تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161)}
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. يقولُ: قلْ لهم: إننى أَرْشَدَنِي ربي إلى الطريقِ القويمِ، هو دينُ اللهِ الذي ابتَعَثَه به، وذلك الحنيفيةُ المسلِمةُ، فوَفَّقَنى له. {دِينًا قِيَمًا}. يقولُ: مستقيمًا. {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}. يقولُ: دينَ إبراهيمَ. {حَنِيفًا}. يقولُ: مستقيمًا.
{وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}. يقولُ: وما كان مِن المشركين باللهِ، يعنى: إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه؛ لأنه لم يكنْ ممن يَعْبُدُ الأصنامَ.
واختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: {دِينًا قِيَمًا}. فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ البَصْرِيين: "دِينا قَيِّمًا" بفتحِ القافِ وتشديدِ الياءِ ¬وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. ينظر حجة القراءات ص 279.¥، إلحاقًا منهم ذلك بقولِ اللهِ: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [التوبة: 36، يوسف: 40، الروم: 30]. وبقولِه: {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيَّمَةِ} [البينة: 5].
وقرأ ذلك عامةُ قَرَأةِ الكُوفيين: {دِينًا قِيَمًا} بكسرِ القافِ، وفتحِ الياءِ وتخفيفِها، وقالوا: القيِّمُ والقِيَمُ بمعنىً واحدٍ، وهما لغتان معناهما: الدينُ المستقيمُ ¬وهى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص 278.¥.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصارِ، مُتَّفقتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فهو للصوابِ مصيبٌ، غيرَ أن فتحَ القافِ وتشديدَ الياءِ أعجبُ إليَّ؛ لأنه أفصحُ اللغتين وأشهرُهما.
ونُصِب قولُه: {دِينًا} على المصدرِ مِن معنى قولِه: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. وذلك أن المعنى: هداني ربي إلى دينٍ قويمٍ، فاهتديتُ له دينًا قِيَمًا. فـ "الدينُ" منصوبٌ مِن المحذوفِ الذي هو "اهتديتُ"، الذي ناب عنه قوله: {إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
وقال بعضُ نَحْويِّى البصرةِ: إنما نُصِب ذلك لأنه لما قال: {هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. قد أخبَر أنه عَرَفَ شيئًا، فقال: {دِينًا قِيَمًا}. كأنه قال: عرَفتُ دينًا قِيَمًا ملةَ إبراهيمَ.
وأما معنى "الحنيفِ"، فقد بينتُه في مكانِه في "سورةِ البقرةِ" بشواهدِه، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ ¬تقدم في 2/ 591 وما بعدها.¥.