهم: {هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ}. يقولُ: هاتوا شُهَداءَكم الذين يَشْهَدون على اللهِ أنه حرَّم عليكم ما تَزْعُمون أنه حرَّمه عليكم.
وأهلُ العاليةِ مِن تِهامةَ تُوَحِّدُ "هُلمَّ" فى الواحدِ والاثنين والجَميعِ ¬فى م: "الجمع".¥، وتذكِّرُ في المؤنَّثِ والمذكَّرِ، فتقولُ للواحدِ: هَلُمَّ يا فلانُ. وللاثنين والجميعِ ¬ديوانه ص 43.¥ كذلك، وللأنثى مثلَه، ومنه قولُ الأَعْشَى ¬الصَّرْم: القَطْع البائن. اللسان (ص ر م).¥:
وكان دعا قومَه دَعوةً ... هلُمَّ إلى أمرِكم قد صُرِمْ ¬في ت 1، ت 2، ت 3، س، ف: "هلمن".¥
يُنْشَدُ: هَلُمَّ وهلُمُّوا. وأما أهلُ السافِلةِ مِن نَجْدٍ، فإنهم يُوَحِّدون للواحدِ، ويُتَنُّون للاثنين، ويَجْمَعون للجميعِ، فتقولُ للواحدِ مِن الرجالِ: هلُمَّ. وللواحدةِ من النساءِ: هلُمِّى. وللاثنين: هلُمَّا. وللجماعةِ من الرجالِ: هلُمُّوا. وللنساءِ: هَلْمُمْنَ ¬¥.
قال اللهُ لنبيِّه: {فَإِنْ شَهِدُوا} يا محمدُ. يقولُ: فإن جاءوك بشهداءَ يَشْهَدون أن اللهَ حَرَّم ما يَزْعُمون أن اللهَ حَرَّمه عليهم، {فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ}. فإنهم كَذَبَةٌ وشهودُ زُورٍ في شهادتِهم بما شهِدوا به مِن ذلك على اللهِ. وخاطَب بذلك جلَّ ثناؤُه نبيَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، والمرادُ به أصحابُه والمؤمنون به، {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}. يقولُ: [ولا تُشايِعْهم] ¬فى م، س: "ولا تتابعهم"، وفي ت 1: "وتشايعهم".¥ على ما هم عليه من التكذيبِ بوحي اللهِ وتنزيلِه، فى تحريمِ ما حرَّم، وتحليلِ ما أحَلَّ لهم، ولكن اتَّبِعْ مَا أُوْحِى إليك مِن كتابِ ربِّك الذى لا يَأْتِيه الباطلُ مِن بينِ يديْه ولا مِن خلفِه. {وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ}. يقولُ: ولا تَتَّبع أهواءَ الذين لا يُؤْمِنون بالآخرةِ، فتُكَذِّبَ بما هم به مُكَذِّبون؛ مِن إحياءِ اللهِ خلقَه بعدَ مَماتِهم، ونَشْرِه إياهم بعدَ فنائِهم، {وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}. يقولُ: وهم مع تكذيبِهم بالبعثِ بعدَ المَماتِ، وجحودِهم قيامَ الساعةِ، باللهِ يَعْدِلون الأوثانَ والأصنامَ، فيَجْعَلونها له عِدْلًا،
ويَتَّخِذونها له نِدًّا يَعْبُدونها مِن دونِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: {هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا}. يقولُ: قُلْ: أَرُونى الذين يَشْهَدون أن اللهَ حرَّم هذا مما حَرَّمَتِ العربُ، وقالوا: أمرَنا اللهُ به. قال اللهُ لرسولِه: {فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1413 (8052، 8054، 8055) من طريق أحمد بن المفضل به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: {هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا}. قال: البَحائِرُ والسُّيَّبُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1413 (8053) من طريق حجاج به.¥.