تفسير ابن كثير
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)}.
يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإنفاق والمراد به الصدقة ههنا، قاله ابن عباس: من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: "تصدقوا من أطيب أموالكم وأنفسه".¥.
قال مجاهد: يعني التجارة ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.¥. بتيسيره إياها لهم.
وقال علي والسدي: {مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} يعني: الذهب والفضة، ومن الثمار والزروع التي أنبتها لهم من الأرض ¬قول علي بن أبي طالب أخرجه الطبري بسند ضعيف، فيه أبو بكر الهذلي وهو متروك (التقريب ص 625)، بلفظ: "من الحب والثمر كل شيء عليه زكاة"، وقول السدي: أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه بلفظ: "من الذهب والفضة".¥، قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.¥، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه وهو خبيثه، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ولهذا قال: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ} أي: تقصدوا الخبيث {مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} أي: لو أعطيتموه ما أخذتموه، إلا أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما تكرهون، وقيل: معناه {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} أي: لا تعدلوا عن المال الحلال وتقصدوا إلى الحرام فتجعلوا نفقتكم منه، ويذكر ههنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد، حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه" قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: "غشه وظلمه، ولا يكسب عبد مالًا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 1/ 387)، ورجاله ثقات إلا الصباح بن محمد: وهو ضعيف.¥.
والصحيح القول الأول، قال ابن جرير - رحمه الله -: حدثنا الحسين بن عمرو العنقزي، حدثني أبي، عن أسباط، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب - رضي الله عنه -، في قول الله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ... } الآية، قال: نزلت في الأنصار، كانت الأنصار إذا كانت أيام جذاذ النخل ¬جذاذ النخل: أي قطعه.¥ أخرجت من حيطانها البسر فعلقوه على حبل، بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف ¬الحشف: اليابس الفاسد من التمر، وقيل: الضعيف الذي لا نوى له (النهاية 1/ 391).¥ فيدخله مع أقناء البسر ¬البسر أوله طلع ثم خَلَال ثم بسر ثم رطب (مختار الصحاح ص 51).¥، يظن أن ذلك جائز، فأنزل الله فيمن فعل ذلك {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}، ثم رواه ابن جرير وابن ماجه وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من طريق السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بنحوه، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن ماجه من طريق عمرو العنقزي به (السنن، الزكاة، باب النهي أن يخرج في الصدقة شر ماله ح 1822)، وصححه البوصيري (مصباح الزجاجة ح 655)، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح 1475)، وأخرجه الحاكم من طريق عمرو به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 285).¥.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء - رضي الله عنه -، {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} قال: نزلت فينا، كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله بقدر كثرته وقلته، فيأتي الرجل بالقنو فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاء فضربه بعصاه فسقط منه البسر والتمر، فيأكل، وكان أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو ¬القنو: العِذق بما فيه من الرطب (النهاية 4/ 116).¥ الحشف والشيص ¬الشيص: التمر الذي لا يشتد نواه ويقوى (النهاية 2/ 518).¥، فيأتي بالقنو قد انكسر فيعلقه، فنزلت: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} قال: لو أن أحدكم أهدي له مثل ما أعطى ما أخذه إلا على إغماض وحياء، فكنا بعد ذلك يجيء الرجل منا بصالح ما عنده ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن وسيأتي تخريجه.¥.
وكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عبيد الله هو ابن موسى العبسي، عن إسرائيل، عن السدي، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن، عن أبي مالك الغفاري واسمه غزوان، عن البراء ... فذكر نحوه، ثم قال: وهذا حديث حسن غريب [صحيح] ¬لفظ: "صحيح" أضيف من سنن الترمذي.¥ ¬السنن، تفسير سورة البقرة (ح 2987)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح 2389).¥.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا سليمان بن كثير، عن الزهري، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، نهى عن لونين من التمر الجعرور ¬الجعرور: نوع من التمر صغار لا ينتفع به (لسان العرب 4/ 141).¥ ولون الحبيق ¬الحبيق: ضرب من الدقل رديء. وهو مصغر وهو نوع من التمر رديء (لسان العرب 10/ 38).¥، وكان الناس يتيممون شرار ثمارهم، ثم يخرجونها في الصدقة، فنزلت: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وقد تُكلم في رواية سليمان بن كثير (تهذيب التهذيب 4/ 315)، وقد تابعه سفيان بن حسين واليحصبي كما سيأتي.¥.
ورواه أبو داود من حديث سفيان بن حسين عن الزهري، ثم قال: أسنده أبو الوليد عن سليمان بن كثير، عن الزهري، ولفظه نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذ في الصدقة ¬سنن أبي داود، الزكاة، باب ما لا يجوز من التمرة في الصدقة (ح 1607)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 1418).¥، وقد روى النسائي هذا الحديث من طريق عبد الجليل بن حميد اليحصبي، عن الزهري، عن أبي أُمامة، ولم يقل: عن أبيه، فذكر نحوه، وكذا رواه ابن وهب، عن عبد الجليل ¬سنن النسائي، الزكاة، قوله - عز وجل -: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ} [البقرة: 267] 5/ 43، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح 2336).¥.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن معقل، في هذه الآية {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} قال: كسب المسلم لا يكون خبيثًا، ولكن لا يصدق بالحشف والدرهم الزيف وما لا خير فيه ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الطبري من طريق جرير به.¥.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن حماد هو: ابن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضب، فلم يأكله ولم ينه عنه، قلت: يا رسول الله، نطعمه المساكين؟ قال: "لا تطعموهم مما لا تأكلون" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، ورجاله ثقات إلا حماد بن أبي سليمان الأشعري وهو صدوق له أوهام كما في التقريب، والنصف الأول من الحديث له شواهد في الصحيحين، في صحيح البخاري، كتاب الصيد، باب الضب، وصحيح مسلم، الصيد، باب إباحة الضب.¥. ثم رواه عن عفان، عن حماد بن سلمة به، فقلت: يا رسول الله، ألا أطعمه المساكين؟ قال: "لا تطعموهم مما لا تأكلون".
وقال الثوري: عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} يقول: لو كان لرجل على رجل فأعطاه ذلك، لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه، رواه ابن جرير ¬أخرجه الطبري من طريق سفيان به، وسنده حسن.¥.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} يقول: لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم، لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه، قال: فذلك قوله: {إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه؟ رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.¥، وزاد: وهو قوله: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ¬هذه الزيادة وردت في الطبري.¥ [آل عمران: 92]، ثم روي عن طريق العوفي وغيره، عن ابن عباس، نحو ذلك ¬أخرجه الطبري بعد رواية علي بن أبي طلحة.¥، وكذا ذكر غير واحد.
وقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} أي: وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها، فهو غني عنها، وما ذاك إلا أن يساوي الغني الفقير، كقوله: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: 37] وهو غني عن جميع خلقه وجميع خلقه فقراء إليه، وهو واسع الفضل، لا ينفد ما لديه، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب، فليعلم أن الله غني واسع العطاء، كريم جواد، ويجزيه بها، ويضاعفها له أضعافًا كثيرة، من يقرض غير عديم ولا ظلوم، وهو الحميد؛ أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.