تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71)}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ} على هؤلاء المشركين الذين قالوا: {اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} مِن قومِك، {نَبَأَ نُوحٍ}. يقولُ خبرَ نوحٍ، {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي}. يقولُ: إن كان عَظُمَ عليكم مَقامى بينَ أظهُرِكم وشَقَّ عليكم، {وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ}. يَقولُ: وَوَعْظِى إيَّاكم بحُجَجٍ اللهِ، وتَنْبِيهِى إياكم على ذلك، {فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ}. يقولُ: إن كان شَقَّ عليكم مَقامى بينَ أظهُرِكم، وتَذْكِيرى بآياتِ اللهِ، فعزَمتم على قَتْلى أو طَرْدِى مِن بينِ أَظْهُرِكم، فعلى اللهِ اتِّكالى وبه ثِقَتى، وهو سَنَدى وظَهْرى.
{فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ}، يقولُ: فأعِدُّوا أمرَكم، واعزِمُوا على ما تُقْدمون عليه في أمْرِى.
يقالُ منه: أجمعتُ على كذا. بمعنى: عَزَمْتُ عليه، ومنه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَن لم يُجْمِعْ على الصَّومِ مِن الليلِ فلا صَوْمَ له" ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف. والحديث أخرجه أحمد 6/ 287 (الميمنية)، وأبو داود (2454)، والترمذى (730)، والنسائي (2330 - 2340)، وغيرهم من حديث حفصة. وينظر نصب الراية،2/ 434، 435، والإرواء 4/ 25 - 30.¥. بمعنى: مَن لم يَعْزِم، ومنه قولُ الشاعرِ ¬البيت في اللسان (ج م ع)، ومعانى القرآن 1/ 473، والنوادر ص 133.¥:
يا لَيْتَ شِعْرِى والمُنَى لا تَنْفَعُ ... هل أَغْدُونْ يومًا وأَمْرِى مُجْمَعُ
ورُوِى عن الأعْرجِ فى ذلك ما حدَّثني بعضُ أصحابِنا، عن عبدِ الوهابِ، عن هارونَ، عن أَسِيدٍ، عن الأعرجِ: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ}. يقولُ: أَحْكِموا أمركم وادْعُوا شُرَكَاءَ كم ¬أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 6/ 1969 من طريق عبد الوهاب به¥.
ونُصِبَ قوله: {وَشُرَكَاءَكُمْ} بفعلٍ مضمرٍ له، وذلك: وادْعوا شركاءَكم، وعُطِفَ بالشركاءِ على قولِه: {أَمْرَكُمْ} على نحوِ قولِ الشاعرِ ¬تقدم تخريجه في 1/ 140.¥:
ورأيتِ زَوْجَكَ في الوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحَا
فالرمحُ لا يُتَقَلَّدُ، ولكن لمَّا كان فيما أُظْهِرَ مِن الكلامِ دليلٌ على ما حُذِفَ، فاكْتُفِى [بذكر ما] ¬في ت 2: "بما".¥ ذُكِرَ منه مما حُذِفَ، فكذلك ذلك في قولِه: {وَشُرَكَاءَكُمْ}.
واختَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقَرَأَتْه قرأةُ الأمصارِ: {وَشُرَكَاءَكُمْ} نصبًا، وقولَه: {فَأَجْمِعُوا} بهمِز الألفِ وفتحِها، مِن: أَجمَعْتُ أمرى، فأنا أُجْمِعُه إجماعًا ¬بعده في ص: "وذكر عن الحسن البصرى أنه كان يقرؤه فأجمعوا أمركم بهمز الألف وفتحها من أجمعت أمرى فأنا أجمعه إجماعا".¥.
وذُكِر عن الحسنِ البصرىِّ، أنه كان يَقْرؤُه: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} بفتحِ الألفِ وهمزِها ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "أمركم".¥، (وشركاؤُكم) بالرفعِ ¬وهى قراءة شاذة، وينظر مختصر الشواذ ص 62.¥ على معنى: وأجْمِعوا أمرَكم، وليُجمعْ أمرَهم أيضًا معكم شركاؤُكم.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك، قراءةُ مَن قَرَأَ: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} بفتحِ الألفِ مِن "أجْمِعوا"، ونُصِبَ الشركاءُ؛ لأنها في المصحفِ بغيرِ واوٍ، و ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، س.¥ لإجماعِ الحجةِ على القراءةِ بها، ورَفْضِ ما خالَفها، ولا يعترضُ عليها بمن ¬فى ت 1، ت 2، ف: "ممن".¥ يجوزُ عليه الخطأُ والسَّهْوُ.
وعُنِىَ بالشركاءِ آلهتُهم وأوثانُهم.
وقولُه: {ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً}. يقولُ: ثم لا يكنْ أمركُم عليكم مُلتبِسًا ¬فى ت 2: "غمة متلبسا"¥ مُشْكِلًا مُبْهَمًا.
مِن قولِهم: غُمَّ على الناسِ الهلالُ. وذلك إذا أَشْكَلَ عليهم أمرُه فلم يَتَبَيَّنوه، ومنه قولُ رؤبةَ ¬كذا في النسخ، والبيت لأبيه العجاج وهو في ديوانه ص 422.¥:
بل لو شَهِدْتِ الناسَ إذ تُكُمُوا ... بِغُمَّةٍ لو لم تُفَرَّجْ غُمُّوا
وقيل: إن ذلك من الغمِّ؛ لأن الصدرَ يضيقُ به، ولا يَتَبَيَّنُ صاحبُه لأمرِه مَصدرًا يَصْدُرُه، يَتَفَرَّجُ عليه ¬فى م: "عنه".¥ ما بقلبِه ¬فى ت 1: "يغلبه"، وفى ف: "تفلته".¥، ومنه قولُ خنساءَ ¬أنيس الجلساء ص 11.¥:
[وذِي كُرْبَةٍ] ¬في الديوان: "ومختنق".¥ رَاخَى ابنُ عمرٍو خِناقه ... وَغُمَّتَهُ عَن وَجْهِهِ فَتَجَلَّتِ
وكان قتادةَ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ ابنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: {أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً}. قال ¬في م: "قالا".¥: لا يَكْبُرُ ¬في ص، س، ف: "يكثر"¥ عليكم أمرُكم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1969 من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 296 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 313 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
وأما قولُه: {ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ} فإن معناه: ثم أمضُوا إلىَّ ما في أنفسِكم وافْرَغوا منه.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرِ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: {ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ}. قال: اقْضُوا إلىَّ ما كنتم قاضِين ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1970 من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 296 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 313 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ}. قال: اقْضُوا إلىَّ ¬بعده فى ت 2: "ولا تنظرون".¥ ما في أنفسِكم ¬تفسير مجاهد ص 382، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1970، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 313 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
واختَلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ فى معنى قولِه: {ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ}.
فقال بعضُهم: معناه: امْضُوا إلىَّ، كما يقالُ: قد قَضَى فلانٌ. يراد: قد ماتَ ومَضَى.
وقال آخرون منهم: بل معناه: ثم افْرَغوا إلىَّ. وقالوا: القضاءُ الفراغُ، والقضاءُ مِن ذلك. قالوا: وكأن قَضَى دينَه مِن ذلك، إنما هو فَرَغ منه.
وقد حُكِىَ عن بعضِ القرأةِ، أنه قرَأ ذلك: (ثُمَّ أَفْضُوا ¬في ت 2، ف: "أقضوا". وينظر مختصر الشواذ ص 62.¥ إلى) بمعنى: تَوَجَّهوا إلىَّ حتى تَصِلوا إليَّ، مِن قولهم: قد أفْضَى إلىَّ الوَجَعُ ¬فى ف: "الرجع".
ـ¥. وشِبْهُه.
وقوله: {وَلَا تُنْظِرُونِ}. يقولُ: ولا تُؤخِّرون، مِن قولِ القائلِ: أنظرتُ فلانًا بما لى عليه مِن الدِّينِ.
إنما ¬سقط من: ت 2، وفى ت 2، س، ف: "أما".¥ هذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن قولِ نبيِّه نوحٍ عليه السلامُ لقومِه: إنه بنُصْرةِ اللهِ له عليهم واثقٌ، ومِن كيدِهم وبَوائقِهم ¬في م: "تواثقهم".¥ غيرُ خائفٍ - وإعلامٌ منه لهم أن آلهتَهم لا تَضُرُّ ولا تنفعُ. يقولُ لهم: أمْضُوا ما تُحدِّثون أنفسَكم به فيَّ، على عزمٍ منكم صحيحٍ، واسْتَعينوا مع ¬سقط من: م.
(*) هنا ينتهى الخرم فى مخطوط الأصل الذي بدأ في ص 130.¥ من شايَعَكم علىَّ بالهتِكم التي تَدْعون مِن دونِ اللَّهِ، ولا تُؤخِّروا ذلك، فإني قد توكلتُ على اللهِ، وأنا به واثقٌ أنكم لا تَضُرُّونى إلا أن يشاءَ ربِّي.
، وهذا، وإن كان خبرًا مِن اللَّهِ عن عن نوحٍ، فإنه حَثٌّ مِن اللهِ لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - على التأسِّى به، وتعريفٌ منه سبيلَ الرشاد فيما قَلَّدَه من الرسالِة والبلاغِ عنه.