تفسير هذه الآية

السورة 9 : الآية 109

السورة 9 : الآية 109

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَـٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَـٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَٱنْهَارَ بِهِۦ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)}.
اخْتَلَفَت القرأة في قراءةِ قولِه: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ}؛ فقَرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (أَفمَنْ أُسِّسَ بُنْيانُهُ على تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمَّنْ أُسِّسَ بُنْيانُهُ) على وَجْهِ ما لم يُسمَّ فاعله في الحرفَين كليهما ¬قرأ بها نافع وابن عامر، وقرأ الباقون بفتح الهمزة والسين ونصب النون، والتيسير ص 98 والنشر 2/ 211.¥.
وقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ}. على وصفِ "مَن" [بأنَّه هو] ¬في ص، ت 1، ت 2: "بأنه"، وفى م: "بناء"، وفى ف: "أنه".¥ الفاعلُ الذي أَسَّس بنيانَه.
وهما قراءتان مُتَّفِقَتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أن قراءتَه بتَوجيهِ الفعلِ إلى "مَن" إذ كان هو ¬في م: "من".¥ المؤسِّسَ ¬بعده في م: "من".¥، أعجبُ إليَّ.
فتأويلُ الكلامِ إذًا: أيُّ هؤلاء الذين بَنَوا المساجدَ خيرٌ، أيها الناسُ، عندَكم؛ الذين ابْتَدَءُوا بناء مسجدِهم [على اتقاءِ اللَّهِ، بطاعتِه] ¬في م: "بطاعتهم".¥ في بنائِه وأداءِ فرائضِه، ورضًا مِن اللَّهِ لبنائِهم ما بَنَوه مِن ذلك، وفعلِهم ما فَعَلوه خيرٌ، أم الذين ابْتَدَءُوا بناءَ مسجدِهم] ¬سقط من الأصل.¥ على شَفا جُرُفٍ هارٍ؟.
يعنى بقوله: {عَلَى شَفَا جُرُفٍ}: على حرفِ جُرفٍ هارٍ ¬سقط من: ص، ت 2، ت 2، م، ف.¥.
والجُرُفُ، من الركايا ¬في م: "الركى". والرَّكيَّة: البئر تحفر، والجمع ركى وركايا. اللسان (ر ك ى).¥، ما لم يُبْنَ له جُولٌ ¬والجول: جدار البئر وقال أبو عبيد: وهو كل ناحية من نواحى البئر إلى أعلاها من أسفلها. اللسان (ج و ل). وينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1/ 269.¥.
{هَارٍ} يعنى: متهوِّرٍ، وإنما هو هائرٌ، ولكنه قُلِبَ، فأُخِّرَت ياؤُها، فقيل: {هَارٍ} كما قيل: هو شاكي ¬في م: "شاك". قال الجوهري: رجل شاكى السلاح إذا كان ذا شوكة وحدّ في سلاحه. اللسان (ش ك و).¥ السلاحِ و: شائكٌ. وأصلُه مِن: هارَ يَهورُ فهو هائرٌ. وقيل: هو مِن هارَ يَهارُ. إذا انهدَم، ومَن جَعَله مِن هذه اللغةِ قال: هِرْتَ يا جُرُفُ. ومَن جَعَله مِن: هارَ يَهُورُ، قال: هُرْتَ يا جُرُفُ.
وإنما هذا مَثَلٌ. يقولُ تعالى ذكرُه: أيُّ هذين الفريقَين خيرٌ؟ وأيُّ هذين البناءَين أثبتُ؟ أمن ابتدَأ أساسَ بنائِه على طاعةِ اللَّهِ، وعلمٍ منه بأنَّ بناءه للهِ طاعةٌ، واللَّهُ به راضٍ، أم مَن ابتَدَأه بنفاقٍ وضلالٍ، وعلى غير بصيرةٍ منه بصوابِ فعلِه مِن خطئِه، فهو لا يَدْرِى متى يَتَبَيَّنُ له خطأُ فعلِه وعظيمُ ذنبِه، فيَهْدِمَه، كما بانى ¬في ص، ت 2، ت 2، م، ف: "يأتي".¥ البِناءِ على جُرُفِ رَكِيَّةٍ، لا حابسَ لمياهِ ¬في م: "لماء".¥ السيولِ عنها ولغيرِه من المياهِ، ثريةِ ¬في ص، ف: "تربة" وفى م: "ترى به". والثرى: التراب الندى، وأرض ثرية: أي ذات ثرى وندى. اللسان (ث ر ي).¥ الترابِ متناثرتِه ¬في ص، ت 1، ت 2 ف: "متناثرة" وفى م: "متناثرا".¥، لا تُلْبِثُه السيولُ [والندَى] ¬سقط من: م.¥ أن تَهْدِمَه وتَنثُرَه؟
يقولُ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه: {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ}. يعنى: فانْتَثَرَ الجُرُفُ الهَارِي ببنائِه في نارِ جهنمَ.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: {فَانْهَارَ بِهِ}. يعني: قواعدَه في نارِ جهنمَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1884، والبيهقى في الدلائل 5/ 263 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 279 إلى ابن المنذر.¥.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {فَانْهَارَ بِهِ}. يقولُ: فَخَرَّ به ¬ينظر الدر المنثور 3/ 279¥.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ} إلى قوله: {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ}. قال: واللَّهِ ما تَناهَى أَنْ وَقَع في النارِ. ذُكِر لنا أنه حُفِرَت بقعةٌ منها ¬في م: "منه".¥ فرُؤِىَ منها الدخانُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1884 من طريق سعيد بن بشير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 279 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: بنو عمرِو بن عوفٍ اسْتأذَنوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في بُنيانِه، فأَذِن لهم، ففَرَغُوا منه يومَ الجمعةِ، فصَلَّوْا فيه يومَ ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، م، ف.¥ الجمعةِ، ويومَ السبتِ، ويومَ الأحدِ. قال: وانْهار يومَ الاثنينِ. قال: وكان قد اسْتَنْظَرَهم ثلاثًا، السبتَ، والأحدَ، والاثنينِ، {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} مسجدُ المنافقين، انهارَ فلم يَتَناهَ دونَ أن وَقَعَ في النارِ.
قال ابن جُرَيجٍ: ذُكِر لنا أن رجالًا حَفَروا فيه، فأَبْصَرُوا الدخانَ يخرجُ منه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 279 إلى ابن المنذر من قوله: مسجد المنافقين انهار ... إلخ.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختارِ، عن عبدِ اللَّهِ الداناجِ، عن طَلْقٍ بن حبيبٍ، عن جابرٍ قولَه: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا}، قال: رأيتُ المسجدَ الذي بُنِىَ ضِرارًا يخرجُ منه الدخانُ على عهدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ¬أخرجه مسدد - كما في المطالب العالية (4003)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1884، والحاكم 4/ 496 من طريق عبد العزيز بن المختار به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 279 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ مرزوق البَصْرِيُّ، قال: ثنا أبو سَلَمةَ. قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختارِ، عن عبدِ اللَّهِ الداناجِ، قال: ثني طلقُ العَنَزِيُّ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: رأيتُ الدخانَ يخرجُ مِن مسجدِ الضِّرارِ.
حدَّثني سلامُ بنُ سالمٍ الخُزاعيُّ، قال: ثنا حلفُ بنُ ياسينَ الكوفيُّ، قال: حَجَجْتُ مع أبى في ذلك الزمانِ - يعنى: زمانَ بني أُميةَ - فمَرَرْنا بالمدينة، فرأيتُ مسجدَ القِبْلتَين - يعنى: مسجدَ الرسولِ - وفيه قبلةُ بيتِ المقدسِ، فلما كان زمانُ أبي جعفرٍ، قالوا: يدخُلُ الجاهلُ فلا يعرِفُ القبلةَ. فهذا البناءُ الذي يَرَون جَرَى على يدِ عبدِ الصمدِ بن عليٍّ. ورأيتُ مسجدَ المنافقين الذي ذَكَره اللَّهُ في القرآنِ، وفيه حَجَرٌ يخرُجُ منه الدخانُ، وهو اليومَ مَزبَلةٌ.
وقوله: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. يقولُ: واللَّهُ لا يُوفِّقُ للرَّشادِ في أفعالِه، مَن كان بانيًا بناءَه في غيرِ حَقِّه وموضعِه، ومَن كان مُنافِقًا مُخالِفًا بفعِله أمرَ اللَّهِ وأمرَ رسولِه.

تفاسير بلغات أخرى · 5