تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: وعَد اللهُ الذين صَدَقوا اللَّهَ ورسولَه، وأَقَرُّوا به وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، مِن الرجالِ والنساءِ، {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}. يقولُ: بساتينَ تجرى تحتَ أشْجارِها الأنهارُ، {خَالِدِينَ فِيهَا}. يقولُ: لَابِثِين فيها أبدًا، مُقيمين، لا يزولُ عنهم نَعِيمُها ولا يَبِيدُ، {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً}. يقولُ: ومنازلَ يَسْكُنونها طيبةً.
وطِيبُها أنها فيما ذُكِر لنا كما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، [عن جَسْرٍ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، س، ف، وفى ص: "عن الحسن". ثم ضرب على الألف واللام، والمثبت من الأوسط للطبراني، وانظره في الأثر بعده. وينظر التاريخ الكبير 2/ 246.¥، عن الحسنِ، قال: سألتُ عِمْران بن حصينٍ وأبا هريرةَ عن آيةٍ في كتابِ اللهِ تبارك وتعالى: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ}. فقالا: على الخبيرِ سَقَطْتَ، سألْنا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "قَصْرٌ في الجنةِ من لؤلؤ، فيه سبعون دارًا من ياقوتةٍ حمراءَ، في كلِّ دارٍ سبعون بيتًا مِن زُمُردةٍ خضراءَ، في كلِّ بيتٍ سبعون سريرًا ¬أخرجه الطبراني في الأوسط (4849) من طريق أبى كريب به.¥.
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجَوْهَرِيُّ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ حبيب، عن جَسْرِ ¬في النسخ: "حسن".¥ بن فَرْقَدٍ، عن الحسنِ، عن عِمْرانَ بن حُصَينٍ وأبى هريرةَ، قالا: سُئل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآيةِ: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ}. قال: "قَصْرٌ مِن لؤلؤةٍ، في ذلك القصرِ سبعون دارًا مِن ياقوتةٍ حمراءَ، في كلِّ دارٍ سبعون بيتًا مِن زَبَرْ جِدةٍ خضراءَ، في كلِّ بيتٍ سبعون سريرًا، على كلِّ سريرٍ سبعون فِراشًا مِن كلِّ لونٍ، على كلِّ فراشٍ زوجةٌ من الحورِ العينِ، في كلِّ بيتٍ سبعون مائدةً، على كلِّ مائدةٍ سبعون لونًا مِن طعامٍ، في كل بيتٍ سَبعون وصيفةً، ويُعْطَى المؤمنُ مِن القُوَّةِ في غَداةٍ واحدة ما يأتى على ذلك كلِّه أَجْمَعَ" ¬أخرجه البيهقى في البعث والنشور (281) وابن الجوزى في الموضوعات 3/ 252 من طريق براهيم بن سعيد به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (1577)، والطبرانى في الكبير 18/ 160 (35)، والبزار (2217) من طريق جسر بن فرقد به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة ص (609) من طريق الحسن به. .. وقال ابن كثير في البداية والنهاية 20/ 286: وهذا الحديث غريب، بل الأشبه أنه موضوع، وإذا كان الخبر
ضعيفًا لم يمكن اتصاله، فإن جسرا هذا ضعيف جدا.¥.
وأمَّا قوله: {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ}. فإنه يعنى: وهذه المساكنُ الطيِّبةُ التي وَصَفَها جلّ ثناؤُه في جناتِ عدنٍ.
و{فِي} مِن صلةِ {وَمَسَاكِنَ}.
وقيل: {جَنَّاتِ عَدْنٍ}. لأنها بساتينُ خُلْدٍ وإقامةٍ، لا يَطْعَنُ منها ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "فيها".¥ أحدٌ.
وقيل: إنما قيل لها: {جَنَّاتِ عَدْنٍ}. لأنها دارُ اللَّهِ التي اسْتَخْلَصَها لنفسِه، ولمَن شاء مِن خلقه، مِن قولِ العربِ: عَدَنَ فلانٌ بأرضِ كذا. إذا أقامَ بها وخَلَدَ بها، ومنه المَعْدِنُ، ويقال: هو في مَعْدِنِ صدقٍ. يعنى به أنه في أصلٍ ثابتٍ. وقد أنشَد بعضُ الرواةِ بيتَ الأَعْشَى ¬ديوانه ص 19.¥:
وإن يَسْتَضِيفوا ¬في م: "تستضيفوا"، وفى الديوان: "يستضافوا".¥ إلى حكمِه ¬في ص، ت 1، ت 2، س: "حلمه"، وفى ف: "حمله".¥ ... يُضَافُوا إلى راجحٍ قد عَدَنْ ¬في الديوان: "رزن" بالراء، ووزن ورزن بمعنى، وكذا أيضًا: عدن، كما فسره أبو عبيدة في مجاز القرآن 1/ 264.¥
ويُنْشَدُ: قد وَزَنْ.
وكالذي قُلنا في ذلك كان ابن عباسٍ وجماعةٌ معه - فيما ذُكر - يَتَأوَّلونه.
حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حبيبِ بن الشهيدِ، قال: ثنا عَتَّابُ بن بشيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ: {جَنَّاتِ عَدْنٍ}. قال: مَعْدِنُ الرجلِ الذي يكونُ فيه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1840 من طريق خصيف به بلفظ: معدنهم فيها أبدا بنحوه.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ سهلِ بن عسكرٍ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا [الليثُ بنُ] ¬في النسخ: "الكندى". والمثبت كما في الإسناد بعده، وسيأتي على الصواب أيضًا في تفسير الآية 39 من سورة الرعد.¥ سعدٍ عن زيادَة، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ، عن فَضالةَ بن عُبَيدٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ اللَّهَ يَفْتَحُ الذِّكْرَ في ثلاثِ ساعاتٍ يَبْقَيْنَ مِن الليلِ؛ في الساعةِ الأُولى مِنْهُنَّ ينظرُ في الكتابِ الذي لا يَنْظُرُ فيه أحدٌ غيرُه، فيَمْحُو ما يَشَاءُ ويُنْبِتُ، ثم يَنْزِلُ في الساعةِ الثانيةِ إلى جنةِ عَدْنٍ، وهى دارُه التي لم تَرَها عَيْنٌ، ولم تَخْطُرْ على قلبِ بَشَرٍ، وهى مَسْكَنُه، ولا يَسْكُنُ معه من بني آدمَ غير ثلاثةٍ؛ النَّبِيِّين والصِّدِّيقين والشهداءِ، ثم يقولُ: طُوبَى لَمَن دَخَلَكِ. وذَكَر في الساعةِ الثالثةِ" ¬سيأتي تخريجه 13/ 570.¥.
حدَّثني موسى بنُ سهلٍ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، قال: ثنا زيادةُ بن محمدٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ، فَضالةَ بن عُبيدٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "عَدْنٌ دَارُه - يعني: دارُ اللَّهِ - التي لم تَرَها عينٌ، ولم تَخْطُرْ على قلبِ بشرٍ، وهى مَسْكنُه، ولا يَسْكُنُها معه مِن بني آدمَ غيرُ ثلاثة، النَّبِيِّين، والصِّدِّيقين والشهداءِ، يقولُ الله تبارك وتعالى: طُوبَى لَمَن دَخَلَكِ".
وقال آخرون: معنى {جَنَّاتِ عَدْنٍ}: جنات أعْنابٍ وكُرُومٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أحمد بن أبى سُرَيجٍ الرازيُّ، قال: ثنا زكريا بنُ عَدِيٍّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ عمرٍو، عن زيد بن أبى أُنَيْسةً، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ، أن ابنَ عباسٍ سأل كعبًا عن {جَنَّاتِ عَدْنٍ}. فقال: هي الكرومُ والأعنابُ بالسريانيةِ.
وقال آخرون: هي اسمٌ لبُطْنانِ الجنةِ ووَسَطِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا شعبةُ، عن سليمانَ الأعمشِ، عن عبدِ الله بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: {عَدْنٍ}: بُطْنانُ الجنةِ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 335 من طريق الأعمش به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 57 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ومحمد بنُ المُثنى، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ وشعبةَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: {جَنَّاتِ عَدْنٍ}. قال: بُطْنانُ الجنةِ. قال ابن بَشَّارٍ في حديثِه: فقلتُ: ما بُطنانُها؟ وقال ابن المُثنى في حديثِه: فقلتُ للأعمشِ: ما بُطْنَانُ الجنةِ؟ قال: وَسَطُها.
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعْمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، أو ¬في م: "و".¥ أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ: {جَنَّاتِ عَدْنٍ}. قال: بُطْنانُ الجنةِ.
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن الأعْمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ بمثلِه.
حدَّثنا ابن المُثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه.
حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سُرَيجٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعْمشِ، عن أبي الضُّحَى وعبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عنهما جميعًا، أو عن أحدِهما، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ: {جَنَّاتِ عَدْنٍ}. قال: بُطْنَانُ الجنةِ.
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٍ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ في قولِ اللهِ: {جَنَّاتِ عَدْنٍ}. قال: بُطْنانُ الجنةِ ¬أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (20) من طريق جرير وفضيل بن عياض به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (1455) زيادات المروزي، (425) زيادات نعيم، وابن أبي شيبة 13/ 126، هناد في الزهد (48)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (179)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1840 من طريق منصور به.¥.
وقال آخرون: {عَدْنٍ}: اسمٌ لقصرٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكَنْديُّ، قال: ثنا عَبْدة أبو غَسَّانَ، عن عونِ بن موسى الكِنانيِّ، عن الحسنِ، قال: {جَنَّاتِ عَدْنٍ}، وما أدْراكَ ما جناتُ عَدْنٍ؟ قَصْرٌ مِن ذهبٍ، لا يدخله إلا نبيٌّ، أو صِدِّيقٌ، أو شهيدٌ، أو حَكَمٌ عَدْلٌ. ورَفَع به صوتَه ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1168 - تفسير)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (178) من طريق عون به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 57 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا أحمد بن أبي سُرَيجٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عاصمٍ، قال: ثنا عونُ بنُ موسى، قال: سِمعتُ الحسنَ بنَ أبي الحسنِ يقولُ: {جَنَّاتِ عَدْنٍ}، وما أدْراك ما جناتُ عدنٍ؟ قَصْرٌ من ذهب، لا يدخُلُه إلا نبيٌّ، أو صِدِّيقٌ، أو شهيدٌ، أو حَكَمٌ عَدْلٌ، رَفَعَ الحسنُ به صوتَه.
حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا حمادُ بنُ سلَمةَ، عن يَعْلَى بنِ عطاءٍ، عن نافعِ بن عاصمٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: إن في الجنةِ قصرًا يقالُ له: عَدْنٌ. حوله البُرُوجُ والمروجُ ¬في ص، ت 1، ت 2، س: "الروح"، وفى ف: "البروج". وسيأتي على الصواب في تفسير الآية 23 من سورة الرعد. والمروج جمع المرج: وهو أرض واسعة فيها نبت كثير تمرج فيها الدواب. تهذيب اللغة 11/ 71.¥، له خمسون ألفَ بابٍ، على كلِّ بابٍ حِبَرَةٌ ¬الحبرة والحبير من البرود: ما كان مَوْشِيًّا مخطَّطا. النهاية 1/ 328.¥، لا يدخله إلا نبيٌّ أو صِدِّيقٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في العلل 2/ 436 من طريق حماد بن سلمة به.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ ناصحٍ ¬في م: "ناجح"، وفى ف: "واضح" وينظر الجرح والتعديل 3/ 39.¥، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن يَعْلَى بن عطاءٍ، قال: سمِعتُ يعقوب بنَ عاصمٍ، يُحَدِّثُ عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو ¬في ف: "عمر".¥، أن في الجنةِ قصرًا يقال له: عَدْنٌ. له خمسةُ آلافِ بابٍ، على كلِّ بابٍ خمسةُ آلافِ حِبَرَةٌ، لا يدخُلُه إلا نبيٌّ، أو صِدِّيقٌ، أو شهيدٌ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 307 من طريق شعبة به، وأخرجه أيضًا في 5/ 311، 6/ 535، 12/ 221 من طريق ابن سابط عن عبد الله بن عمرو.¥.
وقيل: هي مدينةُ الجنةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن عبدِ الرحمنِ المُحارِبيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ}. قال: هي مدينةُ الجنةِ، فيها الرسلُ والأنبياءً والشهداءُ وأئمةُ الهُدَى، والناسُ حولَهم بعدُ، والجناتُ حولَها ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 57 إلى المصنف وأبى الشيخ، وذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 373 وعزاه إلى المصنف.¥.
وقيل: إنه اسمُ نهرٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن المُحارِبيِّ، عن واصلِ بن السائبِ الرَّقَاشِيِّ، عن عطاءٍ، قال: {عَدْنٍ} نهرٌ في الجنةِ، جناتُه على حافتَيه ¬ذكره البغوي 4/ 73 في تفسيره.¥.
وأما قولُه: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ}. فإن معناه: ورضا اللهِ عنهم أكبرُ من ذلك كلِّه. وبذلك جاء الخبرُ عن رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: إن الله يقولُ لأهلِ الجنةِ: يا أهلَ الجنةِ. فيقولون: لَبَّيْكَ ربَّنا وسَعْدَيك. فيقولُ: هل رَضِيتُم؟ فيقولون: وما لنا لا نَرْضَى، وقد أعْطَيْتَنا ما لم تُعْطِ أحدًا مِن خَلْقِك؟ فيقولُ: أنا أُعْطِيكم أفضلَ مِن ذلك. قالوا: ياربَّ، وأيُّ شئٍ أفضلُ مِن ذلك؟ قال: أُحِلُّ عليكم رِضْوانى فلا أسْخَطُ عليكم بعده أبدًا" ¬أخرجه ابن المبارك في الزهد (430 - زوائد نعيم)، ومن طريقه أحمد 18/ 348 (11835)، والبخارى (6549)، ومسلم (2829)، والترمذى (2555)، والنسائى في الكبرى (7749)، وابن منده في الإيمان (819)، وأبو نعيم في الحلية 6/ 342، 8/ 184، والبيهقى في البعث (490)، و في الأسماء والصفات (1054)، وأخرجه البخارى (7518)، ومسلم (2829)، وابن حبان (7440)، وابن منده في الإيمان (819)، وأبو نعيم في الحلية 6/ 342، والبيهقى في البعث (490)، وفي الأسماء والصفات (474)، والبغوى (4394) من طريق مالك به.¥.
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنى يعقوبُ، عن حَفْصٍ، عن شِمْرٍ، قال: يَجِيءُ القرآنُ يومَ القيامةِ في صورةِ الرجلِ الشاحبِ، إلى الرجل حينَ يَنْشَقُّ عنه قبرُه، فيقولُ: أَبْشِرْ بكرامةِ اللَّهِ، أَبْشِرْ برضوانِ اللَّهِ. فيقولُ: مِثْلُك مَن يُبَشِّرُ بالخيرِ؟ ومَن أنت؟ فيقولُ: أنا القرآنُ الذي كنتُ أُسْهرُ ليلَك، وأُظْمِئُ نهارك. فيَحْمِلُه على رقبتِه حتى يُوافِىَ به ربَّه، فيَمْثُلُ بينَ يَدَيه فيقولُ: ياربِّ، عبدُك هذا اجْزِه عنى خيرًا، فقد كنتُ أُسْهرُ ليله، وأُظْمِئُ نهارَه، وآمُرُه فَيُطِيعُنى، وأَنْهاهُ فَيُطِيعُنى. فيقولُ الربُّ تبارك وتعالى: فله حُلَّةُ الكرامةِ. فيقولُ: أي ربَّ، زِدْه فإنه أهلُ ذلك. فيقولُ: فله رِضْوانى. قال: ورِضوانُ ¬بعده في م: "من".¥ اللهِ أكبرُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 257 إلى أبي الشيخ.¥.
وابْتُدِئَ الخبرُ عن رضوانِ اللهِ للمؤمنين والمؤمناتِ أنه أكبرُ مِن كلِّ ما ذَكَر جلّ ثناؤه فرُفِعَ، وإن كان الرِّضْوانُ فيما قد وَعَدهم. ولم يَعْطِفْ به في الإعربِ على "الجناتِ" و "المساكنِ الطيبةِ"، ليُعْلَمَ بذلك تفضيلُ اللَّهِ رضوانَه عن المؤمنين على سائرِ ما قَسَمَ لهم مِن فضلِه وأعْطاهم مِن كرامتِه، نظيرُ قولِ القائلِ في الكلامِ الآخَرِ: أعطيتُك ووصلتُك بكذا، وأكرمتُك، ورِضاى بعد عنك أفضلُ لك ¬في م: "وذلك".¥.
هذه الأشياءُ التي وعدتُ المؤمنين والمؤمناتِ {هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}. يقولُ: هو الظُّفَرُ العظيم، والنَّجاءُ الجسيمُ؛ لأنهم ظَفرِوا بكرامةِ الأبدِ، ونَجَوا مِن الهوانِ في سَقَرَ ¬في النسخ: "السفر".¥، فهو الفوزُ العظيمُ الذى لا شيءَ أعظمُ منه.