تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القول في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً}.
يعنى تعالى ذكرُه بالصِّبغةِ صبغةَ الإسلامِ، وذلك أن النصارَى إذا أرادت أن تُنَصِّرَ أطفالَهم جعَلتهم في ماءٍ لهم تزعُمُ أن ذلك لها تقديسٌ بمنزلةِ الخِتَانةِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "غسل الجنابة". وينظر معانى القرآن للفراء 1/ 82.¥ لأهلِ الإسلامِ، وأنه صِبغةٌ لهم في النصرانيةِ، فقال اللهُ تعالى ذكرُه، إذ قالوا لنبيِّه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابِه المؤمنين به: {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا}: قل لهم يا محمدُ: أيُّها اليهودُ والنصارَى، بل اتَّبِعُوا ملةَ إبراهيمَ صِبغةَ اللهِ التي هي أحسنُ الصِّبَغِ، فإنها هي الحَنِيفيّةُ المُسلِمةُ، ودَعُوا الشركَ باللهِ والضلالَ عن مَحَجّةِ هُداه.
ونَصَب "الصِّبغةَ" مَن قرَأها نَصْبًا على الردِّ على "الملةِ"، وكذلك رفَع "الصِّبغةَ" مَن رفَع "المِلةَ" على ردِّها عليها. وقد يجوزُ رفعُها على غيرِ هذا الوجهِ، وذلك على الابتداءِ، بمعنى: هي صِبغةُ اللهِ. وقد يجوزُ نصبُها على غيرِ وجهِ الردِّ على "الملةِ"، ولكن على قولِه: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ}. إلى قولِه: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} صبغةَ اللهِ، بمعنى: آمَنَّا هذا الإيمانَ. فيكونُ الإيمانُ حينئذٍ هو صِبغةَ اللهِ.
وبمثلِ الذي قلنا في تأويلِ "الصِّبغةِ" قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً}: إن اليهودَ تَصْبُغُ أبناءَها يهودَ، والنصارَى تَصْبُغُ أبناءَها نصارَى، وإن صبغةَ اللهِ الإسلامُ، فلا صِبْغةَ أحسنُ من الإسلامِ ولا أَطْهرُ، وهو دينُ اللهِ الذي بعَث به نوحًا والأنبياءَ بعدَه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 141 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال لي عطاءٌ: {صِبْغَةَ اللهِ}: صَبَغت اليهودُ أبناءَهم، خالَفُوا الفِطرةَ.
واختلَف أهل التأويلِ في تأويلِ قولِه: {صِبْغَةَ اللهِ}؛ فقال بعضُهم: دينَ اللهِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: {صِبْغَةَ اللهِ} قال: دينَ اللهِ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 60.¥.
وحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبى جعفر، عن الربيعِ، عن أبي العالية في قولِه: {صِبْغَةَ اللهِ} قال: دينَ اللهِ، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً}: ومَن أحسنُ من اللهِ دينًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 245 عقب الأثر (1313، 1315) من طريق أبي جعفر به.¥؟.
وحدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 245 عقب الأثر (1313، 1315) من طريق ابن أبى جعفر به.¥.
وحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه ¬أخرجه عبد بن حميد - كما في الفتح 8/ 161 من طريق منصور، عن مجاهد، وهو في تفسير سفيان ص 49 من قوله.¥.
وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيرىُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ قولَه: {صِبْغَةَ اللهِ} قال: دينَ اللهِ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 245 عقب الأثر (1313) معلقًا.¥.
وحدثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً} يقولُ: دينَ اللهِ، ومن أحسنُ من اللهِ دينًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 245 عقب الأثر (1313، 1315) من طريق عمرو به.¥؟.
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبى، قال: حدَّثني عمِّى، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: {صِبْغَةَ اللهِ} قال: دينَ اللهِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 141 إلى المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 245 (1313) من طريق الضحاك، عن ابن عباس.¥.
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: {صِبْغَةَ اللهِ} قال: دينَ اللهِ.
وحدَّثني ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بن أبى سلمةَ، قال: سألتُ ابنَ زيدٍ عن قولِ اللهِ: {صِبْغَةَ اللهِ} [قال: دينَ اللهِ] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فذكر مثله".¥.
وقال آخرون: {صِبْغَةَ اللهِ}: فطرةَ اللهِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {صِبْغَةَ اللهِ} قال: فطرةَ اللهِ التي فطَر الناسَ عليها ¬تفسير مجاهد ص 214، وعزاه الحافظ في الفتح 8/ 161، والسيوطي في الدر المنثور 1/ 141 إلى عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح به.¥.
وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن جعفرِ بنِ ربيعةَ، عن مجاهدٍ: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً}. قال: الصِّبغةُ الفطرةُ.
وحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: {صِبْغَةَ اللهِ}: الإسلامَ، فطرةَ اللهِ التي فطرَ الناسَ عليها. قال ابنُ جريجٍ: قال لي عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ: {صِبْغَةَ اللهِ} قال: دينَ اللهِ، ومَن أحسنُ من اللهِ دينًا؟ قال: هي فطرةُ اللهِ.
قال أبو جعفرٍ: ومن قال هذا القولَ فوجَّه الصِّبغةَ إلى الفطرةِ، فمعناه: بل نَتَّبعُ فطرةَ اللهِ وملَّتَه التي خلَق عليها خلقَه، وذلك الدينُ القيِّمُ، من قولِ اللهِ تعالى ذكرُه {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: 1] بمعنى: خالقِ السماواتِ والأرضِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)}.
وقولُه تعالى ذكرُه: {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} أمرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يقولَه لليهودِ والنصارَى الذين قالوا له ولمَن تَبعه من أصحابِه: {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} فقال لنبيِّه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قُلْ: بل نَتَّبِعُ ملةَ إبْرَاهيمَ حَنِيفًا صِبْغَةَ اللهِ، ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ -[ويعنى بالعابدين] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "يعنى ملة".¥: الخاضعِين للهِ المستكِينِين له- في اتّباعِنَا ملةَ إبْرَاهيمَ ودَيْنُونَتِنا له بذلك، غيرَ مستكبِرِين عليه ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ في اتِّباعِ أمرِه والإقرارِ برسالِة ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "رسالته".¥
رُسلِه، كما استكْبَرت اليهودُ والنصارَى، فكفَروا بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- استكبارًا وبَغْيًا وحسَدًا.