এই আয়াতের তাফসীর

সূরা ২ : আয়াত ২৪৯

সূরা ২ : আয়াত ২৪৯

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّىٓ إِلَّا مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةًۢ بِيَدِهِۦ ۚ فَشَرِبُوا۟ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ قَالُوا۟ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةًۢ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ

তারপর তালূত যখন সেনাবাহিনীসহ বের হল তখন সে বলল, ‘আল্লাহ এক নদীর দ্বারা তোমাদের পরীক্ষা করবেন।(৭১) যে তা থেকে পানি পান করবে , সে আমাদের দলভুক্ত নয়; আর যে তার স্বাদ গ্রহণ করবে না সে আমার দলভুক্ত। তবে যে ব্যক্তি তার হাতে এক অঞ্জলি পরিমাণ পানি গ্রহণ করবে তার কথা ভিন্ন।’ অতঃপর অল্প সংখ্যক ছাড়া তারা তা থেকে পানি পান করল। সে এবং তার সঙ্গী ঈমানদারগণ যখন তা অতিক্রম করল, তখন তারা বলল: ‘জালূত ও তার সেনাবাহিনীর বিরুদ্ধে যুদ্ধ করার মতো শক্তি আজ আমাদের নেই। কিন্তু যাদের দৃঢ় বিশ্বাস ছিল যে, আল্লাহর সাথে তাদের সাক্ষাৎ হবে, তারা বলল: ‘ আল্লাহর হুকুমে কত ক্ষুদ্র দল কত বৃহৎ দলকে পরাজিত করেছে!’ আর আল্লাহ ধৈর্যশীলদের সাথেই রয়েছেন।

এই আয়াতে নির্বাচিত ভাষার তাফসীর নেই; উপলব্ধ পাঠ দেখানো হচ্ছে।

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ}.
وفى هذا الخبرِ من اللهِ تعالى ذكرُه متروكٌ قد استُغْنِي [بدَلالتِه على] ¬في م: "بدلالة".¥ ما ذُكِر عليه عن ذكرِه. ومعنى الكلامِ: إن في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين، فأتاهم التابوتُ فيه سَكِينةٌ من ربِّهم و بَقِيَّةُ مما ترَك آلُ موسى وآلُ هارونَ، تَحمِلُه الملائكةُ، فصدَّقوا عندَ ذلك نبيَّهم، وأَقَرُّوا بأن الله قد بعَث طالوتَ مَلِكًا عليهم، وأَذْعَنوا له بذلك. يَدُلُّ على ذلك قولُه: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ}. وما كان ليَفصِلَ بهم إلا بعدَ رضاهم به، وتَسْليمِهم الملُكَ له؛ لأنه لم يكنْ مِمَّن يقدِرُ ¬في م: "يقدرون".¥ على إكْراهِهم على ذلك، فيُظَنَّ به أنه حَمَلهم على ذلك كرْهًا.
وأما قولُه: {فَصَلَ}. فإنه يعنى به: شخَص بالجُنُدِ ورحَل بهم.
وأصلُ الفصْلِ القَطْعُ، يقالُ منه: فَصَل الرجل من موضعِ كذا وكذا – يعنى به: قَطَعَ ذلك فجَاوَزه شاخِصًا إلى غيره - يفصِلُ فصولًا، وفَصَل العَظْمَ والقولَ من غيرِه، فهو يفصِلُه فَصْلًا، إذا قَطَعه فأبانه. وفصَل الصبيَّ فِصالًا: إذا قطَعه عن اللبنِ. وقولٌ فَصْلٌ، يقطَعُ فيُفَرِّقُ بينَ الحقِّ والباطلِ لا يُرَدُّ.
وقيل: إن طالوتَ فَصَل بالجنودِ يومئذٍ من بيتِ المَقْدسِ، وهم ثمانون ألفَ مقاتلٍ، لم يتَخَلَّفُ من بني إسرائيل عن الفصولِ معه إلا ذو عِلَّةٍ لعلَّتِه، أو كبيرٌ لهَرَمِه، أو معذورٌ لا طاقةَ له بالنهوضِ معه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ العلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: خرَج بهم طالوتُ حيَن استَوسَقوا له، ولم يتَخَلَّفْ عنه إلا كبيرٌ ذو عِلَّةٍ، أو ضَريرٌ ¬الضرير: الذاهب البصر، وهو أيضا المريض المهزول، قد أضر به المرض. ينظر التاج (ض ر ر).¥ معذورٌ، أو رجلٌ في ضَيْعةٍ ¬في ت 2: "صنعة".¥ لا بدَّ له من تَخَلُّفٍ ¬في س: "أن يتخلف".¥ فيها.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ. عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا جاءهم التابوتُ آمَنوا بنُبوَّة شمعونَ ¬في ت 1: "شمويل".¥، وسَلَّموا مُلْكَ طالوتَ، فخَرَجوا معه وهم ثمانون ألفًا ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 467 - 469، وأخرجه ابن أبي حاتم 2/ 467، 472 (2469، 2495) من طريق عمرو به. وقال ابن كثير: وقول السديِّ: إن عدة الجيش كانوا ثمانين ألفا. فيه نظر؛ لأن أرض بيت المقدس لا تحتمل أن يجتمع فيها جيش مقاتلته يبلغون ثمانين ألفا. البداية والنهاية 2/ 295.¥.
قال أبو جعفرٍ: فلمَّا فَصَل بهم طالوتُ على ما وصَفنا قال: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ}. يقولُ: إن الله مُخْتَبِرُكم بنَهَرٍ، ليَعْلَمَ كيف طاعتُكم له.
وقد دلَّلنا على أن معنى الابتلاء الاختبارُ فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادته ¬ينظر ما تقدم في 1/ 677.¥.
وبما قلنا في ذلك كان قتادةُ يقولُ.
حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ}. قال: إن الله يَبْتلى خلْقَه بما يشاءُ؛ ليَعْلَمَ مَن يطيعُه مِمَّن يَعْصِيه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 473 (2498) من طريق يزيد به.¥.
وقيل: إن طالوتَ قال: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ}. لأنهم شكَوا إلى طالوتَ قلةَ المياهِ بينَهم وبيَن عدوِّهم، وسألوه أن يدعوَ اللَّهَ لهم أن يُجْرِيَ بينَهم وبينَ عدوِّهم نَهَرًا. فقال لهم طالوتُ حينَئذٍ ما أخبَر الله عنه أنه قاله مِن قولِه: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ}.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ العلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: لمَّا فَصَل طالوتُ بالجنودِ قالوا ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "قال".¥: إن المياهَ لا تحمِلُنا، فادْعُ الله لنا يُجْرِى لنا نَهَرًا. فقال لهم طالوتُ: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} الآية ¬ذكره ابن عطية في تفسيره 2/ 173.¥.
والنَّهَرُ الذي أخبرَهم طالوتُ أن الله مُبْتَلِيهم به، قيل: هو نهرٌ بينَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطيَن.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ}. قال الربيعُ: ذُكِر لنا، والله أعلمُ، أنه نهرٌ بينَ الأُردُنِّ وفِلَسْطينَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 473 عقب الأثر (2501) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ}. قال: ذُكِر لنا أنه نَهرٌ بينَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطينَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قولَه: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ}. قال: هو نَهَرٌ بينَ الأُردُنِّ وفِلَسطيَن ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 101. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 473 (2501) عن الحسن بن يحيى به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن ابن عباسٍ: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ}: غازيًا إلى جالوتَ، قال طالوتُ لبني إسرائيل: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ}. قال: نَهَرٌ بينَ فِلَسْطيَن والأُرْدُنِّ، نَهَرٌ عَذْبُ المَاءِ طَيِّبُه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 318 إلى المصنف. وينظر ابن أبي حاتم 2/ 473 (2500).¥.
وقال آخرون: بل هو نهرُ فِلَسْطينَ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ}: فالنهرُ الذي ابتُلِى به بنو إسرائيلَ نَهَرُ فِلَسْطِينَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 473 (2499) عن محمد بن سعد به.¥.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ}: هو نَهَرُ فِلَسْطِينَ ¬تقدم تخريجه بتمامه في صفحة 435، وأخرج هذا الجزء ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 473 (2502) وعقب (2499) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
وأما قولُه: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا} فإنه خيرٌ من الله تعالى ذكرُه عن طالوتَ أنه قال لجنودِه، إذ شَكَوا إليه العَطَشَ، فَأَخْبَرهم ¬في ص، م، ت 2، س: "فأخبر".¥ أَن اللَّهَ مُبْتَلِيهِم بِنَهَرٍ، ثم أعلَمَهم أن الابتلاءَ الذي أخبرَهم عن الله به مِن ذلك النَّهَرِ، هو أن مَن شَرِب مِن مائِه فليس هو منه، يَعْني بذلك أنه ليس من أهلِ ولايتِه وطاعتِه، ولا من المؤمنين بالله وبلقائِه. ويدُلُّ على أن ذلك كذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ}. فَأَخرَجَ مَن لم يجاوزِ النهرَ من الذين آمنوا، ثم أخْلَص ذكرَ المؤمنين بالله ولقائِه عندَ دُنُوِّهم ¬في س: "دفعهم".¥ من جالوتَ وجنودِه بقولِه: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} وأخبَرهم أنه مَن لم يَطْعَمُه؛ يعنى: مَن لم يَطْعَمِ الماءَ من ذلك النهرِ.
والهاءُ في قولِه: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ}. وفي قوله: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ}. عائدةٌ على النَّهَرِ، والمعنى لمائِه. وإنما تَرَك ذكرَ الماءِ اكِتفاءً بفَهْمِ السامِعِ بذكْرِ النَّهَرِ كذلك، أن المرادَ به الماءُ الذي فيه.
ومعنى قولِه: {لَمْ يَطْعَمْهُ}: لم يَذُقْه. يعنى: ومَن لم يَذُقْ ماءَ ذلك النَّهَرِ فهو مِنِّى. يقولُ: هو من أهلِ ولايتى وطاعتي، والمؤمنين بالله وبلقائِه. ثم استَثْنَى من قولِه: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ}. المُغْتَرِفِين بأيديهم غُرْفَةً، [فقال: و] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "فقالوا".¥ مَن لم يَطْعَمْ ¬بعده في ص: "ومن لم يطعم" وفي ت 1، ت 3، س: "ومن يطعم"، وفي ت 2: "وإن لم يطعم".¥ ماءَ ذلك النهرِ إِلا غُرْفَةً يَغْتَرفُها بيدِه، فإِنه مِنِّي.
ثم اختلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: {إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}. فقرَأه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: (غَرْفَةً) بِنَصْبِ الغَيْنِ من الغَرْفِةِ، بمعنى الغَرْفَةِ الواحدةِ، من قولِك: اغتَرفتُ غَرْفَةً. والغَرْفَةُ هي الفعلُ بعينِه من الاغْتِرافِ.
وقرَأه آخرون بالضَّمِّ، بمعنى الماءِ الذي يَصِيرُ في كَفِّ المُغْتَرِفِ، فالغُرْفةُ الاسمُ، والغَرْفةُ المصدرُ ¬والقراءة الأولى - بنصب الغين - قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو، وقراءة الباقين بضم الغين. حجة القراءات ص 140.¥.
وأعجبُ القراءتين في ذلك إليَّ ضَمُّ الغَيْنِ في "الغُرْفَةِ" بمعنى: إلا مَنِ اعْتَرَف كَفًّا من ماءٍ. لاختلافِ"غرْفة" إذا فُتِحَت غَيْنُها، وما هي له مصدرٌ. وذلك أن مصدرَ "اعْتَرَف" "اغتِرافةٌ"، وإنما "غَرْفَةٌ" مصدرُ "غَرَفْت"، فلما كانت "غَرْفةٌ" مُخالِفةً مصدرَ "اغتَرَف"، كانت الغُرْفةُ التي بمعنى الاسمِ على ما قد وصَفْنا أشبهَ منها بالغَرْفةِ التي هي بمعنى الفعلِ.
وذُكرِ لنا أن عامَّتَهم شَرِبوا مِن ذلك الماءِ، فكان مَن شَرِب منه عَطِش، ومَن اعْتَرَف غُرْفَةً رَوِى.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ}: فشَرِب القومُ على قَدْرِ يَقينِهم ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "بقيتهم"، وفي س: "نيتهم".¥، فأمَّا الكفارُ فجعَلوا يشرَبون فلا يَرْوَوْن، وأما المؤمنون فجعَل الرجلُ يغتَرِفُ غُرْفَةٌ بيدِه، فتَجْزِيه وتُرْوِيه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 474 (2503) من طريق يزيد به إلى قوله: يقينهم. ثم أخرجه (2508) من طريق شيبان النحوى، عن قتادة، وفيه: تعبهم. بدلا من: يقينهم.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}. قال: كان الكفارُ يشرَبون فلا يَرْوَوْن، وكان المسلمون يغتَرِفون غُرْفةٌ فيَجْزيِهم ذلك ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 101، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 474 (2506) عن الحسن به.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ}: يعنى المؤمنين منهم، وكان القومُ كثيرًا، {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ}، يعنى المؤمنين منهم، كان أحدُهم يغتَرِفُ الغُرْفَةَ فيَجْزِيه ذلك ويُرْوِيه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 474 (2508، 2509) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمروٌ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا أصبَح التابوتُ وما فيه في دارِ طالوتَ، آمَنوا بِنُبُوَّةِ شَمْعونَ، وسَلَّموا مُلْكَ طالوتَ، فخرَجوا معه وهم ثمانون ألفًا، وكان جالوتُ من أعظمِ الناسِ وأشدِّهم بأسًا، فَخَرَج يسيرُ بينَ يَدَى الجندِ، ولا تجتمِعُ إليه أصحابُه حتى يَهْزِمَ هُو مَن لَقِى، فلما خرَجوا قال لهم طالوتُ: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} فشَرِبوا منه هَيبةً من جالوتَ، فعَبَر منهم أربعةُ آلافٍ، ورجَع ستةٌ وسبعون ألفًا، فمَن شرِب منه عَطِش، ومَن لم يشرَبُ منه إلا غُرْفَةً رَوِى ¬تقدم تخريجه بتمامه في صفحة 435، وأخرجه مفرقا ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 467، 472، 473، 475، 476، (2469، 2495، 2502، 2511، 2516) من طريق عمرو بن حماد به. وينظر ما تقدم في ص 482.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: أَلقَى الله على لسانِ طالوتَ حينَ فَصَل بالجنودِ، فقال: لا يَصْحَبْنى أحدٌ إلا أحدٌ له نِيَّةٌ في الجهادِ. فلم يَتَخلَّفْ عنه مُؤْمنٌ، ولم يَتْبَعْه ¬في س: "يعقبه".¥ منافِقٌ؛ [رجَعوا كفَّارًا] ¬سقط من: م.¥، فلما رأي قِلَّتَهم قالوا: لن نَمَسَّ ¬بعده في م: "من".¥ هذا الماءَ غُرْفةً ولا غيرَها. وذلك أنه قال لهم: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} الآية. فقالوا: لن نَمَسَّ ¬سقط من: م، ت 2، س.¥ هذا، لا ¬في ص، س: "منها".¥ غُرْفةً ولا غيرَ غُرْفَةٍ. قال: وأَخَذَ البَقِيةُ الغُرْفَةَ، فشَرِبوا منه ¬¥ حتى كَفَتْهم وفَضَل منهم. قال: والذين لم يأخُذوا الغُرْفَةَ أَقوَى من الذين أخَذوها.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}: فشَرِب كلُّ إنسانٍ كَقَدْرِ ¬في ت 1: "بقدر".¥ الذي في قلبهِ، فمَن اعْتَرَف غُرْفةً وأطاعَه رَوى بطاعتِه، ومَن شَرِب فأكثَر عَصَى، فلم يَرْوَ لمعصيتِه ¬تقدم تخريجه في صفحة 440.¥.
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، في حديثٍ ذكَره عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ في قولِه: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}. يقولُ الله تعالى ذكرُه: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} وكان - فيما يزعُمون - من تَتَابَعَ منهم في الشُّرْبِ الذي نُهِي عنه لم يُرْوِه، ومَن لم يَطْعَمُه إلا كما أُمِر غُرْفَةً بيدِه، أجْزأه وكَفاه.

القولُ في تأويلِ قولِه: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ}.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ}: فلما جاوَز النَّهَرَ طالوتُ. والهاءُ في: {جَاوَزَهُ} عائدةٌ على النَّهَرِ. و {هُوَ} كنايةُ اسمِ طالوتَ. وقولُه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ}. يعني: وجاوَز النَّهَرَ معه الذين آمنوا، {قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ}.
ثم اخْتُلِف في عِدَّةِ مَن جاوَز النَّهَرَ معه يومَئِذٍ، ومَن قال منهم: لا طاقةَ لنا اليومَ بجالوتَ وجنودِه؛ فقال بعضُهم: كانت عِدَّتُهم عِدَّةَ أَهلِ بدرٍ؛ ثلاثَمائةِ رجلٍ وبِضْعةَ عشَرَ رجلًا.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدَانِيُّ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ المِقْدام، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد الزُّبيرِيُّ، قالا جميعًا: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو إسحاق، عن البراءِ، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن عِدَّةَ أصحاب بدرٍ على عِدَّةِ أصحابِ طالوتَ الذين جاوَزوا النَّهَر معه، ولم يجز ¬في س: "يخرج".¥ معه إلا مؤمنٌ، ثلاثُمائةٍ وبِضعةَ عشَرَ رجلًا ¬أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 432، وأخرجه ابن سعد 2/ 19، والبخاريّ (3958)، والبغوى في تفسيره 1/ 302 من طريق إسرائيل به.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أصحابَ بدر يومَ بدرٍ كعِدَّةِ أصحاب طالوت؛ ثلاثُمائةِ رجلٍ وثلاثةَ عشَرَ رجلًا الذين جاوَزوا النَّهَرَ ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "فسكت". والأثر أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 431، وأخرجه الترمذي (1598) من طريق أبي بكر بن عياش به.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أصحابَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كانوا يومَ بدرٍ ثلاثمائة وبضعَةَ عَشَرَ رجلًا على عدةِ أصحابِ طالوتَ مَن جاز معه، وما جاز معه إلا مؤمنٌ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 432، وأخرجه ابن ماجه (2828) عن محمد بن بشار به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراء بنحوه ¬أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 432، وأخرجه ابن سعد 2/ 19، وابن أبي شيبة 14/ 383، وأحمد 3/ 524 (18555) عن وكيع به.¥.
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أصحابَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كانوا يومَ بدرٍ على عِدَّة أصحابِ طالوتَ يومَ جاوزوا النَّهَرَ، وما جاوَز معه إلا مسلمٌ ¬أخرجه البخاريّ (3959)، وابن حبان (4796)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 475 (2513)، والبيهقي في دلائل النبوة 3/ 36، 37 من طريق سفيان به.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ مثله ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 433، وأخرجه ابن سعد 2/ 19 عن أبي أحمد الزبيرى به، وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 432 من طريق مسعر به.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكر لنا أن نبيَّ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه يومَ بدرٍ: "أنتم بعِدَّةِ أصحاب طالُوتَ يومَ لَقِى". وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدرٍ ثلاثمائةٍ وبضعةَ عشَرَ رجلًا ¬أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 433.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: مَحَّصَ الله الذين آمنوا عندَ النَّهَرِ، وكانوا ثلاثمائةٍ وفوقَ العشَرَةِ ودونَ العشرين، فجاء داودُ عليه السلامُ فأكمَلَ به العِدَّةَ.
وقال آخرون: بل جاوَز معه النَّهَرَ أربعةُ آلافٍ، وإنما خلَص أهلُ الإيمانِ منهم من أهل الكفر والنِّفاق حينَ لقُوا جالوتَ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، السُّدِّيِّ، قال: عبر مع طالوت النهَرَ من بني إسرائيل أربعةُ آلافٍ، {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ}، فنَظَروا إلى جالوت رجعوا أيضًا وقالوا: {قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ}. فرجع عنه أيضًا ثلاثةُ آلاف وستُّمائة وبضعةٌ ¬في بعض نسخ التاريخ: "تسعة".¥ وثمانون، وخلَص في ثلاثمائةٍ وبضْعَةَ عَشَرَ، عِدَّةِ أَهلِ بدرٍ ¬تقدم تخريجه بتمامه في ص 442، وأخرج هذا الجزء ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 475، 477 (2511، 2522) من طريق عمرو به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباس: لمَّا جاوزه هو والذين آمنوا معه، قال الذين شَرِبوا: {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ}.
وأولى القولين في ذلك بالصواب ما رُوِي عن ابن عباس وقاله السُّدِّيُّ، وهو أنه جاوَز النَّهَرَ مع طالوت المؤمنُ الذي لم يَشْرَبْ من النهر إلا الغُرْفةَ، والكافرُ الذي شَرِب منه الكثيرَ، ثم وقع التمييزُ بينَهم بعدَ ذلك برؤية جالوتَ ولقائه، وانخَزَل ¬في م: "انخذل". وانخزل: انفرد. ينظر النهاية 2/ 29.¥ عنه أهلُ الشِّرْكِ والنِّفاقِ، وهم الذين قالوا: {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ}. ومضى أهلُ البصيرةِ بأمرِ اللَّهِ على بصائِرِهم، وهم أهلُ الثَّباتِ على الإيمان، فقالوا: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.
فإِن ظَنَّ ذو غَفْلَةٍ أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ جاوَز النَّهَرَ مع طالوتَ إِلا أَهلُ الإيمانِ الذين ثبتوا معه على إيمانِهم، ومَن لم يشرَب من النهر إلا الغُرْفَةَ؛ لأن الله تعالى ذكرُه قال: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ}. فكان معلومًا أنه لم يجاوِزْ معه إلا أهلُ الإيمانِ، على ما رُوى به الخبرُ عن البَرَاءِ بن عازبٍ، ولأن أهلَ الكفرِ لو كانوا جاوزوا النهَرَ كما جاوَزه أهلُ الإيمانِ، لما خَصَّ الله بالذِّكْرِ في ذلك أهلَ الإيمانِ. فإن الأمر في ذلك بخلافِ ما ظنَّ، وذلك أنه غيرُ مُسْتَنكرٍ أن يكونَ الفريقان - أعنى فريق الإيمان وفريق الكُفْرِ - جاوزوا النَّهَرَ، وأخبر الله نبيَّه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - عن المؤمنين بالمُجاوزة؛ لأنهم كانوا من الذين جاوَزوه مع مَلِكِهم، وتَرَك ذكرَ أهلِ الكفرِ، وإن كانوا قد جاوَزوا النَّهَرَ مع المؤمنين.
والذي يَدُلُّ على صحةِ ما قلنا في ذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ}. فأوجب الله تعالى ذكرُه أن الذين يَظُنُّون أنهم ملاقو اللَّهِ هم الذين قالوا عند مجاوزة النهرِ: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ}. دون غيرهم الذين لا يَظُنُّون أنهم ملاقُو الله، وأن الذين لا يظُنُّون أنهم ملاقُو الله هم الذين قالوا: {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ}. وغيرُ جائزٍ أن يُضافَ الإيمانُ إلى مَن جَحَد أنه مُلاقى الله، أو شَكَّ فيه.

القولُ في تأويل قوله: {قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)}.
اختلف أهل التأويل في أمْرِ هذين الفريقين، أعنى القائلين: {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ}. والقائلين: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} من هما؟ فقال بعضُهم: الفريقُ الذين قالوا: {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ}. هم أهلُ كُفْرٍ باللهِ ونِفاقٍ، وليسوا ممن شهِد قتالَ جالوت وجنوده؛ لأنهم انصرَفوا عن طالوتَ ومَن ثبت معه لقتالِ عدوٍّ الله جالوت ومن معه، وهم الذين عَصَوا أمرَ اللَّهِ لشُرْبهم من النَّهَرِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ بذلك ¬تقدم تخريجه في ص 491.¥. وهو قولُ ابن عباسٍ، وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك عنه آنِفًا ¬تقدم ص 492.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: الذين يظُنُّون أنَّهم ملاقُو اللَّهِ، الذين اغتَرَفوا وأطاعوا، الذين مَضَوا مع طالوتَ المؤمنون، وجلَس الذين شَكُّوا.
وقال آخرون: كلا ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "كل".¥ الفريقَين كان أهلَ إيمانٍ، ولم يكنْ منهم أحدٌ شرِب مِن الماءِ إلا غُرْفةً، بل كانوا جميعًا أهلَ طاعةٍ، ولكنَّ بعضَهم كان أصحَّ يَقِينًا من بعضٍ، وهم الذين أخبَر اللهُ عنهم أنهم قالوا: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ}. والآخرون كانوا أضعفَ يَقِينًا منهم ¬زيادة من: س.¥، وهم الذين قالوا: {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ}.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}: ويكونُ، [واللهِ] ¬سقط من: م، س.¥، المؤمنون بعضُهم أفضلَ جِدًّا وعَزْمًا من بعضٍ، وهم مؤمنون كلُّهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 476 (2520) من طريق شيبان، عن قتادة نحوه.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ}: إِن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابِه يومَ بدرٍ: "أنتم بعِدَّةِ أصحابِ طالوتَ ثَلاثُمائةٍ". قال قتادةُ: وكان مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يومَ بدرٍ ثلاثُمائةٍ وبضعَةَ عشَرَ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 101. وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 433 سندًا ومتنًا مختصرًا.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الذين لم يأخُذوا الغُرْفةَ أقوى من الذين أخَذوا، وهم الذين قالوا: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.
ويجِبُ على القولِ الذي رُوِى عن البَراءِ بن عازبٍ أنه لم يُجاوزِ النَّهَرَ مع طالوتَ إلا عدةُ أصحابِ بدرٍ، أن يكونَ كلا الفريقَين اللذَين وصَفَهما اللهُ بما وصَفهما به، أمرُهما على نحوِ ما قال فيهما قتادةُ وابنُ زيدٍ.
وأولى القولَين في [ذلك بتأويلِ الآيةِ] ¬في م: "تأويل الآية"، وفي س: "ذلك بالتأويل".¥، ما قاله ابن عباسٍ والسُّدِّيُّ وابنُ جُرَيجٍ. وقد ذكَرنا الحُجَّةَ في ذلك فيما مَضَى قبلُ آنِفًا.
وأما تأويلُ قولِه: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ}. فإنه يعنى: قال الذين يعلَمون ويَسْتيقِنون أنهم ملاقو اللَّهِ.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ}: الذين يَسْتيقِنون ¬تقدم تخريجه بتمامه في ص 442، أخرج هذا الجزء ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 476 (2518) من طريق عمرو به.¥:
فتأويلُ الكلامِ: قال الذين يُوقِنون بالمَعادٍ، ويُصَدِّقون بالمَرْجِعِ إلى اللهِ، للذين قالوا: {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ}: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ}. يعنى بـ {كَمْ} كثيرًا، غلَبَت فئةٌ قليلةٌ فئةً كثيرةً {بِإِذْنِ اللَّهِ}. يعنى: بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه، {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}. يقولُ: مع الحابِسِين أنفسَهم على رضاه وطاعتِه.
وقد أتَينا على البَيانِ عن وجوهِ الظَّنِّ، وأن أحدَ معانيه العلمُ اليقينُ، بما يدُلُّ على صحةِ ذلك فيما مَضَى، فكَرِهنا إعادتَه ¬ينظر ما تقدم في 1/ 623 وما بعدها.¥.
وأما الفِئَةُ فإنهم الجماعةُ من الناسِ، لا واحدَ له من لفظِه، وهو مثلُ الرَّهْطِ والنَّفَرِ، يُجْمَعُ ¬في م: "جمعه".¥ "فِئات"، و"فِئونَ" في الرفعِ، و"فِئينَ" في النصبِ والخَفضِ، بفتحِ نونِها في كلِّ حالٍ، و"فِتينُ" بالرفعِ بإعرابِ نونِها بالرفعِ، وتَرْكِ الياءِ فيها، وفي النصبِ "فِئينًا"، وفي الخَفْضِ "فِئينٍ"، فيكونُ الإعرابُ في الخفضِ والنصبِ في نونِها، وفي كلِّ ذلك مُقَرَّةٌ فيها الياءُ على حالِها، فإن أُضِيفت قيل: هؤلاء [فِئينُك. بإقرارِ] ¬في س: "فيئك بإضمار".¥ النونِ وحَذْفِ التنوينِ، كما قال الذين لغتُهم: هذه سنينٌ، في جميعِ السنةِ: هذه سنينُك. بإثباتِ النونِ وإعرابِها، وحَذْفِ التنوينِ منها للإضافةِ، وكذلك العملُ في كلِّ منقوصٍ، مثلَ: مائةٌ وثُبَةٌ وقُلَةٌ ¬القلة: عود صغير غليظ الوسط دقيق الطرفين يرمى على الأرض ثم يهمز بالمقلى فيرتفع في الهواء قليلا، فيضرب بالمقلى ضربة قوية، فينطلق كالسهم ويجرى الصبيان وراءه.¥ وعِزَةٌ. فأما ما كان نقصُه من أولِه، فإن جَمْعَه بالتاءِ، مثلَ: عِدَةٌ وعداتٌ، وصِلةٌ وصِلاتٌ.
وأما قولُه: {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}. فإنه يعنى: واللَّهُ مُعِينُ الصَّابِرين على الجهادِ في سبيلِه، وغيرِ ذلك من طاعتِه، وظهورِهم ¬في ص: "ظهيرهم"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "طهرهم"، وفي س: "ظهرهم".¥ ونصْرِهم على أعدائِه الصَّادِّين عن سبيلِه، المخالِفين مِنْهاجَ دينِه. وكذلك يقالُ لكلِّ مُعينٍ رجلًا على غيره: هو معه. بمعنى: هو معه بالعَوْنِ له والنصرةِ.

অন্য ভাষার তাফসীর · ৬