تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (214)}.
أما قولُه: {أَمْ حَسِبْتُمْ}. فإنه ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "لمسبوق".¥ اسْتَفهم بـ "أَمْ" في ابتداءٍ لم يَتقدَّمْه حَرْفُ اسْتِفهامٍ، لسُبوقِ ¬¥ كلامٍ هو به مُتصِلٌ، ولو لم يَكُنْ قبلَه كلامٌ يكونُ به متصلًا وكان ابتداءً، لم يكن إلا بحرفٍ مِن حروفِ الاستفهامِ؛ لأن قائلًا لو كان قال مبتدِئًا كلامًا لآخرَ: أم عندَك أخوك. لكان قائلًا ما لا معنى له، ولكن لو قال: أنت رجلٌ مُدِلٌّ بقُوتِك أم عندَك أخوك ينصُرُك. كان مُصِيبًا.
وقد بيَّنا بعضَ هذا المعنى فيما مضَى مِن كتابِنا هذا بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه ¬ينظر ما تقدم في 2/ 412، 413، 585، ومعاني القرآن للفراء 1/ 132.¥.
فمعنى الكلامِ: أحسِبتم أنكم أيُّها المؤمنون باللهِ ورسولِه ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "رسله".¥ تَدْخلون الجنةَ ولم يُصِبْكم مِثْلُ ما أصاب مَن قبلَكم مِن أتباعِ الأنبياءِ والرسلِ مِن الشدائدِ والمحنِ والاخْتبارِ، فتُبْتَلُوا بما ابْتُلوا واخْتُبِروا به مِن البأساءِ، وهي شدَّةُ الحاجةِ والفاقةِ، والضراءِ، وهي العِلَلُ والأوصابُ، ولم تُزلزَلوا زلزالَهم. يعني: ولم يُصِبْهم مِن أعدائِهم مِن الخوفِ والرُّعْبِ شِدةٌ وجَهدٌ شديدٌ حتى يَسْتبطئَ القومُ نصرَ اللهِ إياهم، فيقولوا: متى اللهُ ناصرُنا. ثم أخبَرهم اللهُ أن نصرَه منهم قريبٌ، وأنه مُعْلِيهم على عدوِّهم، ومُظْهِرُهم عليه، فنجَز ¬في الأصل: "فينجز".¥ لهم ما وعدَهم، وأعْلَى كلمتَهم، وأطفأ نارَ حربِ الذين كفروا.
وهذه الآيةُ -فيما يَزْعُمُ أهلُ التأويلِ- نزَلت يومَ الخندقِ، حين لَقِى المؤمنون ما لَقُوا مِن شِدَّةِ الجَهْدِ، مِن خوفِ الأحزابِ، وشدةِ أذى البردِ، وضيقِ العَيْشِ الذي كانوا فيه يومئذٍ، يقول اللهُ جل وعز للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 9 - 11].
ذِكْرُ مَن قال: نزَلت هذه الآيةُ يومَ الخندقِ ¬في م: "الأحزاب".¥
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا}. قال: أصابهم ¬في م: "نزل"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "نزلت".¥ هذا يومَ الأحزابِ، حتى ¬في م: "حين".¥ قال قائلُهم: {مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 380 (2004) من طريق عمرو به.¥ [الأحزاب: 12].
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ}. قال: نزَلت في يومِ الأحزابِ، أصابَ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابَه بلاءٌ وحصْرٌ، فكانوا كما قال اللهُ جل وعز: {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 83، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 243 إلى ابن المنذر.¥ [الأحزاب: 10].
وأما قولُه: {وَلَمَّا يَأْتِكُمْ}. فإن عامةَ أهلِ العربيةِ يَتأوَّلونه بمعنى: ولم يَأْتِكمْ. ويَزْعُمون أن "ما" صِلَةٌ وحَشْوٌ.
وقد بَيَّنْتُ القولَ في "ما" التي تُسَمِّيها أهلُ العربيةِ صِلةً، ما حُكْمُها، في غيرِ هذا الموضعِ بما أغْنَى عن إعادتِه ¬ينظر ما تقدم في 1/ 429، 430، 2/ 234، 235.¥.
وأما معنى قولِه: {مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ}. فإنه يعنى: شَبَهُ الذين خَلَوا فمضَوا قبلَكم.
وقد دَلَّلتُ في غيرِ هذا الموضعِ على أن المَثَلَ الشَّبَهُ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 428 وما بعدها.¥
وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ}. [إلى قولِه: {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ}. قال: يقولُ: أم حسِبتم أن تدخُلوا الجنةَ ولما تُبتَلُوا، يقولُ: {وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ}. يقولُ: سُننُ الذين من قبلِكم، {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا}] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 379 (1998) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن عبدِ الملكِ بنِ جُرَيجٍ، قال قولَه: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ}. قال: هو خيرُهم وأعلمُهم باللهِ.
وفي قولِه: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} وجهان مِن القراءةِ؛ الرفعُ، والنصبُ ¬بالرفع قرأ نافع وحده، وقرأ الباقون بالنصب. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 181.¥. فمَن رفَع يقولُ، فإنه لمّا كان يَحْسُنُ في موضعِه "فعَل" ¬أي: صيغة الماضي.¥ بطَل ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "أبطل".¥ عملُ "حتى" فيها، لأن "حتى" غيرُ عاملةٍ في "فعل"، وإنما تَعْملُ في "يفعل"، وإذا تَقدَّمها "فعل"، وكان الذي بعدَها "يفعل"، وهو مما قد فُعِلَ وفُرِغَ منه، وكان ما قبلَها مِن الفعلِ غيرَ مُتطاولٍ، فالفصيحُ مِن كلامِ العربِ حينئذٍ الرفعُ في "يفعل"، وإبطالُ عملِ "حتى" عنه، وذلك كقولِ القائلِ: قُمْتُ إلى فلانٍ حتى أضربُه. فالرفعُ هو الكلامُ الصحيحُ في "أضربُه"، إذا أراد: قُمْتُ إليه حتى ضَربتُه. إذا كان الضربُ قد كان وفُرِغَ منه، وكان القيامُ غيرَ مُتَطاولِ المُدةِ. فأما إذا كان ما قبلَ "حتى" مِن الفعلِ على لفظِ "فعَل" متَطاولَ المُدةِ، وما بعدَها مِن الفعلِ على لفظٍ غيرِ مُنْقَضٍ، فالصحيحُ مِن الكلامِ نَصْبُ "يفعل" وإعمالُ "حتى"، وذلك نحوُ قولِ القائلِ: ما زال فلانٌ يَطْلُبُك حتى يُكَلِّمَك، وجعَل يَنظُرُ إليك حتى يُثْبتَك. فالصحيحُ ¬في الأصل: "فالفصيح".¥ م
ِن الكلامِ الذي لا يَصِحُّ غيرُه النَّصْبُ بـ "حتى"، كما قال الشاعرُ ¬هو امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص 93.¥:
مَطَوْتُ بِهِمْ حتى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ ... وحتى الجيادُ ما يُقَدْنَ بأرْسانِ
فنَصَب "تَكِلَّ" والفعلُ الذي بعد "حتى" ماضٍ، لأن الذي قبلَها مِن المَطْوِ مُتَطاوِلٌ.
والصحيحُ مِن القراءةِ ¬والقراءتان كلتاهما صواب مقروء بهما.¥ -إذ كان ذلك كذلك-: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ}. بنَصْبِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "نصب".¥ {يَقُولَ}، إذ كانت الزَّلزلةُ فِعلًا مُتطاوِلًا، مِثْلَ المَطْوِ بالإبلِ، وإنما الزَّلزلةُ في هذا الوضعِ الخوفُ مِن العدوِّ، لا زلزلةُ الأرضِ، فلذلك كانت مُتطاولةً، وكان إلنصبُ في {يَقُولَ}، وإن كان بمعنى "فعل"، أفْصَحَ وأصحَّ مِن الرفعِ فيه.