تفسير ابن كثير
{ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (2)}.
وقوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا} الآية، يقول تعالى منكرًا على من تعجب من الكفار من إرسال المرسلين من البشر كما أخبر تعالى عن القرون الماضين من قولهم: {أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} [التغابن: 6] وقال هود وصالح لقومهما: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ} [الأعراف: 63] وقال تعالى مخبرًا عن كفار قريش أنهم قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)} [ص]. وقال الضحاك، عن ابن عباس: لما بعث الله تعالى محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رسولًا أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا مثل محمد، قال: فأنزل الله -عَزَّ وجَلَّ-: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ} الآية ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك به، وهو لم يلق ابن عباس -رضي الله عنهما-.¥. وقوله: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} اختلفوا فيه: فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ} يقول: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول ¬أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.¥. وقال العوفي، عن ابن عباس: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} يقول: أجرًا حسنًا بما قدموا ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.¥. وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ¬قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.¥. وهذا كقوله تعالى: {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3)} [الكهف]. وقال مجاهد: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} قال: الأعمال الصالحة؛ صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.¥. وقال فضيل بن عمرو بن الجون، عن قتادة أو الحسن: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} قال: محمد: - صلى الله عليه وسلم - "يشفع لهم" ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يحيى بن آدم عن فضيل به.¥. وكذا قال زيد بن أسلم ¬أخرجه الطبري من طريق سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم، وسنده ضعيف لأن ابن عيينة أخرجه في تفسيره قال: أُخبرت عن زيد بن أسلم، فهو منقطع (ينظر: تغليق التعليق 4/ 222).¥ ومقاتل بن حيان. وقال قتادة: سلف صدق عند ربهم ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.¥. واختار ابن جرير قول مجاهد: إنها الأعمال الصالحة التي قدموها، كما يقال: له قدم في الإسلام؛ كقول حسان - رضي الله عنه -:
لنا القدمُ العليا إليك وخَلفُنا ... لأوَّلنا في طاعة الله تابع ¬ديوان حسان ص 241.¥
وقول ذي الرمة:
لكم قدم لا ينكر الناس ... أنها مع الحسب العادي طمَّت على البحر ¬ديوان ذي الرمة ص 272، وذكره الطبري.¥
وقوله تعالى: {قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} أي: مع أنا بعثنا إليهم رسولًا منهم رجلًا من جنسهم بشيرًا ونذيرًا {قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} أي: ظاهر وهم الكاذبون في ذلك.