تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
{فَأَعْقَبَهُمْ} اللهُ {نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ} ببُخْلِهم بحقِّ اللهِ الذي فَرَضَه عليهم فيما آتاهم مِن فضلِه، وإخلافِهم الوعدَ الذي وَعَدوا الله، ونَقْضِهم عهدَه في قلوبِهم، {إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ} مِن الصدقةِ والنفقةِ في سبيلِه، {وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} في قِيلهم، وحَرَمهم التوبةَ منه؛ لأنه جلّ ثناؤُه اشْتَرَط في نفاقِهم أنه أعقَبَهُمُوه إلى يوم يَلْقَونه، وذلك إلى ¬سقط من: م.¥ يوم مَماتِهم وخُروجِهم مِن الدنيا.
واختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها رجلٌ يقالُ له: [ثعلبةُ بنُ ¬بعده في ت 1، ت 2، س، ف: "أبى"، وقد ذكر بالاسمين جميعا. ينظر في ذلك، وفي تحقيق الكلام على قصته الإصابة 1/ 400.¥ حاطبٍ من الأنصارِ] ¬سقط من: ص.¥.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} الآية: وذلك أن رجلًا يقالُ له: ثعلبةُ بنُ ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "أبي".¥ حاطب مِن الأنصارِ، أتَى مجلسًا فأَشْهَدَهم، فقال: لئن آتانى اللهُ مِن فضلِه، آتَيْتُ منه كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، وتَصَدَّقْتُ منه، وَوَصَلْتُ منه القرابةَ. فابْتَلاه اللهُ فأتاه مِن فضلِه، فأَخْلَفَ الله ما وعَدَه، وأَغْضَبَ الله بما أخْلَفَ ما وَعَدَه، فقَصَّ اللهُ شأنَه في القرآنِ بقولِه ¬ليست في: ص، م، ت 1، س، ف.¥: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ}. إلى قولِه: {يَكْذِبُونَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1849، والبيهقى في الدلائل 5/ 289 من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 261 إلى ابن مردويه.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا هشامُ بنُ عَمَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ شعيبٍ، قال: ثنا مُعَانُ ¬في م، س، ف: "معاذ". وينظر تهذيب الكمال 28/ 157.¥ بنُ رفاعةَ السَّلامِيُّ ¬في النسخ: "السلمي". والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم والدلائل للبيهقي.¥، عن أبي عبدِ الملكِ عليّ بن يزيدَ الألْهانيِّ، أنه أخبرَه عن القاسمِ أبي ¬في م: "بن"، وهو القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن. ينظر تهذيب الكمال 23/ 283.¥ عبدِ الرحمنِ، أنه أخبرَه عن أبي أُمامةَ الباهليِّ، عن ثعلبةَ بن حاطبٍ الأنصاريِّ، أنه قال الرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ادعُ الله أن يَرْزُقَنى مالًا. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "وَيْحَكَ يا ثَعْلبةُ، قليلٌ تُؤدِّى شُكرَه خيرٌ مِن كثيرٍ لا تُطِيقُه". قال: ثم قال مرةً أُخرى، فقال: "أمَا ترْضَى أن تكونَ مثلَ نبيَّ اللهِ، فَوَالَّذِي نَفْسَى بيدِه، لو شِئْتُ أن تسيرَ معى الجبالُ ذَهَبًا وفضةً لسارَتْ". قال: والذي بَعَثَكَ بالحقِّ، لئن دعوتَ الله فَرَزَقَنى مالًا لأُعْطِينَّ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "اللهمَّ ارْزُقْ ثَعْلبة مالًا". قال: فاتَّخذ غنمًا، فَنَمَتْ كما يَنْمو ا
لدُّودُ، فضاقَت عليه المدينةُ، فَتَنَحَّى عنها، فنَزَل واديًا من أوديتِها، حتى جَعَل يُصَلِّي الظهرَ والعصرَ في جماعةٍ، ويتركُ ما سِواهما ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "سواها".¥، ثم تَمَتْ وكَثُرَت، فتَنَحَّى حتى تركَ الصلواتِ إلا الجمعةَ، وهي تَنْمُو كما يَنْمو الدُّودُ، حتى تَرَكَ الجمعةَ، فَطَفِقَ يَتَلَقَّى الرَّكْبانَ يومَ الجمعةِ يسألُهم عن الأخبارِ، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ما فَعَلَ ثَعْلبةُ؟ ". فقالوا: يا رسولَ اللهِ، اتَّخَذَ غَنَمًا فَضاقَت عليه المدينةُ. فأخْبَروه بأمرِه، فقال: "يا وَيْحَ ثَعْلبةَ، يا وَيْحَ ثَعْلَبةَ، يا وَيْحَ ثَعْلَبةَ". قال: وأَنزَلَ اللهُ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] الآية. ونَزَلَت عليه فرائضُ الصدقةِ، فبَعَث رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رجلَين على الصدقةِ؛ رجلًا مِن جُهَينةَ، ورجلًا مِن سُلَيمٍ، وكَتَب لهما كيف يأخُذانِ الصدقةَ مِن المسلمين، وقال لهما: "مُرَّا بثعلبةَ، وبفلانٍ - رجلٍ مِن بنى سُلَيمٍ - فَخُذا صدقاتِهما". فَخَرَجا أَتَيا ثعلبةَ، فسَألاه الصدقةَ، وأقرَآه كتابَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ما هذه إلا جِزْيةٌ،
ما هذه إلا أختُ الجزيةِ، ما أدرِى ما هذا، انْطَلِقا حتى تَفْرُغا ثم عُودا إليَّ. فَانْطَلَقا، وسَمِع بهما السُّلَمِيُّ، فَنَظَر إلى خيارِ أسنانِ إبلِه، فعَزَلها للصدقةِ، ثم اسْتَقْبَلَهم بها، فلما رَأَوها، قالوا: ما يجبُ عليك هذا، وما نريدُ أن نأخذَ هذا منك. قال: بلى فخُذُوه، فإن نفسى بذلك طيِّبةٌ، وإنما هي لى. فَأَخَذوها منه، فلما فَرَغَا مِن صدقاتهما رجعا، حتى مَرَّا بِثَعْلَبَةَ، فقال: أَرُونى كتابَكما. فنَظَر فيه فقال: ما هذه إلا أختُ الجِزْيةِ، انطَلِقا حتى أرى رأيي. فانْطَلَقا حتى أتَيا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فلما رآهما قال: "يا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ". قبل أن يُكَلِّمَهما، ودعا للسُّلَمِيِّ بالبركةِ، فأخبرَاه بالذي صَنَع ثَعْلبةُ، والذي صنَعَ السُّلَمِيُّ، فأنزَل اللهُ تبارك وتعالى فيه: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ}. إلى قولِه: {وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}. وعندَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ مِن أقاربِ ثَعْلَبةَ، فسَمِع ذلك، فخَرَج حتى أتاه، فقال: وَيْحك يا ثعلبةُ، قد أنزَل اللهُ فيك كذا وكذا. فخَرَج ثعلبةُ حتى أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فسأ
َله أن يَقْبَلَ منه صدقتَه، فقال: "إن الله مَنَعَنى أن أَقْبَلَ منك صَدَقتَك". فَجَعَل يَحْثِى على رأسِه الترابَ، فقال له رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: هذَا عَمَلُك، قد أمَرْتُك فلم تُطِعْنى". فلما أَبَى أَن يَقْبِضَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، رَجَع إلى منزلِه، وقُبِضَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ولم يَقْبَلْ منه شيئًا، ثم أتَى أبا بكرٍ حينَ اسْتُخْلِفَ، فقال: قد عَلِمْتَ منزلتي من رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ومَوضِعى مِن الأنصارِ، فاقْبَلْ صَدَقتى. فقال أبو بكرٍ: لم يَقْبَلْها رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وأنا أقبَلُها! فقُبِضَ أبو بكرٍ ولم يَقْبِضْها، فلما وَلِيَ عمرُ أتاه فقال: يا أميرَ المؤمنين، اقبَلْ صدقتي فقال: لم يَقْبَلْها منك رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا أبو بكرٍ، [وإذًا لا] ¬في ص، ت 1، ت 2، س: "لا أنا".¥ أَقْبَلُها منك. فقُبِض ولم يَقْبَلْها، ثم وَليَ عثمانُ، رحمةُ اللهِ عليه، فأتاه فسألَه أن يقبَلَ صدقتَه، فقال: لم يَقْبَلْها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا أبو بكرٍ ولا عمرُ، رضوانُ اللهِ عليهما، وأنا لا أقبَلُها منك. فلم يَقْبَلْها منه،
وهَلَكَ ثَعْلبةُ في خلافةِ عثمانَ رحمةُ اللهِ عليه ¬أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2253)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1847، وأبو نعيم في المعرفة 3/ 271 (1375)، وابن عساكر في تاريخه 12/ 9 من طريق هشام بن عمار به، وأخرجه ابن قانع 1/ 124 (127)، والبغوى في تفسيره 4/ 75، 76، وابن الأثير في أسد الغابة 1/ 283، 284 من طريق محمد بن شعيب به، وأخرجه الطبراني (7873)، والبيهقى في الدلائل 5/ 289، وفي الشعب (4357) من طريق معان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 260 إلى الحسن بن سفيان وابن المنذر وأبى الشيخ والعسكرى في الأمثال وابن منده وابن مردويه، وقال البيهقي: هذا حديث مشهور فيما بين أهل التفسير، وإنما يروى موصولا بأسانيد ضعاف، وقد قال عنه الهيثمي في المجمع 7/ 32: وفيه على بن يزيد الألهانى وهو متروك.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} الآية: ذُكِر لنا أن رجلًا من الأنصارِ أتَى على مجلسٍ من الأنصارِ، فقال: لئن آتاه اللهُ مالًا لَيُؤدِّيَنَّ إلى كلِّ ذي حقٍّ حقَّه. فأتاه اللهُ مالًا فصَنَع فيه ما تَسْمَعون، قال: {فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ}. إلى قولِه: {وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدَّثَ أن موسى الله عليه السلامُ لمَّا جاء بالتوراةِ إلى بنى إسرائيلَ، قالت بنو إسرائيلَ: إن التوراةَ كثيرةٌ، وإنا لا نفرُغُ لها، فسَلْ لنا ربَّك جماعًا مِن الأمرِ نحافظُ عليه، ونَتَفرَّغُ فيه لمَعاشِنَا. قال: يا قومِ مَهلًا مَهْلًا، هذا كتابُ اللهِ، ونورُ اللهِ، وعِصْمةُ اللهِ. قال: فأَعَادوا عليه، فأعادَ عليهم، قالها ثلاثًا. قال: فأوحَى اللهُ إلى موسى: ما يقولُ عبادى؟ قال: يا ربِّ يقولون: كَيْتَ وكَيْتَ. قال: فإنى أمُرُهم بثلاثٍ، إن حافَظوا عليهنَّ دَخَلُوا بهنَّ الجنةَ، أن يَنْتَهُوا إلى قِسْمةِ الميراثِ فلا يَظْلِموا فيها، ولا يُدْخِلوا أبصارَهم البيوتَ حتى يُؤْذَنَ له
م، وألا يَطْعَموا طَعامًا حتى يتَوضَّئوا وضوءَهم للصلاةِ. قال: فرَجَع بهنَّ نبيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى قومِه، ففَرِحوا ورأَوا ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "رووا".¥ أنهم سيقومون بهنَّ. قال: فواللهِ ما لَبِثَ القومُ إلا قليلًا حتى حَقْحَقُوا ¬في م: "جنحوا" وحقحق القوم: إذا اشتدوا في السير. اللسان (ح ق ق).¥ وانقُطِعَ بهم. فلما حَدَّثَ نبيُّ اللهِ بهذا الحديثِ عن بني إسرائيلَ، قال: "تَقبَّلُوا ¬في م: "تكفلوا". وتقبل وتكفّل بمعنًى. ينظر اللسان (ق ب ل).¥ لى [ستًّا أتقبَّلْ] ¬في م: "بست أتكفل".¥ لكم الجنَّةَ ¬في م: "بالجنة".¥ ". قالوا: ما هُنَّ يا رسولَ اللهِ؟ قال: "إذا حَدَّثَتُم فلا تَكْذِبوا، وإذا وَعَدتُم فلا تُخْلِفوا، وإذا ائتُمِنْتُم فلا تَخونُوا، وكُفُّوا أبصارَكم وأيديَكم وفُروجَكم ¬بعده في م: "و".¥؛ أبصارَكم عن الخيانةِ، وأيديَكم عن السرقةِ، وفروجَكم عن ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "من".¥ الزِّنا" ¬أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (517) من طريق يزيد به إلى قوله: بما كانوا يكذبون ومن هنا إلى آخره عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 262 إلى أبى الشيخ، وأخرج المرفوع منه ابن أبي شيبة وأحمد بن منيع في مسنديهما كما
في المطالب العالية (1، 2/ 2909)، وأبو يعلى (4257)، والحاكم 4/ 359، والخطيب في الموضح 2/ 168 من حديث أنس. وأخرجه أحمد 5/ 323 (ميمنية)، والبيهقى 6/ 288 من حديث عبادة.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقولُ: "ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه صارَ مُنافِقًا، وإن صامَ وصَلَّى وزَعَم أنه مسلمٌ؛ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا ائْتُمن خانَ، وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ" ¬أخرجه الفريابي في ذم المنافقين (21) من طريق يزيد، عن يونس بن عبيد، عن الحسن. وأصل الحديث أخرجه البخاري (33، 2749، 6095)، ومسلم (107 - 110) من حديث أبي هريرة.¥.
وقال آخرون: بل المَعْنِيُّ بذلك رجلان؛ أحدُهما ثَعْلَبةُ، والآخرُ مُعَتِّبُ بنُ قُشَيْرٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن عمرِو بنُ عُبَيدٍ، عن الحسنِ: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} الآية ¬في ص، ت 1، ت 2، ف: "الآخر"، وفى م: "إلى الآخر".¥: وكان الذي عاهَدَ الله منهم ثَعْلبةُ بنُ حاطبٍ، ومُعَتِّبُ بنُ قُشَيْرٍ، وهما من بني عمرِو بن عوفٍ ¬سيرة ابن هشام 2/ 551.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ}. قال: رجلان خَرَجا على ملإِ قُعُودٍ، فقالا: واللهِ لئن رَزَقَنَا اللهُ لنَصَّدَّقنَّ، فلما رَزَقَهم اللهُ بَخِلوا به.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ}: رجلان خَرَجا على ملإِ قعودٍ، فقالا: واللهِ لئن رَزَقَنَا اللهُ لنَصَّدَّقَنَّ. فلما رَزَقَهم بَخِلوا به، فأَعْقَبهم نفاقًا في قلوبِهم بما أخْلَفوا الله ما وَعَدوه حين قالوا: لنصَدَّقنَّ. فلم يَفْعَلوا.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه ¬أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (515)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1847 من طريق ورقاء به.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} الآية. قال: هؤلاء صِنْفٌ مِن المُنافِقين، فلما آتاهم ذلك بَخِلوا به، فلما بَخِلوا بذلك أعقَبَهم بذلك نفاقًا إلى يومِ يَلْقَونه، ليس لهم منه توبةٌ ولا مغفرةٌ ولا عفوٌ، كما أصابَ إبليسَ حينَ مَنَعه التوبةَ.
قال أبو جعفرٍ: في هذه الآيةِ الإبانةُ مِن اللهِ جلّ ثناؤُه عن علامةِ أهلِ النفاقِ، أعنى في قولِه: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}.
وبنحوِ هذا القولِ كان يقولُ جماعةٌ من الصحابةِ والتابِعين، ورُوِيت ¬في م: "وردت".¥ به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
ذكرُ بعض مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعْمشِ، عن عُمارةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، قال: قال عبدُ اللهِ: اعْتَبِروا المنافقَ بثلاثٍ؛ إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلَف، وإذا عاهَد غدَر، وأنزَل اللهُ تصديقَ ذلك في كتابِه: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ}. إلى قولِه: {يَكْذِبُونَ} ¬أخرجه سعيد بن منصور (1026)، ومن طريقه الطبراني (9075)، والفريابي في صفة النفاق (10) من طريق أبى معاوية به، وأخرجه ابن أبي شيبة 8/ 594، والحسين المروزى في زوائده على زهد ابن المبارك (1067)، وابن أبي الدنيا في الصمت (516)، ومحمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة (677)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1846 من طريق الأعمش به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن صُبَيحِ بن عبدِ اللهِ بن عُمَيرٍ ¬في النسخ: "عميرة"، وينظر الثقات 4/ 382، والإكمال 5/ 167.¥، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو ¬في النسخ: "عمر" وسيأتي على الصواب في الإسناد بعده.¥، قال: ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه كان مُنافِقًا؛ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أخلفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ. قال: وتَلَا هذه الآية {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} إلى آخرِ الآيةِ ¬أخرجه الفريابي في صفة النفاق (16) من طريق غندر محمد بن جعفر به. وأخرجه البخارى (34)، ومسلم (106) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا.¥.
حدَّثنا ابن المُثَنّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سَمِعتُ صُبَيحَ بنُ عبدِ اللهِ العَبْسيَّ ¬في النسخ: "القيس". وتقدم على الصواب في 8/ 739، 740 وينظر التاريخ الكبير 4/ 318.¥ يقولُ: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو عن المنافقِ. فذَكَر نحوَه.
حدَّثني محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: ثنا أبو هشامٍ المخزوميُّ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ حكيمٍ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظِيَّ، يقولُ: كنتُ أسمعُ أن المنافقَ يُعْرَفُ بثلاثٍ؛ بالكذبِ، والإخلافِ، والخيانةِ، فالتَمسْتُها في كتابِ اللهِ زمانًا لا أجِدُها، ثم وجدْتُها في اثْنَتَين ¬في م: "آيتين".¥ مِن كتابِ اللهِ، قولِه: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ}. حتى بَلَغَ: {وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}. وقولِه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأحزاب: 72] هذه الآية ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 261 إلى أبي الشيخ والخرائطى في مكارم الأخلاق، وأخرجه الخرائطى في مساوئ الأخلاق ومذمومها (143، 303) من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن كعب، وأوله مرفوع.¥.
حدَّثني القاسمُ بنُ بِشْرِ بن معروفٍ، قال: ثنا شبابةُ ¬في م: "أسامة".¥، قال: ثنا محمدٌ المُحْرِمُ ¬في م: "المخرمى".¥، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه فهو مُنافِقٌ، وإن صَلَّى وصامَ وزَعَمَ أنه مسلمٌ؛ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإِذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا ائْتُمِن خانَ". فقلتُ للحسنِ: يا أبا سعيدٍ، لئن كان لرجلٍ عليَّ دَيْنٌ فلَقِيني، فَتَقاضاني، وليس عندى، وخِفْتُ أن يَحْبِسَنى ويُهْلِكَني، فَوَعَدْتُه أَن أَقْضِيَه رأسَ الهلالِ فلم أفعلْ، أمنافقٌ أنا؟ قال: هكذا جاء الحديثُ. ثم حَدَّثَ عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو أن أباه لمَّا حَضَره الموتُ قال: زَوِّجوا فلانًا، فإني وَعَدْتُه أن أُزوِّجَه، لا ألقَى الله بثُلُثِ النفاقِ. قال: قلتُ: يا أبا سعيدٍ، ويكونُ ثُلُثُ الرجلِ منافقًا، وثُلُثاه مؤمنًا؟ قال: هكذا جاء الحديثُ. قال: فحَجَجْتُ فلَقِيتُ عطاءَ بنَ أبي رباحٍ فأخبرْتُه الحديثَ الذي سمِعتُه من الحسنِ، وبالذى قلتُ له وقال لي، فقال لي: أعَجَزْتَ أن تقولَ له: أخبِرْني عن إخوةِ يوسفَ عليه السلامُ، ألم يَعِدوا أباهم فأخْلَفوه، وحَدَّثوه فكَذَبُوه، وأْتَمَنَهم فخانوه، أفمنافِق
ين كانوا؟ ألم يكونوا أنبياءَ، أبوهم نبيٌّ وجَدُّهم نبيٌّ؟ قال: فقلتُ لعطاءٍ: يا أبا محمدُ حدَّثني بأصلِ النفاقِ، وبأصلِ هذا الحديثِ. فقال: حدَّثني جابرُ بنُ عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إنما قال هذا الحديثَ في المُنافقين خاصةً، الذين حَدَّثوا النبيَّ فَكَذَبوه، وأتَمَنَهم على سِرِّه فَخَانُوه، ووَعَدوه أن يخرُجوا معه في الغزوِ فأَخْلَفوه. قال: وخَرَجَ أبو سفيانَ مِن مكةَ، فأتَى جبريلُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إن أبا سفيانَ في مكان كذا وكذا. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابِه: "إن أبا سفيانَ في مكانِ كذا وكذا، فاخْرُجُوا إليه واكْتُمُوا". قال: فكَتَبَ رجلٌ مِن المُنافِقين إليه أن محمدًا يريدُكم، فخُذُوا حِذْرَكم. فأنزَل اللهُ: {لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27]. وأنزَل في المُنافِقين: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ}. إلى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}. فإذا لَقِيتَ
الحسنَ فأَقْرِئْه السلامَ، وأخبِرْه بأصلِ هذا الحديثِ وبما قلتُ لك. قال: فقَدِمتُ على الحسنِ، فقلتُ: يا أبا سعيدٍ، إن أخاك عطاءً يُقْرِئُك السلامَ. فأخبرتُه بالحديثِ الذي حَدَّثَ وما قال لى. فَأَخَذَ الحَسنُ بيَدِى فأشالها ¬في م: "فأمالها" وأشال يده: رفعها. اللسان (ش و ل).¥، وقال: يا أهلَ العراقِ، أَعَجَزْتُم أن تكونوا مثل هذا؟ سَمِعَ منى حديثًا فلم يَقْبَلْه حتى اسْتَنْبَطَ أصلَه، صَدَقَ عطاءٌ، هكذا الحديثُ، وهذا في المُنافقين خاصةً ¬ينظر ما تقدم تخريجه في ص 212.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرَنا يعقوبُ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه، وإن صَلَّى وصامَ وزَعَمَ أنه مسلمٌ، فهو مُنافِقٌ". فقيل له: ما هي يا رسولَ اللهِ؟ فقال النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ: "إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإِذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإِذا ائْتُمِنَ خَانَ".
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: ثنا مُبَشِّرٌ ¬في م، ف: "ميسرة"، وفى ت 1: "ميسر". وينظر تهذيب الكمال 27/ 190.¥، عن الأوزاعيِّ، عن هارونَ بن رئابٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرِو بن وائلٍ، أنه لمَّا حَضَرَتْه الوفاةُ قال: إن فلانًا خَطَبَ إليَّ ابْنَتى، وإنى كنتُ قلتُ له فيها قولًا شَبِيهًا بالعِدَةِ، واللهِ لا ألقَى الله بثُلُثِ النفاقِ، وأُشْهِدُكم أني قد زَوَّجتُه ¬أخرجه الفريابي في صفة النفاق (18) من طريق الأوزاعي به.¥.
وقال قومٌ: كان العهدُ الذي عاهَدَ الله هؤلاء المُنافِقون، شيئًا نَوَوْه في أنفسِهم ولم يَتَكَلَّموا به.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: سمعتُ مُعْتَمِرَ بنَ سليمانَ التَّيْمِيَّ يقولُ: رَكِبتُ البحرَ، فأصابَنا ريحٌ شديدةٌ، فنَذَرَ قومٌ منَّا نُذُورًا، ونَوَيتُ أنا لم أتَكَلَّمْ به، فلما قَدِمتُ البصرةَ سألتُ أبى سليمانَ، فقال لي يا بُنَيَّ: فِ ¬في م: "فه" بهاء السكت، وقد ذهب البصريون إلى أن ثبوتها في الوصل - مكسورة أو مضمومة - ضرورة، والكوفيون إلى الجواز. ينظر خزانة الأدب 11/ 457.¥ به.
قال مُعْتَمِرٌ: وثنا كَهْمَسٌ، عن سعيدِ بن ثابتٍ، قال: قولُه: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ} الآية. قال: إنما هو شيءٌ نَوَوْه في أنفسِهم ولم يَتَكَلَّموا به، ألم تَسْمَعْ إلى قولِه: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}؟