تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ}.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ}: فُرِض عليكم القِتالُ. يعنى قتالَ المشركين، {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ}.
واخْتَلَف أهلُ العلمِ في الذين عُنُوا بفرضِ القتالِ، فقال بعضُهم: عُنى بذلك أصحابُ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خاصةً دونَ غيرِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: سألْتُ عطاءً قلتُ له: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} أواجبٌ الغَزْوُ على الناسِ مِن أجلِها؟ قال: لا، كُتِب على أولئك حينَئذٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 382 (2014) من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 244 إلى ابن المنذر.¥.
[حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدثنا خالدٌ، عن حسينِ بنِ قيسٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ}. قال: نسَخَتْها: {وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 244 إلى المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 382 (2013) من طريق حسين بن قيس، عن عكرمة قوله، وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.¥.
وهذا قولٌ لا معنى له؛ لأن نسخَ الأحكامِ مِن قِبَلِ اللهِ جل وعز لا مِن قِبَلِ العبادِ، وقولُه: {وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}. خبرٌ مِن اللهِ عن عبادِه المؤمنين، وأنهم قالوه، لا نسخٌ منه] ¬سقط من: الأصل، وموضعه في ت 1، ت 2، ت 3 بعد قوله: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِير} في ص 633. ولعل موضعه في الأصل كما في هذه النسخ، ولكن هذا الجزء من الأصل ليس بين أيدينا.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا معاويةُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو إسحاقَ الفَزَاريُّ، قال: سأَلْتُ الأوْزاعيَّ عن قولِه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ}. أواجبٌ الغَزْو على الناسِ كلِّهم؟ قال: لا أَعْلَمُه، ولكن لا يَنْبَغى للأئمةِ والعامَّةِ تَرْكُه، فأما الرجلُ في خاصةِ نفسِه فلا.
وقال آخَرون: هو على كلِّ أحدٍ حتى يَقومَ به مَن في قيامِه به الكِفايةُ، فيَسْقُطُ فرضُ ذلك حينئذٍ عن باقي المسلمين، كالصلاةِ على الجنائزِ، ودفنِ الموتى، وغسلِهم.
وهذا قولُ عامةِ علماءِ المسلمين. وذلك هو الصوابُ عندَنا؛ لإجماعِ الحُجَّةِ على ذلك، ولقولِه جلّ ثناؤُه: {فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى} [النساء: 95]. فأخْبَر جلَّ ثناؤُه أن الفضلَ للمُجاهِدِين، وأن لهم وللقاعِدِين الحُسْنَى، ولو كان القاعدون مُضَيِّعين فرضًا، لَكان لهم السُّوأي لا ¬إلى هنا ينتهى الجزء الخامس من مخطوط جامعة القرويين والتي أشير إليها بالأصل، وسيجد القارئ أرقام المخطوط ت 1 بين معقوفين.¥ الحُسْنَى.
وقال آخَرون: هو فرضٌ واجبٌ على المسلمين إلى قيامِ الساعةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا حُبَيْشُ ¬في النسخ: "حسين". والمثبت من تاريخ بغداد 8/ 272. وينظر تهذيب الكمال 5/ 415.¥ بنُ مُبشِّرٍ ¬في م: "ميسر".¥، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن داودَ بنِ أبي عاصمٍ، قال: قلتُ لسعيدِ بنِ المسيبِ: قد أعْلَمُ أن الغَزْوَ واجبٌ على الناسِ. فسكَت، وقد أعْلَمُ أن لو أنكَر ما قلتُ لبيَّن لى.
وقد بيَّنَّا فيما مضَى معنى قولِه: {كُتِبَ} بما فيه الكِفايةُ ¬ينظر ما تقدم في ص 102، 103.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ}.
يَعْني بذلك جلَّ ثناؤُه: وهو ذو كُرْهٍ لكم. فترَك ذكرَ "ذو" اكْتِفاءً بدلالةِ قولِه: {كُرْهٌ لَكُمْ} عليه، كما قال: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82].
وبنحوِ الذي قلْنا في ذللث رُوِى عن عطاء في تأويلِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ}. قال: كُرِّهَ إليكم حينَئذٍ.
والكُرْهُ بالضمِّ هو ما حمَل الرجلُ نفسَه عليه مِن غيرِ إكْراهِ أحدٍ إياه عليه، والكَرْهُ بفتحِ الكافِ هو ما حمَله عليه غيرُه فأدْخَله عليه كَرْهًا.
وممَّن حُكِى عنه هذا القولُ مُعاذُ بنُ مُسْلِمٍ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حمادٍ، عن مُعاذِ بنِ مسلمٍ، قال: الكُرْهُ المَشَقَّةُ، والكَرْهُ الإجْبارُ.
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: الكُرْهُ والكَرْهُ لغتان بمعنًى واحدٍ، مثلَ الغُسْلِ والغَسْلِ، والضُّعْفِ، والضَّعْفِ، والرُّهْبِ والرَّهْبِ.
وقال بعضُهم: الكُرْهُ بضمِّ الكافِ اسمٌ، والكَرْهُ بفتحِها مصدرٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ}.
يَعْني بذلك جلَّ ثناؤُه: ولا تَكْرَهوا القِتالَ، فإنكم لعلكم أن تَكْرَهوه وهو خيرٌ لكم، ولا تُحِبُّوا تَرْكَ الجهادِ، فلعلكم أن تُحِبُّوه وهو شرٌّ لكم.
كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ}: وذلك لأن المسلمين كانوا يَكْرَهون القِتالَ، فقال: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}. يقولُ: إن ¬سقط من: ت 1، ت 2، وبعده في م: "لكم".¥ في القتالِ الغَنيمةَ والظُّهورَ والشَّهادةَ، ولكم في القعودِ ألا تَظْهَروا على المشركين، ولا تَسْتَشْهِدوا، ولا تُصِيبوا شيئًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 383 (2019) من طريق عمرو به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ السُّلَمِيُّ، قال: ثنى يحيى بنُ محمدِ بنِ مجاهدٍ، قال: أخبرني عبيدُ اللهِ بنُ أبي هاشمٍ الجُعْفِيُّ، قال: أخْبَرني عامرُ بنُ وَاثِلةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: كنتُ رِدْفَ النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: "يا بنَ عباسٍ، ارْضَ عن اللهِ بما قدَّرَ، وإن كان خِلافَ هواك، فإنه مُثْبَتٌ في كتابِ اللهِ". قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، فأين وقد قرأت القرآنَ؟ قال: "في قولِه: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} " ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 244 إلى المصنف.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)}.
يَعْني بذلك جلَّ ثناؤُه: واللهُ يعلمُ ما هو خيرٌ لكم مما هو شرٌّ لكم، فلا تَكْرهوا ما كتبتُ عليكم مِن جهادِ عدوِّكم، وقتالِ مَن أمرْتُكم بقتالِه، فإني أعلمُ أنّ قتالَكم إياهم هو خيرٌ لكم في عاجلِكم ومعادِكم، وتركَكم قتالَهم شرٌّ لكم، وأنتم لا تعلمون مِن ذلك ما أعلمُ. يَحُضُّهم جلَّ ذكرُه بذلك على جهادِ أعدائِه، ويُرغِّبُهم في قتالِ مَن كفَر به.