تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)}.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ يعقوبَ لابنِه يوسفَ، لمَّا قصَّ عليه رؤياه: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ}: وهكذا يَجْتَبِيك ربُّك. يقولُ: كما أراك ربُّك الكواكبَ والشمسَ والقمرَ لك سجودًا، فكذلك يَصْطَفِيك ربُّك، كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو العَنْقَزِيُّ، عن أبى بكرٍ الهُذَليِّ، عن عكرمةَ: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ}. قال: يَصْطَفِيك.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ}: فاجْتَباه واصْطَفاه وعَلَّمه مِن عِبَرِ الأحاديثِ، وهو تأويلُ الأحاديثِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 7/ 2103 (11337) من طريق سعيد به نحوه.¥.
وقولُه: {وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ}. يقولُ: ويُعَلِّمُك ربُّكَ مِن علمِ ما يَئولُ إليه أحاديثُ الناسِ، عما يَرَونه فى منامِهم، وذلك تعبيرُ الرؤيا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: {وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ}. قال: عبارةُ الرؤيا ¬أخرجه ابن أبي شيبة 11/ 82، وابن أبي حاتم فى تفسيره 7/ 2103 (11339) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 4 إلى أبى الشيخ.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ}. قال: تأويلُ الكلامِ؛ العلمُ والحُكْمُ ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: الكلام، وفى م، والدر المنثور: "الحلم". وأثبتناه كما في مصدر التخريج، وهو مقتضى السياق بعده.¥، وكان يوسفُ أعبرَ الناسِ. وقرأ: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} ¬أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 7/ 2103 (11341) من طريق أصبغ عن ابن زيد.¥ [يوسف: 22].
وقولُه: {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ}: باجْتبائِه إياك واختيارِه وتعليمِه إياك تأويلَ الأحاديثِ، {وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ}. يقولُ: وعلى أهلِ دينِ يعقوبَ وملتِه، من ذريتِه وغيرِهم، {كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} باتخاذِه هذا خليلًا وتَنْجيتِه مِن النارِ، وفديتِه هذا بذبحٍ عظيمٍ.
كالذي حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: أخبرَنا أبو إسحاقَ، عن عكرمةَ فى قولِه: {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ}. قال: فنعمتُه على إبراهيمَ أن نجَّاه من النارِ، وعلى إسحاقَ أن نَجَّاه مِن الذَّبْحِ ¬عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 4 إلى المصنف وقال أكثر المفسرين: الذبيح هو إسماعيل، والقول بأنه إسحاق، قول مرجوح. وينظر ما سيأتى فى سورة الصافات الآية 107.¥.
وقولُه: {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. يقولُ: {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ} بمواضعِ الفضلِ، ومَن هو أهلٌ للاجتباءِ والنعمةِ، {حَكِيمٌ} في تدبيرِه خلقَه.