تفسير هذه الآية

السورة 9 : الآية 122

السورة 9 : الآية 122

وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويل قوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يكن المؤمنون ليَنْفِروا جميعًا.
وقد بَيَّنَّا معنى الكافَّةِ بشواهدِه، وأقوالَ أهل التأويل فيه، فأغنى عن إعادته في هذا الموضعِ ¬تقدم في 3/ 601، 602.¥.
ثم اختَلَف أهلُ التأويل في المَعْنَى الذي عَناه الله بهذه الآية، وما النَّفْرُ الذي كَرِهَه لجميعِ المؤمنين؟ فقال بعضُهم: هو نَفْرٌ كان من قوم كانوا بالبادية، بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يُعَلِّمون الناسَ الإسلام، فلما نَزَلَ قولُه: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ}. انْصَرَفوا عن البادية إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، خشية أن يَكونوا ممن تَخَلَّفَ عنه وممن عُنِىَ بالآية، فأَنزَل الله في ذلك عُذْرَهم بقوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}. وكَرِهَ انصراف جميعهم ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "جمعهم".¥ من البادية إلى المدينة.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ}. قال: ناسٌ من أصحاب محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - خرَجوا في البَوادي، فأصابوا من الناس معروفًا، ومن الخِصْب ما يَنْتَفِعون به، ودعَوا مَن وجَدوا من الناس إلى الهُدى، فقال الناسُ لهم: ما نَراكم إلا قد ترَكْتُم أصحابَكم وجئْتُمونا، فوجَدوا في أنفسهم من ذلك تحرُّجًا ¬في م، ت 1، ت 2، س، ف: "حرجا".¥، وأقْبَلوا من البادية كلُّهم حتى دخلوا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال اللهُ: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} يَبْتَغون الخيرَ، {لِيَتَفَقَّهُوا} وليَسْمَعوا ما في الناسِ، وما أنزَل الله بعدَهم {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} الناس كلَّهم {إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله، إلا أنه قال في حديثِه: فقال الله: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ}: خَرجَ بعضٌ، وقَعَدَ بعضٌ يَبْتَغون الخيرَ.
قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَ حديثِه عن أبي حُذَيفة ¬تفسير مجاهد ص 377، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1910، 1913، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 293، إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ نحو حديثِ المُثَنَّى عن أبي حُذَيفةَ، غيرَ أنه قال في حديثِه: ما نَراكم إلا قد تَرَكْتُم صاحِبَكم. وقال: {لِيَتَفَقَّهُوا}: ليَسْمَعوا ما في الناسِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان المؤمنون ليَنْفروا جميعًا إلى عدوِّهم ويَتْرُكوا نبيَّهم - صلى الله عليه وسلم - وحدَه.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}. قال: ليَذْهَبوا كلُّهم، فلولا نفَر مِن كلِّ حيٍّ وقبيلةٍ طائفةٌ، [وتَخَلَّفَ طائفةٌ] ¬سقط من ت 1، ت 2، س، ف، وفى ص: "ويتخلف طائفة".¥ {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}؛ لِيَتَفَقَّهَ المُتَخَلِّفون مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الدِّينِ، وليُنْذِرَ المُتَخَلِّفون النافِرِين إذا رَجَعوا إليهم لعلهم يَحْذَرون.
[ذكرُ مَن قال ذلك] ¬كذا في النسخ، ولعل الصواب حذفها من هذا الموضع.¥
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}. يقولُ: ما كان المؤمنون ليَنْفِروا جميعًا، ويَتْرُكوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وحدَه، {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ}. يعني عُصْبةً، يعنى السَّرايا، ولا يَتَسَرَّوا إلا بإذنه، فإذا رجَعت السَّرايا، وقد نزَل بعدَهم قرآنٌ، تَعَلَّمَه القاعدون من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قالوا: إن الله قد أنزل على نبيِّكم بعدَكم قُرآنًا وقد تَعَلَّمْناه. فتَمْكُثُ السَّرايا يتعلَّمون ما أنزل الله على نبيِّهم [بعدَهم، ويبعثَ سرايا أخر، فذلك قولُه: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}. يقولُ: يتعلَّمُون ما أنزل الله على نبيِّه] ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.¥، ويُعَلِّمُوا ¬في م: "يعلمونه".¥ السَّرايا إذا رجَعت إليهم لعلهم يَحْذَرون ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1909، 1912 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 292 إلى ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في المدخل.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}. إلى قوله: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}. قال: هذا إذا بعَث نبيُّ الله الجيوشَ، أمرَهم ألا يُعْرُوا ¬أعرى القوم صاحبهم: تركوه في مكانه وذهبوا عنه. اللسان (ع ر و).¥ نبيَّه، وتقيمُ طائفةٌ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تَتَفَقَّهُ في الدين، وتَنْطلِقُ طائفةٌ تَدْعو قومَها، وتُحذِّرُهم وقائع الله في من خَلا قبلَهم ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 173.¥.
حدَّثنا الحسينُ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}، الآية كان نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا غَزا بنفسِه لم يَحِلُّ لأحدٍ من المسلمين أن يَتَخَلَّفَ عنه، إلا أهل العُذرِ، وكان إذا أقامَ فَأُسِرَّت السَّرايا، لم يَحِلُّ لهم أن يَنْطَلِقوا إلا بإذنه، فكان الرجلُ إذا أسْرى ¬في ص: "استرى"، وفى ت 1، ت 2، س، ف: "اشترى".¥ فنَزَل بعدَه قرآنٌ، تَلاه ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "وتلاه".¥ نبيُّ الله على أصحابه القاعدين معه، فإذا رجَعت السَّرِيةُ، قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إِن الله أَنزَل بعدكم على نبيِّه قرآنًا. فيُقْرِئونهم، ويُفَقِّهونهم في الدين، وهو قولُه: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}. يقولُ: إذا أقام ¬في ص، ت 1، ت 2، ف: "قام".¥ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ}. يعنى بذلك أنه لا يَنْبغى للمسلمين أن يَنْفِرُوا جميعًا ونبيُّ اللهِ قاعدٌ، ولكن إذا قعَد نبيُّ اللهِ تَسرَّتِ السَّرايا، وقعَد معه عُظم
ُ الناسِ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 173.¥.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما هؤلاء الذين نفَروا بمؤمنين، ولو كانوا مؤمنين لم يَنْفِرْ جميعُهم، ولكنهم مُنافِقون، ولو كانوا صادِقين أنهم مؤمنون، لنَفَرَ بعضٌ ليَتَفَقَّه في الدين، وليُنْذِرَ قومَه إِذا رَجَعَ إِليهم.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قولَه: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}: فإنها ليست في الجهادِ، ولكنْ لمَّا دَعا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على مُضَرَ بالسنين، أجْدَبَتْ بلادُهم، وكانت القبيلةُ منهم تُقبِلُ بأَسْرِها حتى يَحِلُّوا بالمدينة من الجَهْدِ، ويَعْتَلُّوا بالإسلام وهم كاذبون، فضَيَّقوا على أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأجْهَدوهم، وأنْزَل الله يُخْبِرُ رسول الله أنهم ليسوا مؤمنين، فردهم رسول الله الله إلى عشائرهم، وحذَّر قومهم أن يَفْعَلُوا فِعْلهم، فذلك قولُه: {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1913 من طريق أبي صالح به.¥.
وقد رُوِى عن ابن عباسٍ في ذلك قولٌ ثالثٌ، وهو ما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}. إلى قوله: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}. قال: كان يَنْطَلِقُ مِن كلِّ حيٍّ من العرب عصابةٌ فيَأْتون النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فيَسْألونه عما يريدُونه من دينِهم، ويَتَفَقَّهُون في دينِهم، ويقولون لنبيِّ اللهِ: ما تأمُرُنا أن نفعلَه، وأخبِرْنا ما نقولُ لعشائرِنا إذا انْطَلَقْنا إليهم؟ قال: فيأمُرُهم نبيُّ الله بطاعة الله وطاعة رسوله، ويَبْعَثُهم إلى قومِهم بالصلاة والزكاة، وكانوا إذا أتَوا قومَهم نادَوا: إن مَن أسلمَ فهو مِنَّا. ويُنْذِرُونهم، حتى إن الرجلَ ليُفارِقُ ¬في النسخ: "ليعرف"، والمثبت من ابن أبي حاتم.¥ أباه وأمَّه، وكان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يخبرُهم ويُنْذِرون قومَهم، فإذا رَجَعوا إليهم يَدْعونهم إلى الإسلام، ويُنْذِرونهم النار ويُبَشِّرونهم بالجنة ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1911، 1912 عن محمد بن سعد به.¥.
وقال آخرون: إنما هذا تَكْذيبٌ من الله لمُنافقين أَزْرَوْا بأعراب المسلمين وعزَرُوهم ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "غيرهم". وعزَره يعزِره: لامه.¥ في تَخلُّفِهم خلافَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهم ممن قد عذَره الله بالتَّخلُّف.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَينة، عن سليمانَ الأحولِ، عن عكرمةَ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ {حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ}. إلى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}: قال ناسٌ مِن المنافقين: هَلَكَ مَن تَخَلَّفَ. فَنَزَلَت: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}. إلى: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}. ونَزَلَت: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ} [الشورى: 16]. الآية ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (2896)، (1051 - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1797 - مختصرا - من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 292 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد اللهِ بن الزبير، عن ابن عُيَينةَ، قال: ثنا سليمان الأحولُ، عن عكرمة، قال: سمعته يقولُ: لما نزلت: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [التوبة: 39]. {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ}. إلى قوله: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: قال المنافقون: هَلَكَ أصحابُ البَدْوِ الذين تَخَلَّفوا عن محمدٍ ولم ينفروا معه. وقد كان ناسٌ مِن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرجوا إلى البَدْوِ، إلى قومِهم يُفقِّهونهم، فأَنزَل اللهُ: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ}. إلى قوله: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}. ونزلت: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ} الآية.
واختلف الذين قالوا: عُنِى بذلك النهى عن نَفْرِ الجميع في السريةِ وتَرْكِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وحده - في المعنيِّين بقوله: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ}؛ فقال بعضُهم: عُنى به الجماعة المتخلِّفة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقالوا: معنى الكلام: فهَلَّا نَفَر مِن كلِّ فرقة طائفةٌ للجهادِ؛ ليَتَفَقَّهَ المتخلِّفون في الدِّينِ، وليُنْذِروا قومهم الذين نَفَروا في السرية إذا رجعوا إليهم مِن غزوِهم؟
وذلك قول قتادة. وقد ذكرنا رواية ذلك عنه من رواية سعيد بن أبي عروبةَ ¬تقدم في ص 78.¥.
وقد حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} الآية. قال: ليَتَفَقَّه الذين قعدوا مع نبيِّ اللهِ، {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ}. يقولُ: ليُنْذِروا الذين خَرَجوا إِذا رَجَعوا إليهم ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 291.¥.
حدَّثنا محمد بن عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الحسن وقتادة: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}، قالا: كافةً ويَدَعوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ¬في ت 1، ت 2، س، ف: "يردهم".¥.
وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: لتتفقَّهَ الطائفةُ النافرةُ دون المتخلِّفة، وتُحذِّر النافرة المتخلفة.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الحسن: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}. قال: ليَتَفَقَّهُ الذين خرجوا بما يُرِيهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1912 من طريق محمد بن عبد الأعلى به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 291، عن معمر به.¥ اللهُ من الظهور على المشركين والنُّصرة، ويُنذِروا قومَهم إذا رَجَعوا إليهم ¬¥.
وأَوْلى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: تأويلُه: وما كان المؤمنون ليَنْفِروا جميعًا ويتركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده، وأن اللَّهَ نهى بهذه الآيةِ المؤمنين به أن يَخْرُجوا في [غزوٍ وجهادٍ] ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "غزو جهاد".¥ وغير ذلك من أمورهم، ويدعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحيدًا، ولكن عليهم إذا سَرَّى رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سَريةً، أن يَنْفِرَ معَها مِن كُلِّ قبيلةٍ مِن قبائل العرب - وهى الفرقةُ - طائفةٌ، وذلك من الواحد إلى ما بلغ من العدد، كما قال اللهُ جلّ ثناؤُه: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ}. يقولُ: فَهَلَّا نَفَرَ مِن كُلِّ فرقةٍ منهم طائفةٌ؟ وهذا إلى هاهنا على أحد الأقوال التي رُويت عن ابن عباسٍ، وهو قولُ الضَّحَّاكِ وقتادة.
وإنما قلنا: هذا القولُ أَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب؛ لأن الله تعالى ذكرُه حظَر التخلُّفَ خلاف رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على المؤمنين به من أهل المدينة مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن الأعراب، لغير عُذْرٍ يُعْذَرون به، إذا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لغزوٍ وجهادٍ عدوٍّ قبل هذه الآيةِ بقوله: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ}. ثم عقَّب ذلك جلّ ثناؤُه بقوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}. فكان معلومًا بذلك، إذ كان قد عَرَّفَهم في الآية التي قبلها اللازم لهم من فرضِ النَّفْرِ، والمباحَ لهم مِن تَرْكه في حال غزو رسول - صلى الله عليه وسلم -، وشخوصِه عن مدينته لجهادِ عدوٍّ، وأعْلَمَهم أنه لا يَسَعُهم التَّخلُّفُ خِلافَه إلا لعُذْرٍ، بعدَ اسْتِنهاضِه بعضَهم وتَخْليفِه بعضَهم - أن يكونَ عَقِيبَ تعريفهم ذلك تَعْريفُهم الواجب عليهم عند مقامِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمدينته، وإشخاص غيرِه عنها، كما كان الابتداءُ بتَعْرِيفهم الواجب عندَ شُخوصِه وتَخْليفِه بعضَهم.
وأما قوله: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ}. فإن أَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: لتَتَفَقَّهَ الطائفةُ النافرة بما تُعايِنُ مِن نصر اللهِ أهل دينه وأصحاب رسوله - صلى الله عليه وسلم - على أهل عداواته والكفر به، فيَفْقَهَ بذلك من مُعاينتِه حقيقة علم أمر الإسلام وظهوره على الأديانِ مَن لم يكنْ فَقِهَه، وليُنْذِرُوا قومَهم فيُحَذِّروهم أن ينزِلَ بهم من بأس الله مثلُ الذي نزل بمن شاهَدوا وعاينوا ممن ظَفِرَ بهم المسلمون من أهل الشرك، إذا هم رجعوا إليهم مِن غزوهم، {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}. يقولُ: لعلَّ قومَهم إذا هم حَذَروهم ما عاينوا من ذلك، يَحْذَرون فيؤمنون باللهِ ورسوله، حَذَرًا أن ينزِلَ بهم ما نَزَل بالذين أُخبِروا خبرَهم.
وإنما قُلنا: ذلك أولى الأقوال بالصواب - وهو قول الحسن البصريِّ الذي رَوَيناه عنه - لأن النَّفْرَ قد بَيَّنَّا فيما مضى، أنه إذا كان مطلقًا بغير صلةٍ بشيءٍ، أن الأغلب من استعمال العرب إياه في الجهاد والغزو ¬ينظر ما تقدم في 11/ 458 - 460.¥. فإذا كان ذلك هو الأغلبَ مِن المعانى فيه، وكان جلّ ثناؤه قال: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}. عُلِمَ أن قولَه: {لِيَتَفَقَّهُوا}. إنما هو شرطٌ للنَّفْرِ لا لغيره، إذ كان يَليه دون غيره من الكلام.
فإن قال قائل: وما تُنْكِرُ أن يكون معناه: ليتَفَقَّهَ المتُخَلِّفون في الدين؟
قيل: تُنْكِرُ ذلك لاسْتِحالته؛ وذلك أن نَفْرَ الطائفة النافرة، لو كان سببًا لتفقُّهِ المُتَخَلِّفةِ، وجَب أن يكونَ ¬إلى هنا ينتهى خرم المخطوط الأصل. والمشار إليه في ص 26.¥ مُقامُها معهم سببًا لجَهْلِهم وتَرْكِ التَّفَقُّهِ، وقد عَلِمنا أن مُقامَهم لو أقاموا ولم يَنْفِروا لم يكن [سببًا لمَنْعهم] ¬في الأصل: "شيئا يمنعهم".¥ مِن التَّفَقُّهِ
وبعد، فإنه قال جلّ ثناؤه: {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ}. عطفًا به على قولِه: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}. ولا شكَّ أن الطائفة النافرةَ لم تنفِرْ ¬في ص، ت 1، ت 2، م، ف: "ينفروا".¥ إلا والإنذارُ قد تَقدَّمَ مِن الله إليها، وللإنذار وخوف الوعيدِ نفَرت، فما وَجْهُ إِنْدَارِ الطائفة المتخلفة الطائفة النافرة، وقد تساوتا في المعرفة بإنذار اللهِ إياهما؟ ولو كانت إحداهما جائزةٌ ¬في م: "جائز".¥ أن توصَفَ بإنذار الأخرى، لكان أحقَّهما بأن تُوصَفَ به الطائفةُ النافرةُ؛ لأنها قد عاينَت من قدرةِ اللهِ ونُصْرة المؤمنين على أهل الكفر به ما لم تُعاين المُقيمةُ، ولكن ذلك إن شاء الله كما قلنا، من أنها تُنْذِرُ مِن حَيِّها وقبيلتِها من لم يؤمنْ باللهِ إذا رجعت إليه، أن يَنْزِلَ به ما نزَلَ بَمَن عايَنَه ¬في م: "عاينته".¥ ممن أظفَر اللهُ به المؤمنين مِن نُظَرائِهِ من أهل الشرك.

تفاسير بلغات أخرى · 8