تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55)}.
يعني تعالى ذكرُه بقوله: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ}: وكما فصَّلْنا لك في هذه السورة من ابتدائِها وفاتحتِها يا محمدُ إلى هذا الموضعِ، حجتَنا على المشركين مِن عَبَدةِ الأوثانِ، وأدلتَنا، وميَّزْناها لك وبيَّناها، كذلك نُفَصِّلُ لك أعلامَنا وأدلتَنا في كلِّ حقٍّ يُنْكِرُه أهلُ الباطل من سائر أهل الملل غيرِهم، فنُبَيِّنُها لك حتى يَتَبَيَّنَ حقُّه من باطله، وصَحيحُه مِن سَقيمِه.
واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ}؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينة: (ولتَسْتَبِينَ) بالتاءِ (سَبِيلَ المجْرمِين) ¬وهي قراءة نافع وأبي جعفر. ينظر النشر 2/ 194.¥ بنصبِ "السبيلِ"، على أنَّ "تستبين" خطابٌ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، كأن معناه عندَهم: ولِتَسْتَبِينَ أنت يا محمدُ سبيلَ المجرمين.
وكان ابن زيدٍ يَتَأَوَّلُ ذلك: ولِتَسْتَبِينَ أنت يا محمدُ سبيلَ المجرمين الذين سأَلوك طَرْدَ النفرِ الذين سأَلوه طردَهم عنه مِن أصحابِه.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: (ولِتَسْتَبِينَ سبيلَ المُجْرِمين). قال: الذين يَأْمُرُونك بطردِ هؤلاء ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1302 (7357) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.¥.
وقرَأ ذلك بعضُ المكِّيِّين وبعضُ البصريين: {وَلِتَسْتَبِينَ} بالتاءِ {سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} ¬وهي قراءة ابن كثير، وحفص عن عاصم، وأبي عمرو وابن عامر ويعقوب. ينظر النشر 2/ 194.¥ برفعِ "السبيلِ" على أن القصدَ للسبيلِ، ولكنه يُؤَنِّثُها، وكأن معنى الكلامِ عندَهم: وكذلك نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَتَّضِحَ لك وللمؤمنين طريقُ المجرمين.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (وليَسْتَبِينَ) بالياءِ (سبيلُ المجْرمِين) ¬وهي قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم، وخلف. النشر 2/ 194.¥ برفعِ "السبيلِ"، على أن الفعلَ للسبيلِ، ولكنهم يُذكِّرونه، ومعنى هؤلاء في هذا الكلام، ومعنى مَن قرَأ ذلك بالتاءِ في: {وَلِتَسْتَبِينَ}، ورفَع السبيلَ، واحدٌ، وإنما الاختلافُ بينَهم في تذكيرِ السبيلِ وتأنيثها.
وأولى القراءتين بالصوابِ عندي في "السبيل" الرفعُ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه فصَّل آياته في كتابِه وتنزيلِه ليَتَبَيَّنَ الحقَّ بها مِن الباطلِ جميعُ مَن خُوطِب بها، لا بعضٌ دونَ بعضٍ.
ومن قرَأ "السبيلَ" بالنصبِ، فإنما جعَل تَبْيينَ ذلك محْصورًا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
وأما القراءةُ في قولِه: {وَلِتَسْتَبِينَ} فسواءٌ قُرِئَت بالتاءِ أو بالياءِ؛ لأن مِن العربِ مَن يُذَكِّرُ "السبيلَ"، وهي تَميمٌ وأهلُ نجدٍ، ومنهم مَن يُؤَنَّثُ "السبيلَ"، وهم أهلُ الحجازِ، وهما قراءتان مُسْتَفِيضتان في قرأةِ الأمصارِ، ولغتان مشهورتان مِن لغاتِ العربِ، وليس في قراءةِ ذلك بإحداهما خلافٌ لقراءتِه بالأُخرى، ولا وجهَ لاختيارِ إحداهما على الأُخرى بعد أن يُرْفَعَ "السبيلُ"؛ للعلةِ التي ذكَرْنا.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: {نُفَصِّلُ الْآيَاتِ}. قال أهلُ التأويلِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ}: تُبَيِّنُ الآياتِ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 217.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في: {نُفَصِّلُ الْآيَاتِ}: نُبَيِّنُ.