এই আয়াতের তাফসীর

সূরা ২ : আয়াত ২৫৫

সূরা ২ : আয়াত ২৫৫

ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ

আল্লাহ, তিনি ছাড়া কোনো সত্য ইলাহ নেই। তিনি চিরঞ্জীব, সর্বসত্তার রক্ষণাবেক্ষণকারী, ধারক(৭৬)। তাঁকে তন্দ্রাও স্পর্শ করতে পারে না, নিদ্রাও না। আসমানসমূহে যা রয়েছে ও যমিনে যা রয়েছে সবই তাঁর । এমন কে আছে , যে তাঁর অনুমতি ব্যতীত তাঁর কাছে সুপারিশ করতে পারে ? তাদের সামনে ও পেছনে যা কিছু আছে, তিনি তা সবই জানেন। আর তিনি যা ইচ্ছে করেন তা ছাড়া তাঁর জ্ঞানের কোনো কিছুকেই আয়ত্ত্ব করতে পারে না। তাঁর ‘কুরসী’(৭৭) আসমানসমূহ ও যমিনকে পরিব্যাপ্ত করে আছে। আর এ দুটোর রক্ষণাবেক্ষণ তাঁকে ক্লান্ত-পরিশ্রান্ত করে না। আর তিনি সুউচ্চ সুমহান।

এই আয়াতে নির্বাচিত ভাষার তাফসীর নেই; উপলব্ধ পাঠ দেখানো হচ্ছে।

تفسير ابن كثير

{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)}.

هذه آية الكرسي، ولها شأن عظيم، وقد صحَّ الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بأنها أفضل آية في كتاب الله.

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن سعيد الجريري، عن أبي السليل، عن عبد الله بن رباح، عن أُبي هو: ابن كعب، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، سأله: "أي آية في كتاب الله أعظم"؟ قال الله ورسوله أعلم، فردَّدها مرارًا ¬في الأصل: "مرر".¥، ثم قال: آية الكرسي، قال: "ليهنكَ العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده، إن لها لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 5/ 141، 142) وسنده صحيح.¥، وقد رواه مسلم عن أبي بكر بن

أبي شيبة، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن الجريري به، وليس عنده زيادة: "والذي نفسي بيده ... " إلخ ¬صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي (ح 810).¥.

(حديث آخر) عن أبي أيضًا في فضل آية الكرسي، قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا مبشر عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدة بن أبي لبابة، عن عبد الله بن أُبي بن كعب، أن أباه أخبره أنه كان له جُرْن ¬الجُرْن: هو موضع التمر الذي يجفف فيه (مختار الصحاح ص 101).¥ فيه تمر، قال: فكان أبي يتعاهده، فوجده ينقص، قال: فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة شبيه الغلام المحتلم، فسلمت عليه، فردّ السلام، قال: فقلت: ما أنت؟ جنّي أم أنسي؟ قال: جنّي. قال: ناولني يدك، قال: فناولني يده، فإذا يد كلب وشعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجنّ. قال: لقد علمت الجنّ ما فيهم أشد مني. قلت: فما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغنى أنك رجل تحب الصدقة، فأحببنا أن نصيب من طعامك. قال: فقال له أبي: فما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية، آية الكرسي، ثم غدا إلى النبي فأخبره، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صدق الخبيث" ¬قال المنذري: سنده جيد (ينظر: الفتح القدسي في آية الكرسي للبقاعي ص 58)، الحاكم وأخرجه ووافقه الذهبي (المستدرك 1/ 562)، وأخرجه ابن حبان من طريق يحيى بن أبي كثير عن ابن لأبي بن كعب عن أبيه (موارد الظمآن ص 426 ح 1724).¥، وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي داود الطيالسي، عن حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي بن لاحق، عن محمد بن عمرو بن أُبي بن كعب، عن جده به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ¬المستدرك 1/ 562.¥.

(طريق آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عثمان بن غياث ¬في الأصل: "عتاب".¥، قال: سمعت أبا السليل، قال: كان رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يحدث الناس حتى يكثروا عليه، فيصعد على سطح بيت، فيحدث الناس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الله: "أي آية في القرآن أعظم؟ " فقال رجل: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} قال: فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، أو قال: فوضع يده بين ثديي فوجدت بردها بين كتفي، وقال: "ليهنكَ العلم يا أبا المنذر" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 5/ 58) وفيه أبو السليل وهو: ضُريب القيسي من السادسة (التقريب ص 280)، وهو لم يدرك أحدًا من الصحابة فالإسناد منقطع ويشهد له الحديث الأول.¥.

(حديث آخر) عن الأسقع البكري. قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو يزيد القرطيسي، حدثنا يعقوب بن أبي عباد المكي، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء، أن مولى ابن الأسقع رجل صدق، أخبره عن الأسقع البكري، أنه سمعه يقول:إن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صفة المهاجرين، فسأله إنسان: أي آية في القرن أعظم؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ... } حتى انقضت الآية ¬أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير 1/ 334)، وفي سنده مولى ابن الأسقع لم يصرح باسمه ويشهد له الحديث الأول.¥.

(حديث آخر) - عن أنس - قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن الحارث، حدثني سلمة بن وردان، أن أنس بن مالك، حدثه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل رجلًا من صحابته، فقال: "أي فلان هل تزوجت؟ " قال: لا، وليس عندي ما أتزوج به، قال: "أوليس معك {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} [الإخلاص: 1]؟ " قال: بلى، قال: "ربع القرآن". قال: "أليس معكَ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} [الكافرون: 1]؟ " قال: بلى. قال: "ربع القرآن". "أليس معكَ إذا زلزلت؟ " قال: بلى. قال: "ربع القرآن" قال: "أليس معك إذا جاء نصر الله؟ " قال: بلى. قال: "ربع القرآن". قال: "أليس معك آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم"؟ قال: لى. قال: "ربع القرآن" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 3/ 221) وفي سنده سلمة بن وردان وهو ضعيف.¥.

(حديث آخر) عن أبي ذرٍّ جندب بن جنادة. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع بن الجراح، حدثنا المسعودي، أنبأني أبو عمر الدمشقي، عن عبيد الخشخاش ¬في الأصل: "الحسحاس" وهو تصحيف.¥، عن أبي ذرٍّ - رضي الله عنه -، قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في المسجد فجلست، فقال: "يا أبا ذرٍّ، هل صليت؟ " قلت: لا. قال: "قم فصل". قال: فقمت فصليت، ثم جلست، فقال: "يا أبا ذرّ تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجنّ". قال: قلت: يا رسول الله، أوَ للإنس شياطين؟ قال: نعم، قال: قلت: يا رسول الله الصلاة؟ قال: "خير موضوع، من شاء أقل، ومن شاء أكثر" قال: قلت: يا رسول الله فالصوم؟ قال: "فرض مجزي وعند الله مزيد" قلت: يا رسول الله فالصدقة؟ قال: "أضعاف مضاعفة". قلت: يا رسول الله، فأيها أفضل؟ قال: "جهد من مقل، أو سر إلى فقير" قلت: يا رسول الله، أي الأنبياء كان أول؟ قال: "آدم" قلت: يا رسول الله، ونبي كان؟ قال: "نعم نبي مكلَّم" قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: "ثلاثمائة وبضعة عشر جمًّا غفيرًا"، وقال مرة: "وخمسة عشر" قلت: يا رسول الله، أيما ما أنزل عليك أعظم؟ قال: "آية الكرسي" {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المستد 5/ 178)، وأخرجه الحاكم من طريق يعلى بن عبيد عن المسعودي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 282).¥ ورواه النسائي.

(حديث آخر) عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري - رضي الله عنه - وأرضاه. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب، أنه كان في سهوة ¬السهوة: هي في البيت كالصفة أو كالخزانة (انظر: جامع الأصول 8/ 478).¥ له، وكانت الغول تجيء فتأخذ، فشكاها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "فإذا رأيتها فقل باسم الله، أجيبي رسول الله". قال: فجاءت، فقال لها، فأخذها، فقالت: إني لا أعود، فأرسلتها ¬في الأصل: "فأرسلها".¥، فجاء فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما فعل أسيرك"؟ قال: أخذتها، فقالت: إني لا أعود، فأرسلتها، فقال: إنها عائدة، فأخذتها مرتين أو ثلاثًا كل ذلك تقول: لا أعود، فيقول: "إنها عائدة"، فأخذتها ¬في الأصل: "فأخذها".¥، فقالت: أرسلني، وأعلمك شيئًا تقوله فلا يقربك شيء، آية الكرسي، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم -. فأخبره، فقال: "صدقت وهي كذوب" ¬أخرجه الإمام أحمد سنده ومتنه (المسند 5/ 423)، وأخرجه الترمذي من طريق أبي أحمد الزبيري به (السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي ح 288)، وما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة تعليقًا وليس عن أبي أيوب (صحيح البخاري، كتاب الوكالة، باب إذا وكل رجل شيئًا فأجازه الموكل ح 231)، كما سيأتي في الحديث الآتي.¥. ورواه الترمذي في فضائل القرآن عن بندار، عن أبي أحمد الزبيري به، وقال حسن غريب ¬السنن، فضائل القرآن (ح. 288).¥. [والغول في لغة العرب: الجانّ إذا تبدَى في الليل] ¬ما بين معقوفين زيادة (عف) و (حم) و (مح) و (ح).¥.

وقد ذكر البخاري هذه القصة عن أبي هريرة، فقال في كتاب فضائل القرآن، وفي كتاب الوكالة، وفي صفة إبليس من صحيحه، قال عثمان بن الهيثم - أبو عمرو -: حدثنا عوف عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: وكَّلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنكَ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إني محتاج وعليّ عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليتُ عنه فأصبحت، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا هريرة ما فعل أسيركَ البارحة؟ " قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالًا، فرحمته وخليت سبيله، قال: "أما إنه قد كذبك وسيعود" فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنه سيعود" فرصدته، فجاء يحثو الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنكَ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: دعني فأنا محتاج وعليّ عيال، لا أعود. فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول الله، شكا حاجة وعيالًا، فرحمته وخليت سبيله. قال: "أما أنه قد كذبك وسيعود"، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنكَ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود، فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: وما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما فعل أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله. قال: "وما هي؟ " قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أما صدقكَ وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ "قلت: لا. قال: "ذاك شيطان". كذا رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم ¬الصحيح، الوكالة (ح 2311)، وصله الإسماعيلي وأبو نعيم والنسائي من عدة طرق (انظر: تغليق التعليق 3/ 296، وفتح الباري 4/ 488).¥، وقد رواه النسائي في اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب، عن عثمان بن الهيثم، فذكره وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة بسياق آخر قريب من هذا، فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عمرويه الصفار، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب، أنبأنا مسلم بن إبراهيم، أنبأنا إسماعيل بن مسلم العبدي، أنبأنا أبو المتوكل الناجي، أن أبا هريرة كان معه مفتاح بيت الصدقة، وكان فيه تمر، فذهب يومًا ففتح الباب، فوجد التمر قد أخذ منه ملءَ كف، ودخل يومًا آخر فإذا قد أخذ منه ملءَ كف، ثم دخل يومًا آخر ثالثًا، فإذا قد أخذ منه مثلَ ذلك، فشكا ذلك أبو هريرة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تحب أن تأخذ صاحبك هذا؟ " قال: نعم. قال: فإذا فتحت الباب فقل: "سبحان من سخرك محمد". فذهب ففتح الباب فقال: "سبحان من سخرك محمد". فإذا هو قائم بين يديه، قال: يا عدو الله، أنت صاحب هذا؟ قال: نعم. دعني فإني لا أعود، ما كنت آخذًا إلا لأهل بيت من الجنِّ فقراء، فخلَّى عنه، ثم عاد الثانية، ثم الثالثة، فقلت: أليس قد عاهدتني ألا تعود؟ لا أدعك اليوم حتى أذهب بك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: لا تفعل، فإنك إن تدعني علمتك كلمات إذا أنت قلتها، لم يقربك أحد من الجنِّ صغير ولا كبير، ذكر ولا أنثى، قال له: لتفعلن؟ قال: نعم. قال: ما هنّ؟ قال: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} قرأ آية الكرسي حتى ختمها، فتركه فذهب فأبعد، فذكر ذلك أبو هريرة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أما علمت أن ذلك كذلك" ¬أخرجه ابن الضريس من طريق مسلم بن خالد بن إبراهيم به (فضائل القرآن ص 155 - 156)، وتشهد رواية البخاري السابقة.¥ وقد رواه النسائي عن أحمد بن محمد بن عبيد الله، عن شعيب بن حرب، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي المتوكل، عن أبي هريرة به ¬السنن 5/ 13 - 14.¥، وقد تقدم لأُبي بن كعب كائنة مثل هذه أيضًا، فهذه ثلاث وقائع.

(قصة أخرى) قال أبو عبيد في كتاب الغريب: حدثنا أبو معاوية، عن أبي عاصم الثقفي، عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رجل من الإناس، فلقيه رجل من الجنِّ فقال: هل لك أن تصارعني؟ فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان، فصارعه فصرعه، فقال: إني أراك ضئيلًا شخيتا ¬في الأصل: "ثخينا".¥، كأن ذراعيك ذراعًا كلب، أفهكذا أنتم أيها الجن كلكم، أم أنتَ من بينهم؟ فقال: إني بينهم لضليع، فعاودني فصارعه فصرعه الأنسي فقال: تقرأ آية الكرسي فإنه لا يقرؤها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان، وله خبخ كخبخ الحمار، فقيل لابن مسعود: أهو عمر؟ فقال من عسى أن يكون إلا عمر.

قال أبو عبيد: الضئيل: النحيف الجسم، والخبخ بالخاء المعجمة، ويقال بالحاء المهملة: الضراط ¬أخرجه أبو عبيد بسنده ومتنه (غريب الحديث 2/ 63). وفيه الشعبي لم يسمع من ابن مسعود (المراسيل لابن أبي حاتم ص 160).¥.

(حديث آخر) عن أبي هريرة. قال الحاكم أبو عبد الله في مستدركه: حدثنا علي بن حمشاذ، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا حكيم بن جبير الأسدي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "سورة البقرة فيها آية سيدة ¬في الأصل: "سيد".¥ آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه: آية الكرسي"، وكذا رواه من طريق آخر عن زائدة، عن حكيم بن جبير، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ¬أخرجه الحاكم بسنده ومتنه (المستدرك 2/ 259)، وحكم عليه الحافظ ابن كثير وضعفه بسبب حكيم بن جبير الأسدي.¥، كذا قال، وقد رواه الترمذي من حديث زائدة، ولفظه "لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي" ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم فيه شعبة وضعفه ¬السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي (ح 2878).¥.

(قلت): وكذا ضعفه أحمد ويحيى بن معين، وغير واحد من الأئمة، وتركه ابن مهدي وكذبه السعدي.

(حديث آخر) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع ¬في الأصل: "نافع" والتصويب من (عف) و (مح) و (ح).¥، أخبرنا عيسى بن محمد المروزي، أخبرنا عمر بن محمد البخاري، أخبرنا عيسى ¬في الأصل: "يحيى" والتصويب كسابقه.¥ بن موسى بن غنجار، عن عبد الله بن كيسان، حدثنا يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب: أنه خرج ذات يوم إلى الناس وهم سماطات ¬في سنده عبد الله بن كيسان المروزي: وهو صدوق يخطئ كثيرًا (التقريب ص 319)، وأخرجه الجوزجاني من طريق عبد الله بن كيسان به (الأباطيل ح 713).¥ فقال: أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن؟ فقال ابن مسعود على الخبير سقطت، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أعظم آية في القرآن {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} " ¬سماطات: أي جماعات.¥.

(حديث آخر) في اشتماله على اسم الله الأعظم: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر، أنبأنا عبيد الله بن أبي زياد، حدثنا شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في هاتين الآيتين {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} و {الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} "إن فيهما اسم الله الأعظم" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 6/ 461)، وسنده حسن كما سيأتي في الحاشية التالية:¥. وكذا رواه أبو داود، عن مسدد والترمذي، عن علي بن خشرم وابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثلاثتهم عن عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد به، وقال الترمذي: حسن صحيح ¬سنن أبي داود، الصلاة، الدعاء (ح 1396)، وسنن الترمذي، الدعوات (ح 3478)، وسنن ابن ماجه، الدعاء باب اسم الله الأعظم (ح 3855)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح 3110)، وفي سنده شهر بن حوشب وثقه الإمام أحمد وقال: ما أحسن حديثه ... وذكر أنه روى عن أسماء أحاديث حسانًا (انظر: تهذيب التهذيب 4/ 370).¥.

(حديث آخر) في معنى هذا، عن أبي أُمامة - رضي الله عنه -، قال ابن مردويه: أخبرنا عبد الرحمن بن نمير، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، أخبرنا هشام بن عمار، أنبأنا الوليد بن مسلم، أخبرنا عبد الله بن العلاء بن زيد، أنه سمع القاسم بن عبد الرحمن يحدث، عن أبي أُمامة يرفعه، قال: "اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة، وآل عمران وطه" ¬أخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن العلاء به (المستدرك 1/ 506)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح 746).¥. وقال هشام وهو ابن عمار خطيب دمشق أما البقرة فـ {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وفي آل عمران {الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2)} [آل عمران: 1، 2] وفي طه: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} [طه: 111].

(حديث آخر) عن أبي أُمامة في فضل قراءتها بعد الصلاة المكتوبة، قال أبو بكر بن مردويه، حدثنا محمد بن محرز بن مساور الأدمي، أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسن، أخبرنا الحسين بن بشر بطرسوس، أخبرنا محمد بن حمير، أخبرنا محمد بن زياد، عن أبي أُمامة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قرأ دُبَر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت".

وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة، عن الحسين بن بشر به، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، من حديث محمد بن حمير وهو الحمصي، من رجال البخاري أيضًا، فهو إسناد على شرط البخاري ¬عمل اليوم والليلة (ح 100)، وقال المنذري: رواه النسائي والطبراني بأسانيد أحدها صحيح (الترغيب 2/ 453)، وقال الهيثمي: وأحدها جيد (مجمع الزوائد 10/ 102).¥، وقد زعم أبو الفرج بن الجوزي، أنه حديث موضوع ¬الموضوعات 1/ 244.¥، والله أعلم. وقد روى ابن مردويه من حديث علي والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله، نحو هذا الحديث، ولكن في إسناد كل منهما ضعف.

وقال ابن مردويه أيضًا: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقري، أخبرنا يحيى بن درستويه ¬في الأصل: "رستويه" والتصويب من (عف) و (مح) و (ح).¥ المروزي، أخبرنا زياد بن إبراهيم، أخبرنا أبو حمزة السكري، عن المثنى، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أوحى الله إلى موسى بن عمران - عليه السلام - أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، فأنه من يقرؤها في دبر كل صلاة مكتوبة، أجعل له قلبَ الشاكرين، ولسانَ الذاكرين، وثوابَ النبيين، وأعمالَ الصديقين، ولا يواظب على ذلك إلا نبي أو صديق أو عبد امتحنتُ قلبه للإيمان، أو أريدُ قتله في سبيل الله". وهذا حديث منكر جدًّا ¬وفيه الحسن البصري لم يسمع من أبي موسى الأشعري.¥.

(حديث آخر) في أنها تحفظ من قرأها في أول النهار وأول الليل. قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا يحيى بن المغيرة أبو سلمة المخزومي المديني، أخبرنا ابن أبي فديك. عن عبد الرحمن المليكي، عن زرارة بن مصعب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قرأ: (حم) المؤمن إلى {إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [غافر: 1 - 3] وآية الكرسي، حين يصبح، حفظ بهما حتى يُمسي، ومن قرأهما حين يُمسي حفظ بهما حتى يصبح" ثم قال: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مُليكة المليكي، من قبل حفظه ¬السنن،

فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي (ح 2879).¥.

وقد ورد في فضلها أحاديث أخر، تركناها اختصارًا لعدم صحتها وضعف أسانيدها كحديث عليٍّ في قراءتها عند الحجامة، إنها تقوم مقام حجامتين. وحديث أبي هريرة في كتابتها في اليد اليسرى بالزعفران سبع مرات، وتُلحس للحفظ وعدم النسيان، أوردهما ابن مردويه، وغير ذلك.

وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة.

فقوله: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا، المقيم لغيره. وكان عمر يقرأ القيام ¬هي قراءة شاذة ذكرها العكبري في الإملاء 1/ 62، وأبو حيان في البحر المحيط 2/ 277.¥، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، لا قوام لها بدون أمره، كقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ} [الروم: 25] وقوله: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه خافية، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم، فقوله: {لَا تَأْخُذُهُ} أي: لا تغلبه سنة وهي الوسن والنعاس، ولهذا قال: ولا نوم لأنه أقوى من السنة.

وفي الصحيح عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأربع كلمات، فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمر النهار، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" ¬صحيح مسلم، الإيمان، باب في قوله: "إن الله لا ينام" (ح 179).¥.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} أن موسى - عليه السلام - سأل الملائكة: هل ينام الله - عز وجل - فأوحى الله تعالى إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثًا، فلا يتركوه ينام، ففعلوا، ثم أعطوه قارورتين فأمسكهما، ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما، قال: فجعل ينعس وهما في يده، وفي كل يد واحدة، قال: فجعل ينعس وينبه، وينعس وينبه، حتى نعس نعسة، فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما، قال معمر: إنما هو مثل ضربه الله - عز وجل -، يقول فكذلك السموات والأرض في يده، وهكذا رواه ابن جرير، عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق ... فذكره ¬أخرجه الطبري بسنده ولفظه. وفي سنده أُمية بن شبل له حديث منكر، وهو الحديث المذكور (ينظر: لسان الميزان 1/ 467).¥، وهو من أخبار بني إسرائيل، وهو مما يعلم أن موسى - عليه السلام - لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله - عز وجل -، وأنه منزه عنه، وأغرب من هذا كله الحديث الذي رواه ابن جرير: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل. حدثنا هشام بن يوسف، عن أُمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحكي عن موسى - عليه السلام - على المنبر، قال: "وقع في نفس موسى: هل ينام الله؟ فأرسل إليه ملكًا فأرقه ثلاثًا، ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما قال: فجعل ينام، وكادت يداه تلتقيان، فيستيقظ فيحبس إحداهما ¬في الأصل: "أحديهما".¥ على الأخرى، حتى نام نومة، فاصطفقت يداه، فانكسرت القارورتان، - قال - ضرب الله - عز وجل مثلًا، أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه وحكم عليه الحافظ ابن كثير. وفي سنده أيضًا أُمية بن شبل.¥ وهذا حديث غريب جدًّا، والأظهر أنه إسرائيلي لا مرفوع، والله أعلم.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، حدثنا أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى، هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله، فناداه ربه - عز وجل - يا موسى، سألوك هل ينام ربك، فخذ زجاجتين في يديك، فقم الليلة، ففعل موسى، فلما ذهب من الليل ثلث نعس، فوقع لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما، حتى إذا كان آخر الليل نعس، فسقطت الزجاجتان فانكسرتا، فقال: يا موسى، لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكت كما هلكت الزجاجتان في يديك. فأنزل الله - عز وجل - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - آية الكرسي ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وفي سنده جعفر بن أبي المغيرة وهو صدوق يهم (التقريب ص 141).¥.

وقوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه، كقوله: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)} [مريم].

وقوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} كقوله: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26)} [النجم] وكقوله: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه - عز وجل -، أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة، كما في حديث الشفاعة: "آتي تحت العرش فأخر ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني. ثم يقال: ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع - قال - فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة" ¬أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (الصحيح، تفسير سورة الإسراء، باب {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ... } [الإسراء: 3] ح 4712).¥.

وقوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، كقوله إخبارًا عن الملائكة {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64)} [مريم].

وقوله: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} أي: لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله - عز وجل - وأطلعه عليه. ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته، إلا بما أطلعهم الله عليه، كقوله: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110].

وقوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس، عن مطرف بن طريف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} قال: علمه، وكذا رواه ابن جرير من حديث عبد الله بن إدريس وهشيم، كلاهما عن مطرف بن طريف به، قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير مثله ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وتعليقه والطبري كذلك، وفي سنديهما جعفر بن أبي المغيرة صدوق يهم كما تقدم في الصفحة السابقة وهذه الرواية عن ابن عباس مخالفة ما ثبت عنه أن الكرسي: موضع القدمين كما سيأتي.¥، ثم قال ابن جرير: وقال آخرون الكرسي موضع القدمين، ثم رواه عن أبي موسى والسدي الضحاك ومسلم البطين ¬أخرجه الطبري من طريق عمارة بن عمير عن أبي موسى، وعمارة لم يسمع من أبي موسى، وأخرجه بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وبسند حسن من طريق عمار الدهني عن مسلم البطين.¥.

وقال شجاع بن مخلد في تفسيره: أخبرنا أبو عاصم، عن سفيان، عن عمار الدُهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قول الله - عز وجل -: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}؟ قال: "كرسيه موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره إلا الله - عز وجل - " كذا أورد هذا الحديث الحافظ أبو بكر بن مردويه من طريق شجاع بن مخلد الفلاس، فذكره وهو غلط ¬وجه الغلط هو رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحيح وقفه على ابن عباس ولعل الذي رفعه شجاع بن مخلد.¥.

وقد رواه وكيع في تفسيره، حدثنا سفيان، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره ¬سنده حسن.¥. وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي، عن محمد بن معاذ، عن أبي عاصم، عن سفيان، وهو الثوري بإسناده عن ابن عباس موقوفًا مثله، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ¬المستدرك 2/ 282.¥. وقد رواه ابن مردويه من طريق الحاكم بن ظهير الغزاري الكوفي، وهو متروك عن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا ولا يصحّ أيضًا.

وقال السدي، عن أبي مالك: الكرسي تحت العرش ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسرائيل عن السدي به.¥، وقال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش ¬أخرجه الطبرى وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.¥.

وقال الضحاك: عن ابن عباس: لو أن السموات السبع والأرضين السبع، بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض، ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق عطية عن الضحاك به، وبشر بن عمارة: ضعيف.¥.

وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرني ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله: "ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس" قال: وقال أبو ذرٍّ: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وهو ضعيف.¥.

وقال أبو بكر بن مردويه: أخبرنا سليمان بن أحمد، أخبرنا عبد الله بن وهب الغزي، أخبرنا محمد بن أبي السري العسقلاني، أخبرنا محمد بن عبد الله التميمي، عن القاسم بن محمد الثقفي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذرّ الغفاري، أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الكرسي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي، إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة" ¬في سنده القاسم بن محمد الثقفي وهو مجهول، ومحمد بن أبي السري: وهو صدوق له أوهام كثيرة (التقريب ص 504).¥.

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا زهير، حدثنا ابن أبي بُكير، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر - رضي الله عنه -، قال: أتت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، قال: فعظم الرب تبارك وتعالى، وقال: "إن كرسيه وسع السموات والأرض وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد من ثقله" ¬أخرجه الضياء عن طريق أبي يعلى به (ح 151)، وأخرجه ابن أبي عاصم (السنة 1/ 252)، وأبو الشيخ (العظمة ح 193)، والبزار (كشف الأستار ح 39، كلهم من طريق إسرائيل به. وقد حكم عليه الحافظ ابن كثير بالانقطاع بين عبد الله بن خليفة وعمر.¥ وقد رواه الحافظ البزار في مسنده المشهور وعبد بن حميد وابن جرير في تفسيريهما، والطبراني وابن أبي عاصم في كتابيّ السنة لهما، والحافظ الضياء في كتابه المختار من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن خليفة، وليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر. ثم منهم من يرويه عنه عن عمر موقوفًا، ومنهم من يرويه عنه مرسلًا، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة، ومنهم من يحذفها. وأغرب من هذا حديث جبير بن مطعم في صفة العرش كما رواه أبو داود في كتابه السنة من سننه، والله أعلم.

وقد روى ابن مردويه وغيره أحاديث عن بريدة وجابر وغيرهما في وضع الكرسي يوم القيامة لفصل القضاء، والظاهر أن ذلك غير المذكور في هذه الآية، وقد زعم بعض المتكلمين على علم الهيئة من الإسلاميين، إن الكرسي عندهم هو الفلك الثامن، وهو فلك الثوابت الذي فوقه الفلك التاسع، وهو الفلك الأثير ويقال له: الأطلس، وقد رد ذلك عليهم آخرون وروى ابن جرير من طريق جويبر، عن الحسن البصري أنه كان يقول: الكرسي هو العرش ¬في سنده جويبر: وهو ابن سعيد الأزدي: متروك كما في التقريب.¥، والصحيح أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه، كما دلّت على ذلك الآثار والأخبار، وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد الله بن خليفة، عن عمر في ذلك، وعندي في صحته نظر، والله أعلم.

وقوله: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} أي: لا يثقله ولا يكرثه حفظ السموات والأرض، ومن فيهما، ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه متواضعة صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة وهو الغني الفعال لما يريد، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، الحسيب على كل شيء، الرقيب العلي العظيم، لا إله غيره، ولا ربَّ سواه، فقوله: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} كقوله: (وهو الكبير المتعال) وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح، أمروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.

অন্য ভাষার তাফসীর · ৮