تفسير ابن كثير
{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)}.
ثم بيَّن تعالى من الصابرين الذين شكرهم فقال: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)} أي: تسلَّوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنهم مُلك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة، ولهذا أخبر تعالى عما أعطاهم على ذلك فقال: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} أي: ثناء من الله عليهم ورحمة.
قال سعيد بن جبير: أي: أمنة من العذاب ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.¥.
{وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: نِعم العدلان ونعمت العلاوة. {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} فهذان العدلان، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} فهذه العلاوة، وهي: ما توضع بين العدلين، وهي: زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضًا.
وقد ورد في ثواب الاسترجاع وهو قول: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} عند المصائب أحاديث كثيرة. فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، يعني: ابن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أُم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لقد سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولًا سررت به. قال: "لا يصيب أحدًا من المسلمين مصيبة، فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللَّهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها، إلا فعل ذلك به". قالت أُم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة، استرجعت وقلت: اللَّهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منه، ثم رجعت إلى نفسي، فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدتي استأذن عليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أدبغ إهابًا ¬الإهاب: هو الجلد قبل الدبغ (انظر: النهاية 1/ 83).¥ لي، فغسلت يدي من القرظ ¬القرظ: ما يصبغ به.¥، وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله ما بي أن لا يكون بك الرغبة ولكنني امرأة في غيّرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال، فقال: أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها الله عَزَّ وَجَلَّ عنك، وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي. قالت: فقد سلَّمت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت أُم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وفي صحيح مسلم عنها أنها قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللَّهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها". قالت: فلما توفي أبو سَلمة قلت: كما أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخلف الله لي خيرًا منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ¬أخرجه الإمام أحمد عن يونس به (المسند 4/ 27، 28) ورجاله ثقات إلا المطلب وهو ابن عبد الله بن المطلب المخزومي: صدوق كثير التدليس والإرسال (التقريب 2/ 254) وقد عنعن ولم يصرح بالسماع، وقد تابعه عمرو بن أبي سلمة عن أم سلمة في رواية ابن ماجه (السنن، الجنائز، باب ما جاء في الصبر على المصيبة ح 1598)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح 1299).¥.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد وعباد بن عباد قالا: حدثنا هشام بن أبي هشام، حدثنا عباد بن زياد، عن أُمه، عن فاطمة ابنة الحسين، عن أبيها الحسين بن علي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها - وقال عباد: قدم عهدها - فيحدث لذلك استرجاعًا إلا جدّد الله له عند ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب" ¬سقط من الأصل واستدرك من (عش) و (ح) ورواية الصحيح.¥. ورواه ابن ماجه في سننه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام بن زياد، عن أُمه، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها ¬أخرجه الإمام أحمد عن يزيد وعباد به (المسند ح 1734) وفيه هشام بن أبي هشام متروك (التقريب ص 572)، وأخرجه ابن ماجه من طريق هشام بن زياد وهو هشام بن أبي هشام نفسه عن أمه به (السنن، الجنائز، باب ما جاء في الصبر على المصيبة ح 1600) وإسناده ضعيف جدًّا.¥. وقد رواه إسماعيل بن علية ويزيد بن هارون، عن هشام بن زياد، عن أبيه، كذا عن فاطمة، عن أبيها وقال الإمام أحمد: أنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، أنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان قال: دفنت ابنًا لي، فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة - يعني: الخولاني -، فأخرجني وقال لي: ألا أبشرك؟ قلت: بلى. قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزَب ¬في الأصل: "الضحاك عن عبد الرحمن عن عزرب"، والتصويب من (عش) و (ح) والمسند كما في التخريج.¥، عن أبي موسى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قال الله: يا ملك الموت قبضت ولد عبدي قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده، قال: [نعم، قال:] ¬سقط من الأصل و (عش) و (ح) واستدرك من المسند كما في التخريج.¥ فما قال؟ قال: حمدك واسترجع، قال: ابنوا له بيتًا في الجنة وسموه: بيت الحمد" ¬أخرجه الإمام أحمد عن يحيى بن إسحاق به (المسند 32/ 500 ح 19725) وفي سنده أبو سنان وهو عيسى بن سنان القسملي، لين الحديث (التقريب ص 438).¥.
ثم رواه عن علي بن إسحاق، عن عبد الله بن المبارك ... فذكره ¬أخرجه الإمام أحمد عن علي بن إسحاق به (المسند ح 19726).¥.
وهكذا رواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك به. وقال: حسن غريب، واسم أبي سنان: عيسى بن سنان ¬أخرجه الترمذي عن سويد به (السنن، الجنائز، باب فضل المصيبة إذا احتسب ح 1021).¥.