تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}: للَّهِ ملكُ كلِّ ما في السماواتِ وما في الأرضِ، مِن صغيرٍ وكبيرٍ، [وقليلٍ وكثيرٍ] ¬سقط مِن: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥، وإليه تدبيرُ جميعِه، وبيدِه صَرْفُه وتَقْلِيبُه، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ؛ لأنه مدبرُه ومالكُه ومصرِّفُه.
وإنما عنى بذلك جلَّ ثناؤُه كِتمانَ الشهودِ الشهادةَ، يقولُ: لا تَكْتُموا الشهادةَ أيُّها الشُّهودُ، فإنه مَن يَكْتُمُها يَفْجُرْ قلبُه، ولن يَخْفَى عليَّ كِتمانُه ذلك؛ لأنى بكلِّ شيءٍ عليمٌ، وبيَدى صرفُ كلِّ شيءٍ في السماواتِ والأرضِ وملْكُه، أعلمُ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت، س: "أعلمه".¥ خفيَّ ذلك وجَليَّه، فاتقوا عقابي إياكم على كتمانكم الشهادةَ. وعيدًا مِن اللَّهِ بذلك مَن كتَمها، وتخويفًا منه له به.
ثم أخبَرهم عما هو فاعلٌ بهم في آخرتِهم، وبمَن كان مِن نُظَرائِهم ممن انْطَوى كَشْحًا على معصيةٍ فأضمَرَها، أو أظهَر مُوبِقةً فأبداها مِن نفسِه، مِن المحاسبةِ عليها، فقال: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ}. يقولُ: وإِن تُظهِرُوا فيما عندَكم مِن الشهادةِ على حقِّ ربِّ المالِ الجحودَ والإنكارَ، أو تُخْفوا ذلك فتُضْمِروه في أنفسِكم، وغيرَ ذلك مِن سيِّئ أعمالكم، {يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ}. يَعْني بذلك: يَحْتَسبْ به عليه مِن أعمالِه، فمجازٍ مِن شاء منكم مِن المسيئين سوءَ عملِه، وغافرٌ لمن شَاء منكم مِن المسيئين.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ فيما عنَى بقولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}؛ فقال بعضُهم بما قلنا، مِن أنه عنى به الشهودَ في كِتمانِهم الشهادةَ، وأنه لاحقٌ بهم كلُّ مَن كان مِن نُظرائِهم ممن أضْمَر معصيةً أو أبداها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو زائدةَ زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا [ابن فُضيلٍ] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "أبو نفيل". وينظر تهذيب الكمال 26/ 293.¥، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}. قال: يَعْنى في الشهادةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 572 (3056) من طريق ابن فضيل به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (473 - تفسير) من طريق يزيد بن أبي زياد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 373 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ}. قال: في الشهادةِ ¬أخرجه الطحاوي في المشكل 4/ 315 عقب الحديث (1629) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 373، 374 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: سئِل داودُ عن قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}. فحدَّثنا عن عكرمةَ، قال: هي الشهادةُ إذا كتَمتَها.
حدَّثنا المثنى ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "ابن المثنى".¥، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرٍو ¬بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "و".¥ أبي سعيدٍ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ في هذه في هذه الآيةِ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ}. قال: في الشهادةِ ¬أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 394، وابن الجوزي في النواسخ ص 234 من طرق عن عكرمة.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن السدِّيِّ، عن الشعبيِّ في قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ}. قال: في الشهادةِ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 572 عقب الأثر (3056) معلقًا.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال أخبَرنا يزيدُ بنُ أبي زيادٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}. قال: نزَلت في كِتمانِ الشهادةِ وإقامتِها ¬أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 393، وابن الجوزي في النواسخ ص 234، وابن الجوزي في النواسخ ص 234 من طريق هشيم به.¥.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن عكرمةَ في قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}. يعنى: كِتمانَ الشهادةِ وإقامتَها على وجهِها.
وقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ إعلامًا مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه عباده أنه مُؤاخذُهم بما كسَبته أيديهم، وحدَّثتهم به أنفسُهم مما لم يَعْمَلوه.
ثم اختلف متأوِّلو ذلك كذلك؛ فقال بعضُهم: ثم نسخ اللَّهُ ذلك بقولِه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن مصعبِ بن ثابتٍ، عن العلاءِ بن عبدِ الرحمنِ بن يعقوبَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: لما نزَلت: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}. فاشتدَّ ذلك على القومِ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنا لمُؤاخَذون بما نُحَدِّثُ به أنفسنا! هلَكنا. فأنزَل الله عزَّ وجلَّ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} الآية، إلى قوله: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. قال أبي: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "قال اللَّهُ: نعم". {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} إلى آخرِ الآيةِ. قال أبي: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "قال الله: نعم" ¬أخرجه أحمد 15/ 198 - 200 (9344)، ومسلم (125)، وأبو عوانة 1/ 76، 77، والطحاوي في المشكل (1629)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 574، 575، 579، 580، 581، 582 (3060، 3061، 3094، 3099، 3103، 3111)، وابن حبان (139)، والبيهقي في ا
لشعب (327)، والواحدي في أسباب النزول ص 66، وابن الجوزي في النواسخ ص 226، 227 من طريق العلاء بن عبد الرحمن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 374 إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر (1 - 1) سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا [أبي، عن] (1) سفيانَ، عن آدمَ بن سليمانَ، مولى خالدِ بن خالدٍ، قال: سمِعت سعيدَ بنَ جبيرٍ يُحدِّث، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ}. دخَل قلوبَهم منها شيءٌ لم يدخُلْها من شيءٍ، فقال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "قولوا ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥: سمِعْنا وأطعْنا وسلَّمْنا". قال: فألقى اللَّهُ الإيمانَ في قلوبِهم. قال: فأَنزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} -[وقال ابن وكيعٍ: إلى قولِه: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}] (1) - قال: فقال: قد فعَلتُ. {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ مَا عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}. قال: قد فعلتُ ¬بعده في ص، م، ت، ت 2، ت 3، س: "ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به قال قد فعلت".¥. {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى
الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} قال: قد فعَلتُ ¬أخرجه مسلم (126) عن أبي كريب به بنحوه، وأخرجه أحمد 3/ 497 (2070)، ومسلم (126)، والترمذي (2992)، والنسائي في الكبرى (11059)، وأبو عوانة 1/ 75، وابن حبان (5069)، والحاكم 2/ 286، والبيهقي في الأسماء والصفات (453)، وفي الشعب (2407، 2408)، والواحدي في أسباب النزول ص 66، 67 من طريق وكيع به، وأخرجه أبو عوانة 1/ 75 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 374 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني أبو الردَّادِ المصريُّ عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ السلامِ، قال: ثنا أبو زرعةَ وهبُ اللَّهِ بن راشدٍ، عن حَيْوةَ بن شريحٍ، قال: سمِعت يزيدَ بنَ أبي حبيبٍ يقولُ: قال ابن شهابٍ: حدَّثني سعيدُ بنُ مَرْجانةَ، قال: جئتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ، فتلا هذه الآيةَ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ}. ثم قال ابن عمرَ: لئن آخَذَنا بهذه الآيةِ لنَهْلِكَنَّ. ثم بكَى ابن عمرَ حتى سالت دُموعُه. قال: ثم جئتُ عبد اللَّهِ بنَ العباسِ، فقلت: يا أبا العباسِ، إني جئتُ ابنَ عمرَ، فتلا هذه الآيةَ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} الآية. ثم قال: لئن واخذنا بهذه الآيةِ لنَهْلِكَنَّ. ثم بكَى حتى سالت دُموعُه، فقال ابن عباسٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لعبدِ اللَّهِ بن عمرَ، لقد فَرِق أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - منها كما فرِق ابن عمرَ منها، فأنزَل اللَّهُ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}. فنسَخ اللَّهُ الوَسْوَسَةَ، وأثبَت القولَ والفعلَ ¬أخرجه أبو عبيد
في ناسخه ص 396، والطبراني في الكبير (10769) من طريق يزيد بن أبي حبيب به بنحوه.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ بنُ يزيدَ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بن مَرْجانَةَ يُحَدِّثُ أنه بينَا هو جالسٌ مع ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت، س: "سمع".¥ عبدِ اللَّهِ بن عمرَ تلا هذه الآيةَ: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} الآية. فقال: واللَّهِ لئن أخَذَنا اللَّهُ بهذا لنَهْلِكُنَّ. ثم بكَى ابن عمرَ حتى سُمِع نَشِيجُه. فقال ابن مَرْجانةَ: فقُمْت حتى أَتَيْتُ ابن عباس، فذكَرتُ له ما تلا ابن عمرَ، وما فعَل حينَ تلاها، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لأبي عبدِ الرحمنِ، لَعَمْرِي لقد وجَد المسلمون منها حين أُنْزِلَت مثلَ مَا وَجَدَ عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، فأنزَل الله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} إلى آخرِ السورةِ. قال ابن عباسٍ: له فكانت هذه الوَسْوَسَةُ مما لا طاقةَ للمسلمين بها، وصار الأمرُ إلى أن قضَى اللَّهُ أن للنَفْس ما كسَبت، وعليها ما اكتَسَبَت في القولِ والفعلِ ¬أخرجه الطحاوي في المشكل (1627) عن يونس به، وأخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ 1/ 404، والطحاوي في المشكل (1626)، وابن أبي حات
م في تفسيره مفرقًا 2/ 578، 579 (3087، 3090)، والطبراني (10770)، والبيهقي في الشعب (329) من طريق الزهري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 374 إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: سمعت الزهريَّ يَقُولُ في قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ}. قال: قرَأها ابن عمرَ، فبكَى وقال: إنا لمَأخُوذون بما نحدِّثُ به أَنفُسَنا. فبكى حتى سُمِع نشيجُه، فقام رجلٌ مِن عندِه، فأتى ابنَ عباسٍ، فذكَر ذلك له، فقال: يرحَمُ اللَّهُ ابنَ عمرَ، لقد وجَد المسلمون نحوًا مما وجَد، حتى نزَلت: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 112.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثني إسحاقُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن جعفرِ بن سليمانَ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ، قال: كُنْتُ عندَ ابن عمرَ فقال: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} الآية. فبكَى، حتى دَخلتُ على ابن عباسٍ، فذكَرتُ له ذلك، فضحِك ابن عباسٍ فقال: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَمرَ، أَوَمَا يَدْرِى فيم أنْزِلَت [وكيف أنزلت] ¬سقط مِن: ص، م، ت 1، ت، ت، س.¥؟ إن هذه الآيةَ حينَ أُنْزِلَت غَمَّت أصحابَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَمًّا شديدًا، وقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، هلَكنا. فقال لهم رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "قُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا". فنسَختها: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} إلى قولِه: {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}. فتُجُوِّزَ لهم مِن حديثِ النفسِ وأُخِذوا بالأعمالِ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 113، 114. ومن طريقه أحمد 5/ 194، 195 (3070)، وابن الجوزي في النواسخ ص 229.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الزهريِّ، عن سالمٍ أن أباه قرَأ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}. فدمَعت عَيْناه، فبلغ صنيعُه ابنَ عباسٍ، فقال: يَرْحَمُ الله أبا عبدِ الرحمنِ، لقد صنَع كما صنَع أصحابُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حينَ أُنْزِلَت، فنسَختها الآيةُ التي بعدَها: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ¬أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 7، والنحاس في ناسخه 275، 276، والحاكم 2/ 287، وابن الجوزي في ناسخه ص 229 من طريق يزيد بن هارون به.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: نسَخت هذه الآيةَ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ}، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ¬أخرجه ابن الجوزي في ناسخه ص 230 من طريق سفيان به بنحوه.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن آدمَ بن سليمانَ مولى خالدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثلِه ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 574 عقب الأثر (3061) معلقًا.¥] ¬سقط مِن: ص، م، 1، ت 2، ت 3، س.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن آدمَ بن سليمانَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} قالوا: أنُؤاخَذُ بما حدَّثنا به أنفسَنا ولم تَعْمَلْ به جَوارِحُنا؟ قال: فنزَلت هذه الآيةُ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. قال: ويقولُ: قد فَعَلْت. {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}. قال: ويقولُ: فَعَلْتُ] ¬¥. قال: فأُعطِيَتْ هذه الأمةُ خواتيمَ سورةِ "البقرةِ"، لم تُعْطَها الأممُ قبلَها.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال ثنا إسماعيلُ، عن عامرٍ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ}، قال: فنسَختها التي بعدَها؛ قوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}. قال: نسَختها الآيةُ التي بعدَها: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} وقولُه: {وَإِنْ تُبْدُوا}. قال: يُحَاسَبُ بما أبَدى مِن سرٍّ أو أخْفى مِن سرٍّ، فنسَختها التي بعدَها.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا سيارٌ، عن الشعبيِّ، قال: لما نزَلت هذه الآية: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ}. قال: فكان فيها شدةٌ، حتى نزَلت هذه الآيةُ التي بعدَها: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}. قال: فنسَخَت ما كان قبلَها ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (480 - تفسير)، والنحاس في ناسخه ص 276، وابن الجوزي في النواسخ ص 231 من طريق هشيم به. وعند النحاس: شيبان. وعند ابن الجوزي: يسار، والصواب: سيار، هو أبو الحكم الواسطى العنزي. ينظر تهذيب الكمال 12/ 313.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن ابن عونٍ، قال: ذكَروا عندَ الشعبيِّ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ}. حتى بلغ: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}. قال: فقال الشعبيُّ: إلى هذا صار، رجَعتْ إلى آخرِ الآيةِ.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ، في قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ}. قال: فقال ابن مسعودٍ: كانت المحاسبةُ قبل أن تَنْزِلَ: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}. فلما نزَلت نسَخت الآيةَ التي كانت قبلَها ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (482 - تفسير)، والطبراني في الكبير (9030) من طريق جويبر به بنحوه.¥.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يَذْكُرُ عن ابن مسعودٍ نحوَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن بيانٍ، عن الشعبيِّ، قال: نسَخت: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ}، {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (479 - تفسير) من طريق بيان به بنحوه.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عُبيدة، عن محمدِ بن كعبٍ، وسفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، وعن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن مجاهدٍ، قال: نسَخت هذه الآيةُ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} الآية ¬أخرجه بن الجوزي في النواسخ ص 230 من طريق سفيان به بنحوه.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ وعامرٍ بمثلِه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "بن".¥ حميدٍ، عن الحسنِ في قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} إلى آخرِ الآية. قال: نسَختها ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "محتها".¥: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا {اكْتَسَبَتْ} ¬أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 397 عن الحجاج به بنحوه. وأخرجه ابن الجوزي في النواسخ ص 230 من طريق حماد بن سلمة به.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أنه قال: نسَخت هذه الآيةُ - يعنى قولَه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} - الآيةَ التي قبلَها: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} ¬أخرجه ابن الجوزي في ناسخه ص 230، 231 من طريق سعيد به بمعناه.¥.
حدَّثنا [الحسن بن يحيى] ¬في الأصل: "ابن حسين قال أخبَرنا يحيى".¥، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}. قال: نسَخَتْها قولُه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 111.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني ابن زيدٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} إلى آخرِ الآيةِ: اشتدَّت على المسلمين، وشقَّت مشقةً شديدةً، وقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، لو وقَع في أنفسِنا شيءٌ لم نَعْمَلْ به، واخَذنا اللَّهُ به؟ قال: "فلعلكم تقولُون كما قالت بنو إسرائيلَ لموسى: سمِعنا وعصَينا". قالوا: بل سمِعنا وأطعْنا يا رسولَ اللَّهِ. قال: فنزل القرآنُ يُفَرِّجُها عنهم: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ} إلى قولِه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ}. قال: فصيَّره إلى الأعمالِ، وترَك ما يَقَعُ في القلوبِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن سيّارٍ ¬بعده في م: "عن".¥ أبي الحكمِ، عن الشعبيِّ، عن أبي عُبَيدةَ بن ¬في ت 1، س، ونواسخ القرآن: "عن".¥ عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ في قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}. قال: نسَخت هذه الآية التي بعدَها: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} ¬أخرجه ابن الجوزي في النواسخ ص 225، 226 من طريق حجاج به بنحوه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 578 (3089) من طريق هشيم به.¥.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرقو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}. قال: يومَ نزَلت هذه الآيةُ كانوا يؤاخَذون بما وَسْوسَت به أنفسُهم وما عمِلوا، فشَكَوا ذلك إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: إن عمِل أحَدُنا وإن لم يعملْ أُخِذنا به! واللَّهِ ما نملِكُ الوَسْوسَةَ. فنسَخها اللَّهُ بهذه الآيةِ التي بعدَها بقولِه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}. فكان حديثُ النفسِ مما لم يُطِيقُوا. الآية.
حدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أَبي جعفرٍ، عن أبيه قتادةَ، أن عائشةَ أمَّ المؤمنين قالت: نسَخها قوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 374 إلى المصنف.¥.
وقال آخَرون - ممن قال: معنى ذلك الإعلامُ من اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه عبادَه أنه مؤاخِذُهم بما كسَبته أيديهم وعمِلته جوارحُهم، وبما حدَّثَتهم به أنفسُهم مما لم يَعْمَلُوه -: هذه الآيةُ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، واللَّهُ محاسبٌ خلقَه على ما عمِلوا مِن عمَلٍ وما لم يَعْمَلوه مما أضمَروه في أنفسهم ونوَوه وأَرَادُوه، فيَغْفِرُه للمؤمنين، ويُؤاخِذُ به أهلَ الكفرِ والنفاقِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}: فإنها لم تُنْسَخُ، ولكنَّ الله عزَّ وجلَّ إذا جمَع بين الخلائقِ يومَ القيامةِ، يقولُ: إنى أخْبِرُكم بما أخفَيتم في أنفسِكم، مما لم تَطَّلِعْ عليه ملائكتي. فأما المؤمنون فيُخْبِرُهم ويَغْفِرُ لهم ما حدَّثوا به أنفسَهم، وهو قولُه: {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ}. يقولُ: يُخْبِرُكم. وأما أهلُ الشكِّ والرَّيبِ فيُخْبِرُهم بما أخْفَوا مِن التكذيبِ، وهو قولُه: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ}. وهو قولُه: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] من الشكِّ والنفاقِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 572، 575 (3057، 3066، 3068)، وابن الجوزي في النواسخ ص 232 من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 375 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}: فذلك سرُّ عملك وعلانيَتُه، يحاسبُك به اللَّهُ، فليس مِن عبدٍ مؤمنٍ يُسِرُّ في نفسه خيرًا ليَعْمَلَ به، فإن عمل به كُتِبَت له به عَشْرُ حسناتٍ، وإن هو لم يُقَدَّرْ له أن يَعْمَلَ به كُتِبَت له به حسنةٌ من أجلِ أنه مؤمنٌ، واللَّهُ يَرْضَى سرَّ المؤمنين وعلانيَتَهم، وإن كان سوءًا حدَّث به نفسَه اطَّلَعِ اللَّهُ عليه، أخبَرهَ به يومَ تُبْلَى السرائرُ، وإن هو لم يَعْمَلْ به لم يُؤاخِذْه اللَّهُ به حتى يَعْمَلَ به، فإن عمِل به تجاوَز اللَّهُ عنه، كما قال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 573 (3058) عن محمد بن سعد به.¥ [الأحقاف: 16].
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} الآية. قال: قال ابن عباسٍ: إن الله تبارك وتعالى يقولُ يومَ القيامةِ: إِنَّ كُتَّابي لم يَكْتُبُوا من أعمالِكم إلا ما ظهَر منها، فأما ما أَسْرَرْتُم في أنفسِكم فأنا أُحاسبُكم به اليوم؛ فأَغْفِرُ لمن شيءتُ، وأُعَذِّبُ مَن شيءتُ.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا عليُّ بن عاصمٍ، قال: أخبَرنا بيانٌ، عن بشرٍ، عن قيسِ بن أبي حازمٍ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ قال اللَّهُ تبارك وتعالى يُسمِعُ الخلائقَ: إنما كان كتابي يكْتُبون عليكم ما ظهرَ منكم، فأما ما أَسْرَرْتُم فلم يَكُونُوا يَكْتُبُونه ولا يَعْلَمُونه، أنا اللَّهُ أَعْلَمُ بذلك كلِّه منكم، فأَغْفِرُ لمن شيءتُ، وأعَذِّبُ مَن شيءتُ.
حدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال سمِعت أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ عن سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ}: كان ابن عباسٍ يقولُ: إذا دُعِى الناسُ للحسابِ، أخبَرهم اللَّهُ بما كانوا يُسِرُّون في أنفسِهم مما لم يَعْمَلوه، فيقولُ: إنه كان لا يَعْزُبُ عنى شيءٌ، وإنى مخبِرُكم بما كنتم تُسِرُّون من السوء، ولم تَكُنْ حَفَظَتى عليكم يطَّلِعون عليه. فهذه المحاسبةُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن عُبَيدِ بن سليمانَ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ نحوَه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قوله: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}. قال: هي مُحْكَمةٌ لم يَنْسَحُها شيءٌ، يقولُ: {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}. يقولُ: يُعَرِّفُه اللَّهُ
يومَ القيامةِ أنَّك أخفَيت في صدرِك كذا وكذا؛ لا يُؤَاخِذُه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 572، 574 (3005، 3065)، وابن الجوزي في النواسخ ص 232 من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن عمرِو بن عُبَيدٍ، عن الحسنِ، قال: هي مُحْكمةٌ لم تُنْسَخُ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}. قال: مِن الشكِّ واليقينِ ¬تفسير مجاهد ص 247، ومن طريقه ابن الجوزي في النواسخ ص 234، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 573 (3059)، والنحاس في ناسخه ص 274، وابن الجوزي في النواسخ ص 234 من طريق ابن علية به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}. يَقُولُ: في اليقينِ والشكِّ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
فتأويلُ هذه الآيةِ على قولِ ابن عباسٍ الذي رَواه عليُّ بنُ أبي طلحةَ: وإن تُبْدوا ما في أُنفسِكم مِن سيِّئِ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "شيء من".¥ الأعمالِ، فتُظْهِروه بأبدانِكم وجَوارِحِكم، أو تُخفوه فتُسِرُّوه في أنفسِكم، فلم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ مِن خلقى، أُحاسِبْكم به، فأَغْفِرُ كلَّ ذلك لأهلِ الإيمانِ بي، وأُعَذِّبُ أهلَ الشكِّ والنفاقِ في ديني.
وأما على الروايةِ التي رَواها عنه الضحاكُ مِن روايةِ عُبيدِ بن سليمانَ عنه، وعلى ما قاله الربيعُ بن أنسٍ، فإن تأويلَها: إن تُظْهِروا ما في أنُفْسِكم فتَعْمَلوه مِن المعاصي، أو تُضْمِروا إرادتَه في أنفسِكم فتُخْفُوه، يُعْلِمْكم اللَّهُ به يومَ القيامةِ، فيَغْفِرُ لمن يشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ.
وأما قولُ مجاهدٍ فشبيهٌ معناه بمعنى قولِ ابن عباسٍ الذي رَواه عنه عليُّ بن أبي طلحةَ.
وقال آخرون ممن قال: هذه الآيةُ محكمةٌ، وهي غيرُ منسوخةٍ. ووافَقوا الذين قالوا: معنى ذلك أن اللَّهَ أعلَمَ عبادَه به ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س. وبه أي بقوله.¥ ما هو فاعلٌ بهم، فيما أبدَوا وأخفَوا مِن أعمالِهم -: معناها أن اللَّهَ محاسبٌ خلقَه بجميعِ ما أبدَوه مِن سيِّئِ أعمالِهم وجميعِ ما أسروه، ومعاقبُهم عليه، غيرَ أن عقوبتَه إياهم على ما أخفَوه مما لم يَعْمَلوه، ما يَحْدُثُ لهم في الدنيا مِن المصائبِ والأمورِ التي يَحْزَنون عليها ويألَمون لها ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "منها".¥.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} الآية. قال: كانت عائشةُ تقولُ: مَن همَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها أرسل اللَّهُ عليه مِن الهمِّ والحزنِ مثلَ الذي همَّ به مِن السيئةِ فلم يَعْمَلُها فكانت كفارتَه ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (481 - تفسير) من طريق جويبر به بنحوه.¥.
حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}. قال: كانت عائشةُ تقولُ: كلُّ عبدٍ يَهُمُّ بمعصيةٍ أو يُحَدِّثُ بها نفسَه، حاسَبه اللَّهُ بها في الدنيا، يَخَافُ ويَحْزَنُ ويَهْتَمُّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا أبو تُمَيلةَ، عن عُبيدٍ، عن الضحاكِ، قال: قالت عائشةُ في ذلك: كلُّ عبدٍ همَّ بسوءٍ ومعصيةٍ، وحدَّث بها نفسَه، حاسَبه اللَّهُ بها في الدنيا، يَخَافُ ويَحْزَنُ ويَشْتَدُّ همُّه، لا يَنَالُه مِن ذلك شيءٌ، كما همَّ بالسوءِ ولم يَعْمَلْ منه شيئًا.
حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أَسَدُ بنُ موسى، قال: ثنا حمادَ بنُ سلمةَ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن أميةَ ¬في ص، م: "أمه"، وفي س: "أبيه". وهي أمية بنت عبد الله، وينظر تهذيب الكمال 35/ 132.¥ أنها سألَت عائشةَ هذه الآيةِ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}، و {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123]. فقالت: ما سألني عنها أحدٌ مُذ سألتُ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "يا عائشةُ، هذه متابعةُ اللَّهِ العبدَ بما يُصيبُه مِن الحمَّى والنكْبةِ والشَّوكةِ، حتى البِضاعةِ يَضَعُها في كمِّه يَفْقِدُها، فيُرَوَّعُ لها، فيجدُها في ضِبْنِه ¬الضبن: الإبط وما يليه. اللسان (ض ب ن).¥، حتى إن المؤمنَ ليَخْرُجُ مِن ذُنوبِه كما يَخْرُجُ التِّبْرُ الأحمرُ مِن الكِيرِ" ¬أخرجه الطيالسي (1689)، وأحمد 6/ 218 (الميمنية)، والترمذي (2991)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 574 (3062)، والبيهقي في الشعب (9809) من طريق حماد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 375 إلى ابن المنذر.¥.
وأولى هذه الأقوالِ التي ذكَرناها بتأويلِ هذه الآيةِ قولُ مَن قال: إنها مُحْكمةٌ وليست بمنسوخةٍ، وذلك أن النسخَ لا يكونُ في حكمٍ إلا يَنْفِيه بآخرَ له نافٍ من كلِّ وجوهِه، وليس في قولِه جلَّ ثناؤُه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} نفيُ الحكمِ الذي أعلَم عبادَه بقولِه: {أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}؛ أن المحاسبةَ ليست بموجبةٍ عقوبةَ اللَّهِ، ولا مُؤاخذةً بما حُوسِب عليه العبدُ مِن ذُنوبِه، وقد أخبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه عن المجرمين أنهم حينَ تُعْرَضُ عليهم كُتبُ أعمالِهم يومَ القيامةِ يَقُولون: {يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [الكهف: 49]. فأخبرَ أن كتبَهم مُحصِيةٌ عليهم صغائرَ أعمالِهم وكبائرَها، فلم تَكُن الكتبُ - وإن أحصَت صغائرَ الذنوبِ وكبائرَها - بموجِبٍ إحصاؤُها على أهلِ الإيمانِ باللَّهِ ورسولِه وأهلِ الطاعةِ له، أن يَكُونوا بكلِّ ما أحصَته الكتبُ مِن الذنوبِ معاقَبين؛ لأنه عزَّ وجلَّ وعدهم العفوَ عن الصغائرِ باجتنابِهم الكبائرَ، فقال في تنزيلِه: {إِنْ تَجْتَنِبُوا
كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31]. فكذلك ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "فذلك"، وفي م: "فدل أن".¥ محاسبةُ اللَّهِ عبادَه المؤمنينَ بما هو محاسبُهم به من الأمورِ التي أخْفَتها أنفسُهم، غيرُ موجِبةٍ لهم منه عقوبةً، بل محاسبتُه إياهم، إن شاء اللَّهُ، عليها ليُعرِّفَهم بفَضْلِه عليهم بعفوِه لهم عنها، كما بلَغنا عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في الخبرِ الذي حدَّثني به أحمدُ بنُ المِقدامِ، قال: ثنا المُعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت أبي، عن قتادةَ، عن صفوانَ بن مُحرِزٍ، عن ابن عمرَ، عن نبيِّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "يُدْنِي اللَّهُ عزَّ وجلَّ عبدَه المؤمنَ يومَ القيامةِ حتى يَضَعَ عليه كنَفَه، فيُقَرِّرُه بسيئاتِه، يَقولُ: هل تَعْرِفُ؟ فيَقُولُ: نعم. فيَقُولُ: ستَرتُها في الدنيا وأغْفِرُها اليومَ. ثم يُظْهِرُ له حسناتِه، فَيَقُولُ: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 19]- أو كما قال - وأما الكافرُ فإنه يُنادَى به على رُءوسِ الأشهادِ" ¬أخرجه أحمد 9/ 318 (5436)، والبخاريّ (2441)، وفي خلق أفعال العباد (248 - 250)، وابن
أبي عاصم في السنة (604، 605)، والآجرى في الشريعة (619)، وغيرهم من طرق عن قتادة به.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدَيٍّ، عن ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "و".¥ سعيدٍ وهشامٍ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبَرنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا هشامٌ، قالا جميعًا في حديثِهما: عن قتادةَ، عن صفوانَ بن مُحرِزٍ، قال: بينما نحن نَطُوفُ بالبيتِ مع عبدِ اللهِ بن عمرَ وهو يَطُوفُ، إذ عرَض له رجلٌ، فقال: يابنَ عمرَ، ما سمِعتَ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ في النَّجْوَى؟ فقال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "يَدْنُو المؤمنُ مِن ربِّه حتى يَضَعَ عليه كَنَفَه، فيُقَرِّرُه بذُنوبه، فيَقُولُ: هل تَعْرِفُ كذا؟ فيقولُ: ربِّ، أعرِفُ ¬في ص، م: "اغفر".¥. مرتين، حتى إذا بلَغ به ما شاء اللَّهُ أَن يَبْلُغَ به، قال: فإني قد ستَرتُها عليك في الدنيا وأنا أغْفِرُها لك اليومَ". قال: "فيُعْطَى صحيفةَ حسناتِه أو كتابَه بيمينِه. وأما الكفارُ والمنافقون، فينادَى بهم على رُءوسِ الأشهادِ: {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} ¬أخرجه مسلم - كما في التحفة 5/ 437 - عن محمد بن بشار به، ومن طريق ابن أبي عدى عن سعيد وحده به. وأخرجه الب
خاريّ (4685)، وفي خلق أفعال العباد (251)، وابن منده في الإيمان (790) من طريق سعيد وهشام به، وأخرجه مسلم (2768)، وعبد الله بن أحمد في السنة (437)، والنحاس في ناسخه ص 277، وفي القطع والائتناف ص 386، والآجرى في الشريعة (618)، وابن منده (790) من طريق ابن علية به، وأخرجه ابن منده (1077) من طريق هشام به.¥.
قال أبو جعفرٍ: إن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه يَفْعَلُ بعبدِه المؤمنِ مِن تعريفِه إياه سيئاتِ، أعمالِه، حتى يُعرِّفَهُ تَفَضُّلَه عليه بعفوه له عنها، فكذلك فعلُه، تعالى ذكرُه، في محاسبتِه إياه بما أبداه من نفسه وبما أخفاه مِن ذلك، ثم يَغْفِرُ له كلَّ ذنبٍ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "ذلك".¥ بعدَ تعريفِه بفَضْلِه وبكَرَمِه عليه، فيَسْتُرُه عليه. وذلك هو المغفرةُ التي قد وعَد عبادَه المؤمنين، فقال: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ}.
فإن قال قائلٌ: فإن قوله عزَّ وجلَّ: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} ينبئُ عن أن جميعَ الخلقِ غير مؤاخَذين إلا بما كسَبَتْه أنفسُهم مِن ذنبٍ، ولا مثابين إلا بما اكتسبته مِن خيرٍ. قيل: إن ذلك كذلك، وغيرُ مؤاخذٍ العبدُ بشيءٍ من ذلك إلا بفعلِ ما نُهى عن فعلِه، أو تركِ ما أُمِر بفعلِه.
فإن قال: فإذ كان ذلك كذلك، فما معنى وعيدِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ إيانا على ما أخْفَته أنفسُنا بقولِه: {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} إن كان {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}، وما أضمرته قلوبُنا وأخْفَته أنفسُنا؛ من همٍّ بذنبٍ، أو إرادةٍ لمعصيةٍ، لم تَكْتَسِبْه جَوارحُنا؟
قيل له: إن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قد وعَد المؤمنين أن يعفوَ لهم عما هو أعظمُ من همٍّ همَّ به أحدُهم مِن المعاصى فلم يَفْعَلْه، وهو ما ذكرنا من وعْدِه إياهم العفوَ عن صغائرِ ذُنوبِهم إذا هم اجْتَنَبوا كبائرَها، وإنما الوعيدُ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه بقولِه: {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} على ما أخفَته نفوسُ الذين كانت أنفسُهم تُخْفِى الشكَّ في اللَّهِ والمريةَ في وحدانيتِه، أو في نبوّةِ نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ، أو في المَعَادِ والبعثِ من المنافقين، على نحوِ ما قال ابن عباسٍ ومجاهدٌ، ومَن قال بمثلِ قولِهما؛ من أن تأويلَ قولِه: {أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} على الشكِّ واليقينِ، غيرَ أنَّا نقولُ: إن المُتوعَّدَ بقولِه: {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ}. هو مَن كان إخفاءُ نفسِه ما تُخْفِيه الشكَّ والمِرْيةَ في اللَّهِ، وفيما يكونُ الشكُّ فيه باللَّهِ كفرًا، والموعودَ الغُفْران بقولِه: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} هو الذي إخفاؤه ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت، س: "أخفى و".¥ ما يُخْفِيه الهمَّةُ بالتقدمِ على بعضِ ما نهاه اللهُ عنه، مِن الأمورِ التي كان جائزًا ابتداءُ تحليلِه و
إباحتِه، فحرَّمه على خلقِه جل ثناؤُه، أو على تركِ بعض ما أمَره اللهُ بفعلِه، مما كان جائزًا ابتداءُ إباحةِ تركِه، فأوْجَب فعلَه على خلقِه. فإن الذي يَهِمُّ بذلك مِن المؤمنين إذا هو لم يُصَحِّحْ همَّه بما يَهِمُّ به، ويُحَقِّقْ ما أخْفَتْه نفسُه مِن ذلك بالتقدمِ عليه، لم يَكُنْ مأخوذًا، كما رُوِي عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَن همَّ بحسنةٍ فلم يَعْمَلُها كُتِبَت له حسنةٌ، ومَن همَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها لم تُكْتَبْ عليه" ¬أخرج نحوه مسلم (206، 207) من حديث أبى هريرة وابن عباس. وينظر ما تقدم في 2/ 411.¥. فهذا الذي وصَفْنا هو الذي يُحاسِبُ اللهُ تبارك وتعالى به مؤمنى عبادِه، ثم لا يُعاقِبُهم عليه.
فأما مَن كان ما أَخْفَتْه نفسُه شكًّا في اللهِ، وارْتِيابًا في نبوةِ أنبيائِه، فذلك هو الهالكُ المُخَلَّدُ في النارِ، الذي أوْعَده جلَّ ثناؤُه أن يعذِّبَه العذاب الأليمَ بقولِه: {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ}.
فتأويلُ الآيةِ إذنْ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} أَيُّهَا النَّاسُ فَتُظْهِروه {أَوْ تُخْفُوهُ} فتَنْطَوِى عليه نفوسُكم {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}، فيُعرِّفُ مؤمنكم ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "مؤمنيكم".¥ تفَضُّلَه بعفوِه عنه ومغفرتَه له، فيَغْفِرُه له، ويُعَذِّبُ مُنافقِكم ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "منافقيكم".¥ على شكِّه ¬في ص: "شك"، وفي م، س: "الشك".¥ الذي انْطَوَت عليه نفسُه في وَحْدانيةِ خالقِه ونبوةِ أنبيائِه.
القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)}
يَعْني بذلك جلَّ ثناؤُه: والله على العفوِ عما أخْفَتْه نفسُ هذا المؤمنِ مِن الهِمَّةِ بالخَطيئةِ، وعلى عقابِ هذا الكافرِ على ما أخْفَتْه نفسُه مِن الشكِّ في توحيدِ اللهِ ونبوةِ أنبيائِه، ومُجازاةِ كلِّ واحدٍ منهما على ما كان منه، وعلى غيرِ ذلك مِن الأمور - قادرٌ.