تفسير هذه الآية

السورة 6 : الآية 151

السورة 6 : الآية 151

قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قوله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}.
يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ، الزاعمين أن اللهَ حرَّم عليهم ما هم مُحَرِّموه من حروثِهم وأنعامِهم، على ما ذكَرْتُ لك في تنزيلي عليك: تعالَوْا أَيُّها القومُ أَقْرَأْ عليكم ما حرَّم ربُّكم حقًّا يقينًا، لا الباطلَ تَخَرُّصًا، تَخَرُّصَكم ¬في م: "كخرصكم".¥ على اللهِ الكذبَ والفِرْيَةَ ظنًّا، ولكنْ وحيًا مِن اللهِ أوْحاه إليَّ، وتنزيلًا أنزَله عليَّ: ألا تُشْرِكوا باللهِ شيئًا مِن خلقِه، ولا تَعْدِلوا به الأوثانَ والأصنامَ، ولا تَعْبُدوا شيئًا سواه. {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}. يقولُ: وأوْصَى بالوالدين إحسانًا. وحذَف "أوْصَى" و"أمرَ"؛ لدلالةِ الكلامِ عليه ومعرفةِ السامعِ بمعناه. وقد بيَّنا ذلك بشَواهدِه فيما مضَى من الكتابِ ¬ينظر ما تقدم في 2/ 191.¥.
وأما "أن" فى قولِه: {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}. فرفعٌ؛ لأن معنى الكلامِ: قلْ تعالَوْا أتلُ ما حرَّم ربُّكم عليكم؛ هو ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س، ف.¥ ألا تُشْرِكوا به شيئًا.
وإذا كان ذلك معناه، كان فى قولِه: {تُشْرِكُوا}. وجهان؛ الجزمُ بالنَّهْي، وتوجيهُ "لا" إلى معنى النهي. والنصبُ على توجيهِ الكلامِ إلى الخبرِ، ونصبِ {تُشْرِكُوا} بـ {أَلَّا}، كما يقالُ: أَمَرْتُك ألا تقومَ.
وإن شئتَ جَعَلْتَ "أن" في موضعِ نصبٍ ردًّا على "ما" وبيانًا عنها، ويكونُ في قولِه: {تُشْرِكُوا}. أيضًا مِن وجهَيِ الإعرابِ على ¬سقط من: م.¥ نحوِ ما كان فيه منه و "أن" في موضعِ رفعٍ.
ويكونُ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: قلْ تعالوا أتْلُ ما حرَّم ربُّكم عليكم؛ أتلُ ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س، ف.¥ ألا تُشْرِكوا به شيئًا.
فإن قال قائلٌ: وكيف يَجوزُ أن يكونَ قولُه: {تُشْرِكُوا}. نصبًا بـ {أَلَّا}، أم كيف يَجوزُ توجيهُ قولِه: {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ}. على معنى الخبرِ، وقد عطَف عليه بقولِه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ}. وما بعدَ ذلك مِن جزمِ النهي؟
قيل: جاز ذلك كما قال تعالى ذكرُه: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ}. فجعَل {أَنْ أَكُونَ} خبرًا، و {أَنْ} اسمًا، ثم عطَف عليه [{وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}] ¬زيادة لازمة يتضح بها السياق، وينظر معانى القرآن للفراء 1/ 364.¥. وكما قال الشاعرُ ¬معانى القرآن للفراء 1/ 364 دون نسبة.¥:
حَجَّ وأَوْصَى بِسُلَيْمَى الأَعْبُدَا
ألا تَرَى ولا تُكَلِّمْ أحَدًا
ولا يَزَلْ شَرابُها مُبَرَّدَا ¬في معانى القرآن: 1/ 364: "ولا تمش بفضاء بعدا".¥
فجعَل قولَه: ألَّا تَرَى. خبرًا، ثم عطَف بالنهي، فقال: ولا تُكَلِّمْ، ولا يَزَلْ.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ}: ولا تَئِدوا أولادَكم فتَقْتُلوهم من خَشْيةِ الفقرِ على أنفسِكم بنَفَقاتِهم ¬فى ت 1، ت 2، ت 3، س، ف: "شفقا بهم".¥؛ فإن اللهَ هو رازقُكم وإياهم، ليس عليكم رزقُهم فتَخافُوا بحياتِهم على أنفسِكم العجزَ عن أرزاقِهم وأقْواتِهم.
والإمْلاقُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: أمْلَقْتُ من الزادِ، فأنا أُمْلِقُ إملاقًا. وذلك إذا فني زادُه، وذهَب مالُه وأفْلَس.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ}: الإملاقُ الفقرُ، قتَلوا أولادَهم خشيةَ الفقرِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1414 (8059) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 55 إلى ابن المنذر وابن مردويه.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ}. أى: خشيةَ الفاقةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1415 (8060) من طريق شيبان، عن قتادة مطولًا، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 54، 55 إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ}. قال: الإملاقُ الفقرُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1415 عقب الأثر (8060) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ قولَه: {مِنْ إِمْلَاقٍ}. قال: شياطينُهم يَأْمُرُونهم أن يَئِدوا أولادَهم خِيفةَ العَيْلَةِ.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ فى قولِه: {مِنْ إِمْلَاقٍ}. يعنى: من ¬زيادة من: م.¥ خشيةِ فقرٍ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1415 عقب الأثر (8060) معلقا.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَقْرَبُوا الظاهرَ مِن الأشياءِ المحرَّمةِ عليكم، التي هي علانيةٌ بينَكم، لا تَناكَرون ركوبَها، والباطنَ منها الذي تَأْتُونه ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س، ف: "يأتونه".¥ سرًّا في خَفاءٍ لا تُجاهِرون ¬في ت 1، ت 2، ت 3، س: "يجاهرون".¥ به، فإن كلَّ ذلك حرامٌ.
وقد قيل: إنما قيل: لا تَقْرَبوا ما ظهَر مِن الفَواحشِ وما بطَن؛ لأنهم كانوا يَسْتَقْبِحون مِن معانى الزنى بَعْضًا.
وليس ما قالوا مِن ذلك بمدفوعٍ، غير أن دليلَ الظاهرِ مِن التنزيلِ على النهي عن ظاهرِ كلِّ فاحشةٍ وباطنِها، ولا خبرَ يَقْطَعُ العذرَ بأنه عُنِى به بعضٌ دونَ جميعٍ، وغيرُ جائزٍ إحالةُ ظاهرِ كتابِ اللهِ إلى باطنٍ إلا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها.
ذكرُ مَن قال ما ذكَرْنا مِن قولِ مَن قال: الآيةُ خاصُّ المعنى
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}: أما {مَا ظَهَرَ مِنْهَا}: فزَوانى الحَوانيتِ، وأما {مَا بَطَنَ}: فما خفِى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1416 عقب الأثر (8066) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.¥.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ قولَه: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}: كان أهلُ الجاهليةِ يَسْتَسِرُّون بالزنى، ويَرَوْن ذلك حلالًا ما كان سرًّا، فحرَّم اللهُ السرَّ منه والعَلانِيَةَ، {مَا ظَهَرَ مِنْهَا}. يعني: العَلانيةَ، {وَمَا بَطَنَ}. يعنى: السرَّ ¬ينظر التبيان 4/ 315.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}. قال: كانوا فى الجاهليةِ لا يَرَوْن بالزنى بأسًا في السرِّ، ويَسْتَقْبِحونه في العَلانيةِ، فحرَّم اللهُ الزنى فى السرِّ والعلانيةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1416، 1469 (8066، 8411) من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 55 إلى ابن المنذر وابن مردويه.¥.
وقال آخَرون في ذلك بمثلِ الذي قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}: سرَّها وعلانِيتَها ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1416 عقب الأثر (8066) معلقا، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 54، 55 إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ نحوَه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 221 عن معمر من قوله.¥.
وقال آخَرون: {مَا ظَهَرَ}: نكاحُ الأمهاتِ وحَلائلِ الآباءِ، {وَمَا بَطَنَ}: الزنى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}. قال: {مَا ظَهَرَ}: جمعٌ بينَ الأُختين، وتزويجُ الرجلِ امرأةَ أبيه مِن بعدِه، {وَمَا بَطَنَ}: الزنى ¬أخرج أوله ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1416 (8068) من طريق خصيف به بنحوه، وذكر آخره 5/ 1417 عقب الأثر (8072) معلقا.¥.
وقال آخَرون في ذلك بما حدَّثني إسحاقُ بنُ زيادٍ العَطَّارُ البَصْريُّ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "النصرى"، وغير منقوطة في س.¥، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ البَلْخيُّ، قال: ثنا تَميمُ بنُ شاكرٍ الباهليُّ، عن عيسى بن أبى حَفْصةَ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}. قال: {مَا ظَهَرَ}: الخمرُ، {وَمَا بَطَنَ}: الزنى ¬ذكره البغوي في تفسيره 3/ 203.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} - {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}. يعنى بالنفسِ التي حرَّم اللهُ قتلَها؛ نفسَ مؤمنٍ أو مُعاهَدٍ. وقولُه: {إِلَّا بِالْحَقِّ}. يعنى: بما أباح قتلَها به؛ مِن أن تَقْتُلَ نفسًا فتُقْتَلَ قَوَدًا بها، أو تَزْنِيَ وهى مُحْصَنَةٌ فَتُرْجَمَ، أَو تَرْتَدَّ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س، ف: "ترد".¥ عن دينِها الحقِّ فتُقْتَلَ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "فيبدل"، وفى ف: "فتبدل".¥، فذلك الحقُّ الذي أباح اللهُ جلَّ ثناؤُه قتلَ النفسِ التي حرَّم على المؤمنين قتلَها به. {ذَلِكُمْ}. يعني: هذه الأمورُ التي عهِد إلينا فيها ربُّنا ألَّا نَأْتِيَه، وأَلَّا نَدَعَه، هي الأمورُ التي وَصَّانا والكافرين بها أن نَعْمَلَ جميعًا به. {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. يقولُ: وَصَّاكم بذلك لتَعْقِلوا ¬في م: "لعلكم تعقلون".¥ ما وصَّاكم به ربُّكم.

تفاسير بلغات أخرى · 6