تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القول في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ}.
أما قولُه: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ}. فإنه عطَف بـ {إِذْ} على قولِه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}. وقولُه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ}. معطوفٌ على قولِه: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ}. واذكُروا إذ ابتَلَى إبراهيمَ رُّبه، وإذ جعَلْنا البيتَ مَثابةً.
والبيتُ الذي جعَله اللهُ مَثابةً للناسِ هو البيتُ الحرامُ.
وأما المثابةُ، فإن أهلَ العربيةِ مختلِفون في معناها، والسببِ الذي من أجلِه أُنِّثَتْ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: أُلْحِقَت الهاءُ في المثابةِ لمّا كَثُر مَن يَثوبُ إليه، كما يقالُ: سَيّارةٌ. لمن يُكْثِرُ ذلك، ونَسّابةٌ.
وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: بل المَثابُ والمثابةُ بمعنًى واحدٍ، نطيرُ المَقامِ والمَقامَةِ. والمَقامُ ذُكِّر -على قولِه- لأنه أُريدَ به الموضعُ الذي يُقامُ فيه، وأُنِّثَتِ المَقامَةُ لأنه أريد بها البُقْعَةُ. وأَنكرَ هؤلاء أن تكونَ المثابةُ للسيّارةِ ¬في م: "كالسيارة".¥ والنّسّابةِ نَطيرَةً ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥. وقالوا: إنما أُدخلتِ الهاءُ في السيّارةِ والنسّابةِ تشبيهًا لها بالداهيةِ ¬في م: "بالداعية".¥.
والمَثابةُ مَفْعَلَةٌ من: ثاب القومُ إلى الموضعِ، إذا رجَعوا إليه، فهم يَثُوبون إليه مَثابًا ومَثابةً وثوابًا.
فمعنى قولِه: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ}: وإذ جعَلْنا البيتَ مَرجِعًا للناسِ ومَعاذًا، يَأْتُونه كلَّ عامٍ، ويَرجِعون إليه فلا يَقْضُون منه وَطَرًا. ومن المثابِ قولُ وَرَقَةَ ابنِ نوفلٍ فما صفةِ الحَرَمِ ¬ينظر تخريج البيت في البداية والنهاية 3/ 473.¥:
مَثابٌ لأفْنَاءِ القبائلِ كلِّها ... تَخُبُّ إليه اليَعْمَلاتُ الطَّلائِحُ
ومنه قيل: ثاب إليه عقلُه، إذا رجَع إليه بعد عُزوبِه عنه. وبنحوِ ما قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ}. قال: لا يَقْضون منه وَطَرًا ¬تفسير مجاهد ص 214، ومن طريقه البيهقي 5/ 176، وفي الشعب (3995)، وأخرجه البيهقي أيضا في سننه من طريق مسلم بن خالد الزنجى، عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 118 إلى ابن عيينة وعبد بن حميد. وستأتي بقيته في ص 521.¥.
وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ مثلَه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 58.¥.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ}. قال: يثوبون إليه، لا يَقْضُون منه وَطَرًا.
وحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ}. قال: أما المثابةُ، فهو الذي يثوبون إليه كلَّ سنةٍ، لا يَدَعُه الإنسانُ إذا أتاه مرّةً أن يعودَ إليه.
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبى، قال: حدَّثني عمى، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ} يقولُ: لا يَقْضُون منه وَطَرًا، يَأتونه، ثم يَرجِعون إلى أهليهم، ثم يَعُودون إليه ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 242 عن العوفى به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 225 (1191) من طريق مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس نحوه.¥.
وحدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ أبى عُمَيرٍ، قال: حدَّثني الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: قال أبو عمرٍو: حدَّثني عَبْدةُ بنُ أبى لُبابةَ في قولِه: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ}. قال لا يَنْصَرِفُ عنه مُنْصَرِفٌ وهو يَرى أنه قد قضَى منه وَطَرًا ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 242 عن المصنف، وعبد الكريم بن أبى عمير ذكره الذهبى في الميزان 3/ 644، والمغنى 1/ 569، وينظر لسان الميزان 4/ 50، 51.¥.
وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ}. قال: يَثوبون إليه من كلِّ مكانٍ، ولا يَقْضُون منه وَطَرًا ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 225 عقب الأثر (1191) معلقا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 118 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه.
وحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديّ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن عطيةَ في قولِه: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ}. قال: لا يَقْضون منه وَطَرًا ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 225 عقب الأثر (1191) معلقا.¥.
وحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى الهُذَيلِ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ يقولُ: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ}. قال: يَحُجُّون ويَثُوبون ¬تفسير سفيان ص 48 نحوه.¥.
وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنَا الثورىُّ، عن أبى الهُذَيلِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: {مَثَابَةً لِلنَّاسِ} قال: يَحُجُّون [ويَثوبونَ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥.
[وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا الثَّوريُّ، عن أبي الهُذَيْلِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قولَه: {مَثَابَةً لِلنَّاسِ}. قال: يحُجُّون] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، ثم يَحُجُّون، ولا يَقْضُون منه وَطَرًا ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 59.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا ابنُ دُكَيْنٍ ¬في م: "بكير".¥، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن غالبٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ: {مَثَابَةً لِلنَّاسِ}. قال: يَثُوبون إليه.
وحدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ}. قال: مَجْمَعًا ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 225 عقب الأثر (1192) معلقا.¥.
وحدَّثني المُثَنّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال حدَّثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحَةَ، عن ابنِ عباسٍ: {مَثَابَةً لِلنَّاسِ}. يقولُ: يَثُوبون إليه ¬سقط من: الأصل، ص، ت 1، ت 2.
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الإتقان 2/ 7 - عن أبيه، عن عبد الله بن صالح به، بلفظ: يثوبون إليه ثم يرجعون.¥.
وحُدِّثْت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {مَثَابَةً لِلنَّاسِ}. يقولُ: يَثُوبون إليه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 225 عقب الأثر (1191) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ}. قال: يَثُوبون إليه من البُلْدانِ كلِّها ويَأتُونه ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 242 عن المصنف.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَأَمْنًا}.
والأمنُ مصدرٌ؛ من قولِ القائلِ: أَمِن يَأمَنُ أَمْنًا. وإنما سَمّاه اللهُ أَمْنًا؛ لأنه كان في الجاهليةِ مَعاذًا لمن اسْتعاذَ به، وكان الرجلُ منهم لو لَقِىَ به قاتلَ أبيه أو أخيه لم يَهِجْه ولم يَعْرِضْ له حتى يَخرُجَ منه، وكان كما قال جلَّ ثناؤُه: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67].
حدثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَأَمْنًا}. قال: مَن أَمَّ إليه فهو آمِنٌ، كان الرجلُ يَلقَى قاتلَ أبيه أو أخيه فلا يَعْرِضُ له ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 243 عن ابن زيد.¥.
حدثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما {أَمْنًا} فمَن دخَله كان آمنًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 225 عقب الأثر (1194) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
[حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {وَأَمْنًا}] ¬سقط من: الأصل.¥. قال: تحريمُه ¬في الأصل: "عريمة".¥، لا يخافُ فيه مَن دخَله ¬تقدم أوله في ص 518.¥.
وحُدِّثْت عن عَمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: {وَأَمْنًا}. يقولُ: أمنًا مِن العدوِّ أن يَحْمِلَ فيه السلاحَ، وقد كان في الجاهليةِ يُتَخَطَّفُ الناسُ مِن حولِهم وهم آمنون لا يُسْبَوْنَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 225 عقب الأثر (1194) من طريق ابن أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 118 إلى المصنف عن أبي العالية.¥.
وحُدِّثْت عن المِنجابِ، قال: أخبرَنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {وَأَمْنًا}. قال: أمنًا للناسِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 225 (1193) عن أبي زرعة، عن منجاب به.¥.
وحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حَجّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {وَأَمْنًا}. قال: تحريمُه، لا يَخافُ فيه مَن دخَله.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}.
اختلف القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. بكسرِ الخاءِ على وجهِ الأمرِ باتخاذِه مصلًّى، وهي قراءةُ عامةِ قَرَأَةِ المِصْرَيْنِ؛ الكوفَةِ والبصرةِ، وقراءةُ عامةِ قَرَأَةِ أهلِ مكةَ، وبعضِ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ ¬وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء، وسيأتي، ينظر حجة القراءات ص 113.¥.
[وذهَب الذين قرءوا ذلك إلى] ¬في م: "وذهب إليه الذين قرءوه كذلك من"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "وذهب إليه الذين قرءوه كذلك إلى أن".¥ الخبرِ الذي حدَّثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا حُميدٌ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، لو اتخذْتَ المَقامَ مُصَلًّى! فأَنزل اللهُ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ¬أخرجه أحمد 1/ 23 (157)، والبخاريّ (402)، والترمذي (2960)، والنسائي في الكبرى (10998)، وابن ماجه (1009) من طريق هشيم به.
وأخرجه الترمذي (2959) من طريق حماد بن سلمة، عن حميد به. وينظر مسند الطيالسي (41).¥.
وحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، جميعًا عن حُميدٍ، عن أنَسٍ، عن عمرَ، عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مثلَه ¬أخرجه أحمد 1/ 24 (160)، وفي فضائل الصحابة (434) من طريق ابن أبي عدي به.¥.
وحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا حُمَيدٌ، عن أنسٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ. فذكَر مثلَه.
قالوا: فإنما أنزَل اللهُ تعالى ذكرُه هذه الآيةَ أمرًا منه نبيَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- باتِّخاذِ مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى، فغيرُ جائزةٍ قراءتُها وهي أمرٌ، على وجهِ الخبرِ.
وقد زعَم بعضُ نحويِّي البصرةِ أن قولَه: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. جزمٌ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ معطوفٌ على قولِه: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ} واتَّخِذوا مصلًّى من مَقام إبراهيمَ. فكان الأمرُ بهذه الآيةِ، وباتخاذِ المصلَّى من مَقامِ إبراهيمَ -على قولِ هذا القائِلِ- لليهودِ مِن بني إسرائيل الذين كانوا على عهدِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
[وقال] ¬في م: "كما حدثنا"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "حدثنا".¥ الربيعُ بنُ أنسٍ بما حدِّثْت به عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، [عن الرَّبيع بنِ أنَسٍ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، قال: من الكلماتِ التي ابتُلِىَ بها إبراهيمُ قولُه: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. يأمُرُهم أن يَتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى، فهم يُصَلُّون خلفَ المَقامِ.
فتأويلُ قائلِ هذا القولِ: وإذ ابتلَى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ فأتمهُنَّ، قال: إني جاعِلُك للناسِ إمامًا. قال: اتَّخِذوا من مَقامِ إبراهيمَ مصلًّى.
والخبرُ الذي ذكَرْناه عن عمرَ بنِ الخطابِ عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قبلُ، يَدُلُّ على خلافِ الذي قاله هؤلاء، وأنه أمرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه بذلك رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، والمؤمنين به، وجميعَ الخلقِ المكلَّفِين.
وقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والشامِ: (واتَّخَذوا). بفتحِ الخاءِ، على وجهِ الخبرِ.
ثم اختُلِف في الذي عُطِف عليه بقولِه: (واتَّخَذوا). إذا قُرِئ كذلك على وجهِ الخبرِ، فقال بعضُ نحويِّي البَصْرةِ: تأويلُه إذا قُرِئ كذلك: وإذ جعَلْنا البيتَ مَثابةً للناسِ وأمْنًا، [وإذِ اتخَذُوا] ¬في م: "وإذ واتخذوا".¥ من مقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى.
وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: بل ذلك معطوفٌ على قولِه: {جَعَلْنَا}. فكأن معنى الكلامِ على قولِه: وإذ جعَلْنا البيتَ مثابةً للناسِ، واتَّخَذُوه مُصَلَّى.
والصوابُ من القولِ والقراءةِ في ذلك عندنا: {وَاتَّخِذُوا}. بكسرِ الخاءِ ¬القراءتان صواب لأنهما متواترتان.¥، على تأويلِ الأمرِ باتخاذِ مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى، للخبرِ الثابتِ عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الذي ذكَرْناه آنفًا، وأن عمرَو بنَ عليٍّ حدثنا، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، قال: حدثني أبي، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قرَأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ¬أخرجه أحمد 22/ 325 (14440)، وأبو داود (1907، 1909)، وابن خزيمة (2754) من طريق يحيى بن سعيد به مطولًا، وهو جزء من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في صحيح مسلم (1218)، وينظر مسند الطيالسي (1773).¥.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. وفي مقامِ إبراهيمَ؛ فقال بعضُهم: مقامُ إبراهيمَ هو الحجُّ كلُّه.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ}. قال: الحجُّ كلُّه مقامُ إبراهيمَ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 59، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 226 (1197) من طريق حجاج، عن ابن جريج به مطولًا.¥.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. قال: الحجُّ كلُّه.
وحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: الحجُّ كلُّه مَقامُ إبراهيمَ.
وقال آخرون: مَقامُ إبراهيمَ عَرَفةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصِمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. قال: لأنى قد جعَلْتُه إمامًا، فمَقامُه عَرَفةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ ¬تفسير مجاهد 1/ 214.¥.
وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ ¬بعده في م: "عن قتادة".¥، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. قال: مَقامُه جَمْعٌ ¬جمع: المزدلفة. اللسان (ج م ع).¥ وعَرَفةُ ومِنًى. لا أعلمُه إلا وقد ذكَر مكةَ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 58.¥.
وحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصِمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. قال: مَقامُه عَرفةُ.
وحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، قال: نزلَتْ عليه وهو واقفٌ بعرفةَ مَقامِ إبراهيمَ {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ¬سيأتي هذا الأثر في سورة المائدة من طريق عبد الأعلى، وابن علية، وليس فيه: عرفة مقام إبراهيم.¥ الآية [المائدة: 3].
وحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفُضَّلِ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبىِّ مثلَه.
وقال آخرون: مَقامُ إبراهيمَ الحرمُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدِّثْتُ عن حمادِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. قال: الحرمُ كلُّه مَقامُ إبراهيمَ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 226 عقب الأثر (1198) معلقا.¥.
وقال آخرون: بل مَقامُ إبراهيمَ هو الحَجَرُ الذي قام عليه إبراهيمُ حين ارتفَع بناؤُه، وضَعُف عن رَفْعِ الحِجارةِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا ابنُ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ سِنانٍ القَزّازُ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ عبدِ المجيدِ أبو عليٍّ الحنفيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ نافعٍ، قال: سمِعتُ كَثيرَ بنَ كَثيرٍ يُحدِّثُ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جعَل إبراهيمُ يَبْنيه، وإسماعيلُ يُناوِلُه الحجارةَ، ويقولان ¬في الأصل: "يقولون".¥: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}. فلمّا ارتفع البنيانُ وضعُف الشيخُ عن رَفْعِ الحجارةِ، قام على حجَرٍ، فهو مَقامُ إبراهيمَ ¬أخرجه البخاريّ (3365) من طريق إبراهيم بن نافع به مطولًا، وليس فيه: فهو مقام إبراهيم. وكذلك أخرجه البخاري (3364) من طريق معمر، عن أيوب وكثير بن كثير، عن سعيد به مطولًا، وهذه العبارة عند الأزرقى في أخبار مكة 1/ 273، 274 من طريق مسلم بن خالد عن ابن جريج عن كثير به.¥.
وقال آخرون: بل مَقامُ إبراهيمَ، هو مَقامُه الذي هو في المسجدِ الحرامِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بن زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}: إنما أمِروا أن يُصلُّوا عندَه ولم يُؤْمَروا بمَسْحِه، ولقد تَكَلَّفَت هذه الأمةُ شيئًا ما ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "مما".¥ تَكَلَّفَتْه الأممُ قبلَها، ولقد ذكَر لنا بعضُ مَن رأي أثَرَ عَقِبِه وأصابِعِه ¬بعده في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3: "فيها"، وفي تفسير ابن كثير 1/ 246 "فيه". والمثبت موافق لما في أخبار مكة والدر المنثور.¥، فما زالت هذه الأمةُ يمسَحُونه حتى اخْلَوْلَق ¬خلق الشيء خلقا واخلولق: املاسّ ولان واستوى. اللسان (خ ل ق).¥ وانْمَحَى ¬في الأصل: "امحى".
والأثر أخرجه الأزرقى في أخبار مكة 1/ 272 من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 119 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥
وحدِّثْت عن عمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}: [يَأْمُرُهم أن يتَّخِذوا مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى] ¬سقط من: م.¥، فهم يُصلُّون خلفَ المقامِ.
وحدَّثني موسى ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "يونس".¥، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}: وهو الصلاةُ عند مَقامِه في الحَجِّ. والمقامُ هو الحَجَرُ الذي كانت زوجةُ إسماعيلَ وَضَعَتْ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "وضعته".¥ تحت قَدَمِ إبراهيمَ حين غسَلتْ رأسَه، فوضَع إبراهيمُ رِجْلَه عليه وهو راكِبٌ، فغسَلتْ شِقَّه، ثم رفَعتْه ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "دفعته".¥ من تحتِه وقد غابت رِجْلُه في الحَجَرِ، فوضَعتْه تحت الشِّقِّ الآخَرِ فغسَلتْه، فغابت رِجْلُه أيضًا فيه، فجعَلها اللهُ من شعائِرِه، فقال: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ¬أخرج ابن أبي حاتم أوله في تفسيره 1/ 227 (1202) من طريق عمرو به.¥.
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندنا ما قاله القائلون: إنَّ مَقامَ إبراهيمَ هو المَقامُ المعروفُ بهذا الاسمِ، الذي هو في المسجدِ الحرامِ؛ لما روَيْنا آنفًا عن عمرَ بنِ الخطابِ، ولما حدَّثنا به يوسفُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا جعفرُ ابنُ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، قال: استلَم رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الرُّكْنَ، فرَمَل ثلاثًا، ومشَى أربعًا، ثم نفَذ ¬في الأصل: "نفد" بالدال المهملة.¥ إلى مَقامِ إبراهيمَ فقرَأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. فجعَل المَقامَ بينَه وبينَ البيتِ، فصلَّى ركعتين ¬أخرجه مسلم (1218)، وأبو داود (1905)، وابن ماجه (3074) من طريق حاتم بن إسماعيل به، وهو جزء من حديث جابر الطويل في صفة حجة النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وينظر ص 524.¥.
فهذان الخبرانِ يُنْبِئان أنَّ اللهَ تعالى ذِكْرُه إنما عَنَى بمَقامِ إبراهيمَ الذي أمَرنا ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الله".¥ باتخاذِه مصلًّى منه ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، هو الذي وصَفْنا، ولو لم يكنْ على صِحَّةِ ما اختَرْنا في تأويلِ ذلك خبرٌ عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لكان الواجبُ من القولِ فيه ما قلْنا؛ وذلك أنَّ الكلامَ مَحْمولٌ معناه على ظاهِرِه المعروفِ دونَ باطِنِه المجهولِ، حتى يأتىَ ما يدلُّ على خِلافِ ذلك مما يَجِبُ التسليمُ له. ولا شكَّ أنَّ المعروفَ في الناسِ بمَقامِ إبراهيمَ، هو [ما وصَفتُ دونَ جميعِ الحَرَمِ، ودونَ مَواقِفِ الحجِّ كلِّها.
وأمّا] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ المُصَلَّى الذي قال الله تعالى ذِكْرُه: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. فإنَ أهلَ التأويلِ مُختلِفون في معناه؛ فقال بعضُهم: هو المُدَّعَى.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. قال: مصلَّى إبراهيمَ مُدَّعًى ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (214 - تفسير) عن سفيان به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 227 (1201) من طريق زكريا بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح به.¥.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل اتخِذُوا مصلَّى تصلُّون عنده.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: أُمِروا أن يُصلُّوا عنده ¬تقدم تخريجه بتمامه في ص 527.¥.
وحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: هو الصلاةُ عندَه ¬تقدم تخريجه بتمامه في ص 528.¥.
فكأنَّ الذين قالوا: تأويلُ المُصَلَّى ههنا المُدَّعَى. وجَّهوا المُصَلَّى إلى أنه مُفَعَّل، مِن قولِ القائلِ: صلَّيتُ. بمعنى: دعوتُ. وقائلو هذه المقالةِ هم الذين قالوا: إن مَقامَ إبراهيمَ هو الحجُّ كلُّه.
فكأنَّ معناهم في تأويلِ هذه الآيةِ: واتَّخِذوا عرفةَ والمُزْدَلِفَةَ والمَشْعرَ والجَمَراتِ ¬في م: "الجمار".¥ وسائرَ أماكنِ الحجِّ التي كان إبراهيمُ يقومُ بها، مُدَّعًى ¬في م: "مداعى".¥ تَدْعونَنى ¬في الأصل: "يدعوننى".¥ عندَها، وتَأْتَمُّون ¬في الأصل: "يأتمون".¥ بإبراهيمَ خليلى صلواتُ اللهِ عليه فيها، فإني قد جعَلتُه لمَن بعدَه -مِن أوليائى وأهلِ طاعتي- إمامًا يَقْتَدون به وبآثارِه، فاقْتَدوا به.
وأما تأويلُ القائلين القولَ الآخرَ، فإنه: اتَّخِذوا أيها الناسُ مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصلًّى تُصَلُّون عندَه، عِبادةً مِنكم لى، وتَكْرِمةً منى لإبراهيمَ.
وهذا القولُ هو أوْلَى بالصوابِ عندَنا؛ لما ذَكَرنا مِن الخبَرِ عن عمرَ بنِ الخطّابِ وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {وَعَهِدْنَا}: وأَمَرْنا.
كما حدثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قُلتُ لعطاءٍ: ما عَهْدُه؟ قال: أَمْرُه ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 247، عن ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 121 إلى المصنف.¥.
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ}. قال: أَمَرْناه ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 248.¥.
فمعنى الآيةِ: وأَمَرْنا إبراهيمَ وإسماعيلَ بتطهيرِ بيتى للطائِفين. و"التَّطهيرُ" الذي أمَرَهما اللهُ به في البيتِ هو تطهيرُه مِن الأصنامِ، وعبادةِ الأوثانِ فيه، ومِن الشركِ باللهِ.
فإن قال قائلٌ: وما معنى قولِه: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ}؟ وهل كان أيامَ إبراهيمَ -قبلَ بنائِه البيتَ- بيتٌ يُطَهَّرُ مِن الشركِ وعبادةِ الأوثانِ في الحَرَمِ، فيجوزَ أن يكونا أُمِرا بتَطْهيرِه؟
قِيل: لذلك وجهانِ مِن التأويلِ، قد [قال بكلِّ] ¬في م، ت 1، ت 3: "كان لكل".¥ واحدٍ مِن الوَجْهين مِن أهلِ التأويلِ جماعةٌ؛ أحدُهما: أن يكونَ معناه: وعَهِدْنا إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ أن ابْنِيَا بَيْتىَ مُطَهَّرًا مِن الشركِ والرَّيْبِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} [التوبة: 109]. فكذلك قولُه: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ}. أي: ابْنِيا بَيْتىَ على طُهْرٍ مِن الشِّركِ بي والرَّيْبِ.
كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ}. يقولُ: ابْنِيا بيتى للطائفين ¬سقط من م، ت 1، ت 2، ت 3.
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 227 (1204) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
فهذا أحدُ وَجْهَيْهِ.
والوجهُ الآخرُ منهما: أن يكونا أُمِرا بأن يُطَهِّرا مكانَ البيتِ قبلَ بِنائِه ¬في م: "بنيانه".¥ والبيتَ بعدَ بِنائِه ¬بعده في م: "من".¥، مما كان أهلُ الشركِ باللهِ يَجْعَلونه فيه، على عهدِ نوحٍ ومَن قبلَه مِن الأوثانِ؛ ليكونَ ذلك سُنَّةً لمنَ بعدَهما، إذ كان اللهُ جلَّ ثناؤُه قد جعَل إبراهيمَ إمامًا يُقْتَدَى به ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 248.¥ بعدَه.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ}. قال: مِن الأصنامِ التي يَعْبُدون، التي كان المشركون يُعَظِّمونها ¬سقط من: م.¥.
[ذكرُ مَن قال: معنى قولِه: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ} أي: طهِّراه من الشِّرْكِ والرَّيْبِ] ¬في م: "أبي نجيح".¥
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ ¬¥، عن عطاءٍ، عن عُبيدِ بنِ عُمَيرٍ: {طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} قال: مِن الآفاتِ ¬في م: "الأوثان".¥ والرَّيْبِ ¬أخرجه الأزرقى في أخبار مكة 1/ 199 من طريق عثمان بن ساج، عن ابن جريج به.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ مثلَه ¬تفسير سفيان ص 210.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: مِن الشركِ ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "أبو". وينظر تهذيب الكمال 2/ 515.¥.
وحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا ¬ذكره القرطبى في تفسيره 2/ 114.¥ إسرائيلُ، عن أبى حَصينٍ، عن مجاهدٍ: {طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ}. قال: مِن الأوثانِ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 58، 2/ 36.¥.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله: {طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ}. قال: مِن الشركِ وعبادةِ الأوثانِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 121 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
حدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ بمثلِه، وزاد فيه: وقولِ الزُّورِ ¬¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {لِلطَّائِفِينَ}.
اختَلفَ أهلُ التأويلِ في معنى "الطائِفين" في هذا الموضِعِ؛ فقال بعضُهم: هم الغرباءُ الذين يَنْتابون ¬في م: "يأتون". وينتابون: يأتون مرة بعد مرة. اللسان (ن و ب).¥ البيتَ الحرامَ مِن غربةٍ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كُريبٍ، قال ثنا أبو بكرِ بنُ عَياشٍ، قال: ثنا أبو حَصِينٍ، عن سعيدِ ابنِ جُبَيْرٍ في قولِه: {لِلطَّائِفِينَ} قال: مَن أتاه مِن غربةٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 228 (1211) من طريق أبي بكر بن عياش به.¥.
وقال آخرون: بل الطائفون هم الذين يَطُوفون به، [غريبًا كان] ¬في م، ت 1: "غرباء كانوا".¥ أو مِن أهلِه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، عن عطاءٍ: {لِلطَّائِفِينَ}. قال: إذا كان طائفًا بالبيتِ، فهو مِن الطائفين ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 228 (1209) من طريق أبي بكر الهذلي به نحوه.¥.
وأوْلَى التأويلين بالآيةِ ما قاله عطاءٌ، لأن الطائفَ هو الذي يَطُوفُ بالشيءِ دونَ غيرِه، والطَّارِئُ مِن غربةٍ لا يَسْتحِقُّ اسمَ طائفٍ بالبيتِ إن لم يَطُفْ به.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَالْعَاكِفِينَ}.
يعنى تعالى ذِكْرُه بقولِه: {وَالْعَاكِفِينَ}: والمُقِيمين به. والعاكِفُ على الشيءِ: المُقِيمُ عليه، كما قال نابغةُ بنى ذُبْيانَ ¬ديوانه ص 189، وفيه: "قعودا" مكان "عكوفا".¥:
عُكُوفًا لَدَى أبْياتِهِمْ يَثْمِدُونَهُم ¬يثمدونهم: يطلبون معروفهم في إلحاح. اللسان (ث م د) ¥ ... رَمَى اللهُ في تِلكَ الأكُفِّ الكوَانِعِ ¬الكوانع: الذليلة. اللسان (ك ن ع).¥
وإنما قيل للمُعْتكِفِ: مُعْتكِفٌ. مِن أجلِ مُقامِه في الموضِعِ الذي حَبَس نفسَه فيه للهِ تعالى.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في مَن عَنَى اللهُ بقولِه: {وَالْعَاكِفِينَ}؛ فقال بعضُهم: عَنَى به الجالسَ في البيتِ الحرامِ بغيرِ طوافٍ ولا صلاةٍ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي بكرٍ الهُذلِيِّ، عن عطاءٍ، قال: إذا كان طائفًا بالبيتِ، فهو مِن الطائفين، وإذا كان جالسًا، فهو مِن العاكفين ¬الشطر الأول تقدم في ص 534، والشطر الثاني ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 228 عقب الأثر (1212) معلقا.¥.
وقال بعضُهم: العاكفون: هم المُعْتَكِفون المُجاوِرون.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن جابرٍ، عن مُجاهدٍ وعكرمةَ: {طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ}. قال: العاكِفون ¬سقط من: م.¥ المُجاوِرون.
وقال بعضُهم: العاكفون هم أهلُ البلد الحرامِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، قال: ثنا أبو حَصينٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ في قولِه: {وَالْعَاكِفِينَ} قال: أهلُ البلدِ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 228 عقب الأثر (1213) معلقا.¥.
وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: العاكفون أهلُه ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 228 عقب الأثر (1213) معلقا.¥.
وقال آخرون: العاكفون هم المُصلُّون.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: {طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ} قال: العاكِفون المصلون.
وأوْلَى هذه التأويلاتِ بالصوابِ ما قاله عطاءٌ، وهو أن العاكفَ في هذا الموضِعِ المقيمُ في البيتِ مجاورًا فيه بغيرِ طوافٍ ولا صلاةٍ؛ لأن صِفَةَ العُكوفِ ما وصَفنا مِن الإقامةِ بالمكانِ؛ والمقيمُ بالمكانِ قد يكونُ مقيمًا به وهو جالسٌ ومصلٍّ وطائفٌ ونائمٌ ¬في م: "قائم".¥، وعلى غيرِ ذلك مِن الأحوالِ، فلما كان جلَّ ثناؤُه قد ذكَر في قولِه: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} المُصلِّين والطائفين، عُلِمَ بذلك أن الحالَ التي عَنَى جلَّ ثناؤُه مِن العاكِفِ غيرُ حالِ المُصلِّى والطائفِ، وأن الذي ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "التي".¥ عَنَى مِن أحوالِه هو العُكوفُ بالبيتِ على سبيلِ الجِوارِ فيه، وإن لم يَكُنْ مُصلِّيًا فيه ولا راكعًا ولا ساجدًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {وَالرُّكَّعِ} جماعةَ القومِ الراكعين فيه له، واحدُهم "راكِعٌ". وكذلك {السُّجُودِ} هم جماعةُ القومِ الساجدين فيه له، واحدُهم "ساجِدٌ"، كما يُقالُ: رجلٌ قاعِدٌ، ورجالٌ قُعودٌ، ورجلٌ جالسٌ، ورجالٌ جُلوسٌ. وكذلك: رجلٌ ساجدٌ، ورجالٌ سجودٌ.
وقيل ¬بعده في م، ت 1، ت 2: "بل".¥: عُنِى بـ {الرُّكَّعِ السُّجُودِ}: المصلُّون.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن أبي بكرٍ الهُذليِّ، عن عطاءٍ: {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} قال: إذا كان يُصَلِّى فهو مِن الرُّكَّعِ السُّجودِ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 229 عقب الأثر (1216) معلقا.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}، أهلُ الصلاةِ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 613، 715.¥.
وقد أتينا فيما مضَى على بيانِ معنى "الركوعِ" و"السجودِ"، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه ¬في م: "انتقال". والائتفاك: الانقلاب، يقال منه: ائتفكت بهم الأرض، أي انقلبت. ينظر اللسان (أ ف ك).¥.