এই আয়াতের তাফসীর

সূরা ২ : আয়াত ২৬৫

সূরা ২ : আয়াত ২৬৫

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍۭ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَـَٔاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

যারা আল্লাহর সন্তুষ্টি লাভের জন্য ও নিজেদেরকে সুদৃঢ় রাখার লক্ষ্যে ধন-সম্পদ ব্যয় করে তাদের উপমা কোনো উঁচুভূমিতে অবস্থিত একটি উদ্যান, যেখানে মুষলধারে বৃষ্টিপাত হয়, ফলে তার ফলন হয় দ্বিগুণ। আর যদি মুষলধারে বৃষ্টিপাত নাও হয়, তবে হালকা বৃষ্টিপাতই যথেষ্ট( ৮৫)। আর তোমরা যা আমল করো, সে ব্যাপারে আল্লাহ সম্যক দ্রষ্টা (৮৬)।

এই আয়াতে নির্বাচিত ভাষার তাফসীর নেই; উপলব্ধ পাঠ দেখানো হচ্ছে।

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ}.
يَعْني بذلك جل ثناؤُه: ومثَلُ الذين يُنْفقون أموالَهم فيَصَّدَّقُون بها، ويَحْمِلون عليها في سبيلِ اللَّهِ، ويُقَوُّون بها أهلَ الحاجةِ من الغُزاةِ والمجاهدِين في سبيلِ اللَّهِ، وفي غير ذلك من طاعاتِ اللَّهِ، طَلَبَ [مرضاتِ اللَّهِ، {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ}. يَعْني بذلك: وتثبيتًا من أنفسِهم لهم] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "مرضاته وتثبيتا يَعْني بذلك: وتثبيتا من أنفسهم يعنى: لهم".¥ على إنفاقِ ذلك في طاعةِ اللَّهِ وتحقيقًا. من قولِ القائلِ: ثَبَّتُّ فلانًا في هذا الأمرِ: إذا صحَّحْتَ عزمَه وحقَّقْتَه وقَوَّيْتَ فيه رأْيَه، أُثَبِّتُه تثبيتًا، كما قال ابن رَوَاحةَ ¬ديوانه ص 159.¥:
فَثَبَّتَ اللَّهُ ما آتاكَ مِنْ حَسَنٍ ... تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالذي نُصِرُوا
وإنما عنَى اللَّهُ جل ثَناؤُه بذلك أن أنفسَهم كانت مُوقِنةً مُصَدِّقةً بوعدِ اللَّهِ إيَّاها فيما أَنفقتْ في طاعتِه بغيرِ منٍّ ولا أذًى، فثبَّتُّهم في إنفاقِ أموالِهم ابتغاءَ مرضاةِ اللَّهِ، وصحَّحتُ عَزْمَهم وآراءَهم يقينًا منها بذلك، وتصديقًا بوعدِ اللَّهِ إيَّاها ما وعَدها. ولذلك قال مَن قال مِن أهلِ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {وَتَثْبِيتًا}: وتصديقًا. ومن قال منهم: ويقينًا؛ لأن تثبيتَ أنفسِ المنفِقين أموالَهم ابتغاءَ مرضاةِ اللَّهِ إيَّاهم، إنما كان عن يقينٍ منها، وتصديقٍ بوعدِ اللَّهِ جلّ وعزّ.
ذِكرُ من قال ذلك من أهلِ التأويلِ
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن أبي موسى، عن الشعبيِّ: {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} قال: تصديقًا وتَيْقينًا ¬أخرجه ابن زنجويه في الأموال (2316)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 519، 520 (2755، 2756) من طريق سفيان به، وسقط من عند ابن زنجويه ذكر سفيان.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوازيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي موسى، عن الشعبيِّ: {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ}. قال: وتصديقًا من أنفسِهم.
[حدثنا موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ}] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥: ثباتٌ ونصرةٌ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ}. قال: [ثقةً من أنفسِهم ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 107.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ}] (1): يقينًا من أنفسِهم. قال: التثبيتُ اليقيُن ¬ينظر تفسير القرطبي 3/ 314.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: ثنا عليُّ بنُ مَعْبَدٍ، عن أبي معاويةَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ}. قال: يقينًا من عندِ أنفسِهم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 339 إلى المصنف.¥.
وقال آخرون: معنى قولِه: {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ}. أنهم كانوا يَتَثَبَّتون في الموضعِ الذي يَضَعُون فيه صدقاتِهم.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ}. قال: يَتَثَبَّتُون أَين يَضَعُون أموالَهم.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابن المبارَكِ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ}. فقلت له: ما ذلك التثبيتُ؟ قال: يَتَثَبَّتون أين يَضَعُون أموالَهم ¬أخرجه ابن زنجويه في الأموال (2315)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 520 (2757) من طريق عثمان بن الأسود به.¥.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} قال: كانوا يَتَثَبَّتون أين يَضَعُونها.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن عليّ بن عليّ بن رِفاعةَ، عن الحسنِ في قولِه: {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} قال: كانوا يتَتَبَّتُون أين يَضَعُون أموالَهم. يعنى زكاتَهم.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبَرَنا ابن المبارَكِ، عن عليّ بن عليٍّ، قال: سمِعْتُ الحسنَ قرَأ: {ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} قال: كان الرجلُ إذا هَمَّ بصدَقةٍ تَثَبَّتَ، فإن كان للَّهِ مضَى، وإن خالَطه شكٌّ أَمْسَك ¬أخرجه ابن زنجويه في الأموال (2317) من طريق ابن المبارك به.¥.
وهذا التأويلُ الذي ذكَرْناه عن مجاهدٍ والحسنِ تأويلٌ بعيدُ المعنى مما يدلُّ عليه ظاهرُ التلاوةِ، وذلك أنهم تأوَّلُوا قولَه: {وَتَثْبِيتًا}. بمعنى: وتثبُّتًا. فزعَموا أن ذلك إنما قيل كذلك لأن القومَ كانوا يَتَثَبَّتُون أين يَضَعُون أموالَهم. ولو كان التأويلُ ¬في الأصل: "هذا التأويل".¥ كذلك لكان: وتَثَبُّتًا من أنفسِهم؛ لأن المصدرَ من الكلامِ إذا ¬سقط من: ص، وفي م: "إن".¥ كان على "تَفَعَّلْتُ" التَّفَعلُ، فيقالُ: تَكَرَّمْتُ تَكَرُّمًا، وتَكَلَّمْتُ تَكَلُّمًا. وكما ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "أن".¥ قال جلّ ثناؤُه: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} [النحل: 47]. من قولِ القائلِ: تخوَّفَ فلانٌ هذا الأمرَ تَخَوُّفًا. فكذلك قولُه: {وَتَثْبِيتًا} لو كان مِن تَثَبُّتِ القومِ في وَضْعِ صدَقاتِهم مواضعَها، لكان الكلامُ: وتَثَبُّتًا من أنفسِهم. لا: {وَتَثْبِيتًا}. ولكنَّ معنى ذلك ما قُلْنا مِن أنه: وتَثْبِيتٌ من أنفسِ القومِ إيَّاهم بصحةِ العزمِ، واليقيِن بوعدِ اللَّهِ تعالى ذكرُه.
فإن قال قائلٌ: وما تُنْكِرُ أن يكونَ ذلك نظيرَ قولِ اللَّهِ عزّ وجلّ: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8]. ولم يقلْ: تَبتُّلًا. قيل: إن هذا مخالفٌ لذلك، وذلك أن هذا إنّما جاز أن يقالَ فيه: {تَبْتِيلًا}. لظهورِ {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} فكان في ظهورِه دَلالةٌ على متروكٍ من الكلامِ الذي ¬زيادة من: م.¥ منه قيل: {تَبْتِيلًا} [وذلك المتروكُ هو: وتَبَتَّلْ] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "وذلك أن المتروك هو: تبتل".¥ فيُبتِّلَك اللَّهُ إليه تَبْتيلًا. وقد تفعلُ العربُ مثلَ ذلك ¬بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "أحيانا".¥، تُخْرِجُ المصادرَ على غيرِ ألفاظِ الأفعالِ التي تَقَدَّمَتْها، إذا كانت الأفعالُ المتقدِّمةُ لها ¬ليست في: ص، م، ت 1، ت 2.¥ تَدلُّ على ما أُخْرِجَتْ منه، كما قال جلّ وعزّ: {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} [نوح: 17]. وقال: {وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} [آل عمران: 37]. فالنباتُ مصدرُ نَبَتَ، وإنما جاز ذلك لمجئِ "أَنبتَ" قبلَه، فدلَّ على المتروكِ الذي منه قيل: نَبَاتًا. والمعنى: واللَّهُ أَنبتَكم فنَبَتُّمْ من الأرضِ نَباتًا. وليس قبلَ ¬سقط من: ص، م.¥ قولِه: {وَتَثْبِي
تًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} كلامٌ يجوزُ أن يكونَ متوهَّمًا به أنه معدولٌ عن بنائِه، وأنَّ معنى ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "ومعنى".¥ الكلامِ: ويَتَثَبَّتُون في وضعِ الصدقاتِ مواضعَها، فيُصْرَفَ إلى المعانِي التي صُرِف إليها قولُه: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا}. وما أَشبهَ ذلك من المصادرِ المعدولةِ عن الأفعالِ التي هي ظاهرةٌ قبلَها.
وقال آخرون: معنى قولِه: {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ}: واحتسابًا من أنفسِهم.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} يقولُ: احتسابًا من أنفسِهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 520 (2758) من طريق شيبان، عن قتادة.¥.
وهذا القولُ أيضًا قولٌ ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ بعيدُ المعنى من معنى التثبيتِ ¬في ص في هذا الموضع وما بعده: "التثبت".¥؛ لأن التثبيتَ لا يُعْرَفُ في شيء من الكلامِ بمعنى الاحتسابِ، إلا أن يكونَ أرادَ مفسِّرُه كذلك أن أَنفُسَ المنفقين كانت مُحتسبةً في تثبيتِها أصحابَها، فإن كان ذلك كان عنده معنى الكلامِ، فليس الاحتسابُ بمَعْنًى حينئذٍ للتثبيتِ فيُتَرْجَمَ عنه به.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ}.
يَعْني بذلك جلّ ثناؤه: ومثلُ الذين يُنفِقون أموالَهم فيَتَصَدَّقُون بها، ويُسَبِّلُونها في طاعةِ اللَّهِ بغيرِ منٍّ على من تَصَدَّقُوا بها عليه، ولا أذًى منهم لهم بها؛ ابتغاءَ رضوانِ اللَّهِ، وتصديقًا من أنفسِهم بوعدِه، {كَمَثَلِ جَنَّةٍ} - والجنةُ البستانُ، وقد دلَّلْنا فيما مضَى على أن الجنةَ البستانُ، بما فيه الكفايةُ إعادتِه ¬ينظر ما تقدم في 1/ 406 وما بعدها.¥ - {بِرَبْوَةٍ}، والربوةُ من الأرضِ: ما نشَز منها، فارتفَع عن المَسيلِ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "السيل".¥. وإنما وصَفها بذلك جل ثناؤُه؛ لأن ما ارتفَع من الأرضِ ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ عن المسايلِ والأوديةِ أَغْلَظُ، وجِنانُ ما غلُظ من الأرضِ أحسنُ وأَزْكَى ثَمَرًا وَغَرْسًا وزَرْعًا مما رَقَّ منها، ولذلك قال أعشى بنى ثعلبةَ في وصفِ رَوْضةٍ ¬ديوانه ص 57.¥:
ما رَوْضَةٌ من رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ... خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ
فوصَفها بأنها من رياضِ الحَزْنِ؛ لأن الحُزُونَ عُروسُها ونباتُها أحسنُ وأقوى من غُروسِ الأوديةِ والتِّلاعِ وزُروعِها.
وفى "الرَّبوةِ" لُغاتٌ ثلاثٌ، وقد قرَأ بكلِّ لغةٍ منهن جماعةٌ من القرأةِ؛ وهنّ ¬في ص، م: "هي".¥: "رُبُوةٌ" بضمِّ الراءِ، وبها قرأتْ عامةُ قرأةِ المدينةِ والحجازِ والعراقِ ¬وهي قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 190.¥. و "رَبُوةٌ" بفتحِ الراءِ، وبها قرأ بعضُ أهلِ الشامِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ ¬وهي قراءة عاصم وابن عامر. المصدر السابق.¥، ويقالُ: إنها لغةٌ لتميمٍ. و "ربوةٌ" بكسرِ الراءِ، وبها قرأ - فيما ذُكِر - ابن عباسٍ ¬أخرجه الحاكم 2/ 283 من طريق عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس. وينظر الشواذ لابن خالويه ص 23.¥.
وغيرُ جائزٍ عندي أن يُقرأَ ذلك إلا بإحدى اللغتَين: إما بفتحِ الراءِ، وإما بضمِّها؛ لأن قراءةَ الناسِ في أمصارِهم بإحداهما، وأنا لقراءتِها بضمِّها أشدُّ إيثارًا منى لِفَتحِها ¬في ص، م: "بفتحها".¥؛ لأنها أشهرُ اللغتَين في العربِ، فأما الكسرُ فإن في رفضِ القرأةِ ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ القراءةَ به دلالةً واضحةً على أن القراءةَ به غيرُ جائزةٍ.
وإنما سُمِّيَت الرَّبوةُ ربوةً ¬¥ لأنَّها رَبَتْ فغلُظتْ وعَلَتْ، من قولِ القائلِ: رَبَا هذا الشيءُ يَرْبُو، إذا انتفَخ ¬في الأصل: "انفتح"¥ فعظُم
وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكر من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} قال: الرَّبُوةُ المكانُ الظاهرُ المُسْتَوى ¬تفسير مجاهد ص 244، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 520 (2759).¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، قال: قال مجاهدٌ: هي الأرضُ المستويةُ المرتفعةُ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 107.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} يقولُ: بنشَزٍ من الأَرضِ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 520 معلقًا عقب الأثر (2760).¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاكِ: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ}: والرَّبُوةُ المكانُ المرتفعُ الذي لا ¬سقط من الأصل، ص. وينظر ما سيأتي في الصفحة القادمة.¥ تَجْرِى فيه الأنهارُ، والذي فيه الجِنانُ.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قولَه: {بِرَبْوَةٍ}: برابيةٍ من الأرضِ ¬ينظر التبيان 2/ 339.¥.
حُدِّثْتُ عن عمّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ}: والرَّبُوةُ: النَّشَزُ من الأرضِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 520 عقب الأثر (2760) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابن عبَّاسٍ: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ}. قال: المكانُ المرتفعُ الذي لا تَجْرِى فيه الأنهارُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 339 إلى المصنف وابن المنذر.¥.
وكان آخرون يقولون: هي الأرضُ ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ المُسْتَوِيةُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قولِه: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ}. قال: هي الأرضُ المستويةُ التي لا ¬سقط من: م.¥ تَعْلُو فوق الماءِ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "المياه".
والأثر في تفسير عبد الرزاق 1/ 107.¥.
وأما قولُه: {أَصَابَهَا وَابِلٌ} فإنه يعنى جل ثناؤُه: أصابَ الجنةَ التي بالرَّبُوةِ من الأرضِ وابلٌ من المطرِ، وهو الشديدُ العظيمُ القَطْرِ منه وقولُه: {فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ}. فإنه يعنى الجنةَ أنها أَضْعَفَتْ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "أضعف".¥ ثمرَها ضِعْفَين حين أصابَها الوابلُ من المطرِ.
والأُكْلُ ¬الأُكل، بضم فسكون، وبضمتين، ولم يشر المصنف إلى ضم الكاف في "الأكل". وهي قراءتنا في مصحفنا.¥: هو الشيء المأكولُ، وهو مثلُ الرُّعْبِ والهُزْءِ ¬في ص، م، ت 1: "الهُدْء".¥، وما أَشبهَ ذلك من الأسماءِ التي تأتى على "فُعْلٍ". وأما الأَكْلُ بفتحِ الألفِ وتسكينِ الكافِ، فهو فِعْلُ الآكلِ، يقالُ منه: أَكَلْتُ أَكْلًا، وأكَلْتُ أكْلَةً واحدةً. كما قال الشاعرُ ¬هو أبو مضرس النهدى، والبيت في حماسة الشجرى 1/ 90، 91.¥:
[وما] ¬في الأصل، ص، ت 1، ت 2: "ما". وفي مصدر التخريج: "فما".¥ أَكْلَةٌ [إِنْ نِلْتُها] ¬في الأصل، م: "أكلتها". وفي ص: "إن أكلتها". وأثبتنا ما في المصدر لاستقامته وزنا ومعنى.¥ بِغَنِيمةٍ ... ولا جَوْعَةٌ إِنْ جُعْتُها بَغَرَامِ
ففتَح الألفَ لأنها بمعنى الفعلِ، ويَدُلُّك على أن ذلك كذلك قولُه: ولا جَوْعةٌ. وإن ضمَمْتَ الألفَ من الأَكْلِةِ صار ¬في ص، م، ت 1، ت 2: "كان".¥ معناه الطعامَ الذي أَكَلْتَه، فيكونُ معنى ذلك حينئذٍ: ما طعامٌ أَكَلْتُه بغنيمةٍ.
وأما قولُه: {فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} فإن الطَّلَّ هو النَّدَى واللَّيِّنُ من المطرِ.
كما حدَّثنا عبَّاسُ بنُ محمَّد، قال: ثنا حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: {فَطَلٌّ}: نَدًى. عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عبَّاسٍ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 340 إلى المصنف.¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما الطَّلُّ: فالنَّدَى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 521 عقب الأثر (2766) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} أي: طَشٌّ ¬الطش والطشيش: المطر الضعيف، وهو فوق الرذاذ. وقيل: هو أول المطر. التاج (ط ش ش).
والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 340 إلى المصنف عبد بن حميد.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ: {فَطَلٌّ} قال: الطَّلُّ: الرَّذَاذُ من المطرِ. يعنى اللَّيِّنَ منه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 340 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
حُدِّثْتُ عن عمّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: {فَطَلٌّ} أي: طَشٌّ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 521 عقب الأثر (2766) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
وإنما عنَى ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "يعني".¥ تعالى ذكرُه بهذا المثَلِ أنه كما أُضعِفتْ ثمرةُ هذه الجنةِ التي وصَف صفتَها حين جادها الوَبْلُ، ¬في م: "الوابل". وهما بمعنى.¥ فإن أخطأها الوَبْلُ فالطّلُّ، فكذلك يضعِفُ اللهُ صدقةَ المتصدَّقِ والمُنْفِقِ مالَه ابتغاءَ مرضاتِه وتثبيتًا من نفسِه من غيرِ مَنٍّ ولا أَذًى، قَلَّتْ نفقتُه كذلك أو كَثُرَتْ، لا تَخِيبُ ولا تُخلَفُ نفقتُه، كما تُضْعَفُ ثمرةُ الجنةِ التي وصَف جل ثناؤُه صِفَتَها، قلَّ ما أصابها من المطرِ أو كثُر، لا يُخْلِفُ خيرُها بحالٍ من الحالِ ¬في م: "الأحوال".¥.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ.
[ذكرُ من قال ذلك]
حدَّثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: {فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ}. [يقولُ: كما] ¬في الأصل: "يعني: فكما".¥ أُضْعِفَتْ ثمرةُ تلك الجنةِ، فكذلك تُضاعَفُ لهذا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3 س: "ثمرة هذا".¥ المُنْفِقِ ضِعْفَيْن ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 521 (2764) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ}: هذا مَثَلٌ ضَرَبه اللهُ لعملِ المؤمنِ، يقولُ: ليس لخيرِه خُلْفٌ، كما ليس لخيرِ هذه الجنةِ خُلْفٌ على أيِّ حالٍ، إما وابلٌ، وإما طَلٌّ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 522 (2769) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 30 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحَّاكِ، قال: هذا مَثَلٌ لمن أَنفَق مالَه ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ.
حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع قولَه: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} الآية. قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لعمل المؤمن.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: {فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ}، وهذا خبرٌ عن أمرٍ قد مضَى؟
قيل: يرادُ فيه: كان. ومعنى الكلامِ: فآتتْ أُكُلَها ضِعْفَيْن، فإن لم يكنِ الوابلُ أصابها، أصابها طَلٌّ. وذلك في الكلامِ نحوُ قولِ القائلِ: حَبَسْتُ فرسَيْن، فإن لم أَحْبِس اثنَين فواحدًا ¬في الأصل، ت 1: "فواحد".¥ بقيمتِه. بمعنى: إلّا أَكُنْ. ولابدَّ من إضمارِ "كان"؛ لأنه خبرٌ، ومثلُه قولُ الشاعرِ ¬تقدم في 2/ 57، 258.¥:
إِذَا مَا انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنى لَئِيمَةٌ ... وَلَمْ تَحِدِى مِنْ أَنْ تُقِرِّى بِها بُدَّا

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)}.
يَعْني بذلك جلّ ثناؤه: واللهُ بما تعمَلون أيُّها الناسُ في نفَقاتِكم التي تُنفقونها، بَصِيرٌ، لا يَخْفَى عليه منها ولا من أعمالِكم فيها وفي غيرِها شيءٌ، يعلمُ مَن المنفِقُ منكم بالمَنِّ والأذَى، والمُنفِقُ ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ وتثبيتًا من نفسِه، فيُحْصِى عليكم ذلك حتى يُجازِى جميعَكم جزاءَه على عملِه، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.
وإنما يعنى بهذا القولِ جلّ ثناؤُه التحذيرَ من عقابِه في النفقاتِ التي يُنْفِقُها عبادُه، وغيرِ ذلك من الأعمالِ، أن يَأْتِيَ أحدٌ من خلقِه ما قد تقدَّم فيه بالنَّهْى أو يُفَرِّطَ فيما قد أُمِرَ به؛ لأن ذلك بمرأي من اللهِ ومسمعٍ، يَعلَمُه ويُحْصِيه عليهم، وهو لخلقِه بالمرصادِ.

অন্য ভাষার তাফসীর · ৬