تفسير ابن كثير
{يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ} أي: يوم يرون هذه الأحوال والأهوال يستجيبون مسارعين إلى الداعي حيثما أمروا بادروا إليه، ولو كان هذا في الدنيا لكان أنفع لهم ولكن حيث لا ينفعهم، كما قال تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} [مريم: 38]، وقال: {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)} [القمر].
وقال محمد بن كعب القرظي: يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة، ويطوي السماء، وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي منادٍ، فيتبع الناس الصوت يؤمّونه، فذلك قوله: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.¥.
[وقال قتادة: {لَا عِوَجَ لَهُ} لا يميلون عنه.
وقال أبو صالح: لا عوج له أي: لا عوج عنه] ¬ما بين معقوفين زيادة من (ح) و (حم).¥ ¬قول قتادة وأبي صالح عزاهما السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.¥.
وقوله: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} قال ابن عباس: سكنت ¬أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.¥، وكذا قال السدي {فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} قال سعيد بن جبير، عن عباس: يعني وطء الأقدام ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق علي بن عابس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير به، وعلي بن عابس ضعيف كما في التقريب. ويتقوى بما يلي عن التابعين وعن ابن عباس.¥، وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وقتادة وابن زيد وغيرهم ¬أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة عن عكرمة وقتادة والحسن وابن زيد، ولكن ما ورد عن مجاهد بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: "خفض الصوت"، وقد ورد عن مجاهد بلفظ: "نقل الأقدام" ولكنه لم يصح لأن البستي أخرجه من طريق رجل مجهول.¥.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} الصوت الخفي ¬أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.¥، وهو رواية عن عكرمة والضحاك ¬قول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.¥. وقال سعيد بن جبير: {فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} الحديث وسره ووطء الأقدام ¬نسبه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.¥، فقد جمع سعيد كلا القولين، وهو محتمل، أما وطء الأقدام فالمراد سعي الناس إلى المحشر، وهو مشيهم في سكون وخضوع، وأما الكلام الخفي فقد يكون في حال دون حال، فقد قال تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105)} [هود].