تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)}.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بهذه الآية؛ فقال بعضُهم: عنَى بها الذين نهى اللهُ نبيَّه عن طردِهم. وقد مضت ممم 1 لروايةُ بذلك عن قائليه.
وقال آخرون: عنَى بها قومًا اسْتَفْتَوُا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في ذنوبٍ أصابوها عظامٍ، فلم يُؤَيِّسْهم اللهُ مِن التوبةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُجَمِّعٍ، قال: سمِعْتُ ماهانَ، قال: جاء قومٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قد أصابوا ذنوبًا عظامًا، قال ماهانُ: فما إخالُه ردَّ عليهم شيئًا. قال: فأَنْزَلَ اللهُ هذه الآيةَ: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} الآية ¬تفسير سفيان ص 107، 108، وأخرجه مسدد في مسنده - كما في المطالب العالية (3973) - من طريق يحيى بن سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 14 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن مُجَمِّعٍ، عن ماهانَ، أن قومًا جاءوا إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: يا محمدُ، إنا أصَبْنا ذنوبًا عظامًا. فما إخالُه ردَّ عليهم شيئًا، فانْصَرَفوا، فأنزل الله تعالى ذكرُه: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}. قال: فدعاهم، فقرَأَها عليهم. حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُجَمِّعٍ التَّميميِّ، قال: سَمِعْتُ ماهانَ يقولُ. فذكر نحوَه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1300 (7345) من طريق أبي نعيم به.¥.
وقال آخَرون: بل عُنِي بها قومٌ مِن المؤمنين كانوا أشاروا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بطردِ القومِ الذين نهاه الله عن طردهم، فكان ذلك منهم خَطيئةً، فغفَرها الله لهم، وعفا عنهم، وأمَر نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - إذا أتَوه أن يُبَشِّرَهم بأن قد غفر لهم خَطيئتَهم التي سلَفَت منهم بمشُورتهم على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بطردِ القومِ الذين أشاروا عليه بطردهم. وذلك قولُ عكرمةَ وعبدِ الرحمنِ بن زيدٍ، وقد ذكَرْنا الروايةَ عنهما بذلك قبلُ.
وأولى الأقْوالِ في ذلك عندي بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: المعنيُّون بقولِه: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ}. غيرُ الذين نهى الله النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن طردِهم؛ لأن قولَه: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا} خَبرٌ مُسْتَأْنَفٌ بعدَ تَقَضِّي الخبر عن الذين نهَى الله نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - عن طردهم، ولو كانوا هم لقيل: وإذا جاءوك فقلْ: سلامٌ عليكم. وفي ابتداءِ اللهِ الخبرَ عن قصة هؤلاء وتركِه وَصْلَ الكلامِ بالخبر عن الأوَّلين ما يُنْبِئُ عن أنهم غيرُهم.
فتأويلُ الكلام ¬بعده في س: "إذن".¥ إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا: وإذا جاءك يا محمدُ القومُ الذين يُصَدِّقون بتنزيلِنا وأدلتِنا وحُجَجِنا، فيُقِرُّون بذلك قولًا وعملًا، مُسْتَرْشِدِيك عن ذنوبِهم التي سلَفَت منهم بيني وبينهم، هل لهم منها توبةٌ؟ فلا تُؤَيِّسْهم منها، وقل لهم: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} أمَنَةُ اللهِ لكم من ذنوبكم، أن يُعاقِبكم عليها بعدَ توبتِكم منها، {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}. يقولُ: قضَى رَبُّكم الرحمةَ بخلقِه {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامَّةُ قرأةِ المَدَنِيين: (أنه من عمِل منكم سوءًا). فيَجْعَلون "أنَّ" منصوبةً على الترجمة بها عن "الرحمةِ"، (ثم تاب مِن بعدِه وأصْلَح فإنه غفورٌ رحيمٌ) ¬وهي قراءة نافع وأبي جعفر. ينظر النشر 2/ 194.¥. على ائْتِنافِ "إنه" بعدَ الفاءِ، فيَكْسِرونها ويَجْعَلونها أداةً لا موضعَ لها، بمعنى: فهو له غفورٌ رحيمٌ، أو: فله المغفرةُ والرحمةُ. وقرَأَهما بعضُ الكوفِيِّين بفتحِ الألفِ منهما جميعًا، بمعنى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ثم تَرْجَم بقوله: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ}. عن الرحمةِ، {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ¬وهي قراءة عاصم وابن عامر ويعقوب. المصدر السابق.¥. فيَعْطِفُ بـ "أنه" الثانيةِ، على "أنه" الأولى، ويَجْعَلُهما اسمين منصوبين على ما بيَّنْتُ.
وقرأ ذلك بعض المكِّيِّين وعامةُ قرأةِ أهلِ العراق مِن الكوفةِ والبصرةِ، بكسرِ الألفِ مِن "إنه" و "إنه" على الابْتداءِ، وعلى أنهما أداتان لا موضعَ لهما ¬وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي وخلف. المصدر السابق.¥.
وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب قراءةُ من قرَأَهما بالكسرِ: (كتَب ربُّكم على نفسِه الرحمةَ إنه) على ابتداءِ الكلامِ، وأن الخبرَ قد انْتَهَى عندَ قولِه: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}، ثم اسْتُؤْنِف الخبرُ عما هو فاعلٌ تعالى ذكرُه بمَن عمِل سوءًا بجَهالةٍ ثم تاب وأصْلَح منه.
ومعنى قولِه: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ}: أنه من اقْتَرَف منكم ذنبًا، فجهِل باقْتِرافِه إياه، ثم تاب وأَصْلَحَ {فَأَنَّهُ غَفُورٌ} لذنبِه إذا تاب وأناب، وراجَع العملَ بطاعةِ اللهِ، وترَك العَوْدَ إلى مثلِه مع الندم على ما فرَط منه {رَحِيمٌ} بالتائبِ أن يُعاقِبَه على ذنبه بعد توبتِه منه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن عثمان، عن مجاهدٍ: {مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ}. قال: مَن جهِل أنه لا يَعْلَمُ حلالًا مِن حرامٍ، ومِن جَهالتِه ركب الأمرَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1301 (7347) من طريق أبي خالد به بنحوه.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: {يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء: 17]. قال: مَن عَمِل بمعصية الله، فذاك منه جهلٌ حتى يَرْجِعَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1301 (7348) من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه.¥.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا بكرُ بنُ خُنَيْسٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ}. قال: كلُّ مَن عمِل بخطيئةٍ فهو بها جاهلٌ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا خالدُ بنُ دينارٍ أبو خَلْدةَ، قال: كنا إذا دخَلْنا على أبي العاليةِ قال: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ¬أخرجه أبو نعيم في الحلية 2/ 221، وابن عساكر في تاريخه 18/ 185 من طريق أبي خلدة به.¥.