تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
تفسيرُ سورةِ طه
بسم اللهِ الرَّحمنِ الرّحيمِ
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3)}.
اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {طه}، فقال بعضُهم: معناه: يا رَجُلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيلَةَ، عن الحسينِ ¬في م: "الحسن". وقد تقدم مرارًا.¥ بن واقدٍ، عن يزيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ: {طه}. قال: بالنَّبَطِيَّةِ: يا رَجُلُ ¬أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده (717 - بغية)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 50/ 266، وتغليق التعليق 4/ 253 - والطبراني (12249) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 289 إلى ابن مردويه.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}: فَإِنَّ قومَه قالوا: لقد شَقِى هذا الرجلُ بربِّه. فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: {طه}. يعني: يا رَجُلُ، {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 288 إلى المصنف وابن مردويه.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبَرنى عبدُ اللهِ بنُ مسلمٍ، أو يَعلَى بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه قال: {طه}: يا رَجُلُ، بالسريانيةِ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 472، والبغوى في الجعديات (2187) من طريق سالم الأفطس، عن سعيد.¥.
قال ابن جريجٍ: وأخبَرنى زمعةُ بنُ صالحٍ، عن سلَمةَ بن وَهْرامَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ بذلك أيضًا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 289 إلى المصنف.¥. قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ ذلك أيضًا ¬ينظر تفسير البغوي 5/ 262.¥.
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عمارةُ، عن عكرمةَ في قولِه: {طه}. قال: يا رجلُ، كلمةٌ بالنَّبَطيَّةِ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا [عبيدُ اللهِ] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف: "عبد الله". وينظر تهذيب الكمال 19/ 81.¥، عن عكرمةَ في قولِه: {طه}. قال: هي بالنَّبَطيَّةِ: يا إنسانُ.
حدَّثنا [محمدُ بنُ سنانٍ القزازُ] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، ف: "محمد بن بشار". وينظر تهذيب الكمال 25/ 323.¥، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن قرةَ بن خالدٍ، عن الضحاكِ في قولِه: {طه}. قال: يا رجلُ، بالنَّبَطِيَّةِ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 472 من طريق قرة بن خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 289 إلى عبد بن حميد وفيه قصة.¥.
وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُصَينٍ، عن عكرمةَ في قولِه: {طه}. قال: يا رجلُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تغليق التعليق 4/ 251 - من طريق عبد الرحمن بن مهدي به، وأخرجه ابن أبي شيبة 10/ 472 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 289 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، وفيه: بلسان الحبشة.¥.
وحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {طه}. قال: يا رجلُ، وهى بالسريانيةِ ¬ذكره البغوي في تفسيره 5/ 262.¥.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ والحسنِ في قولِه: [طه}، قالا: يا رجلُ ¬تفسير عبد الرزاق 2/ 15.¥.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ -[يَعنى ابنَ سليمانَ] ¬سقط من: الأصل.¥ - قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: {طه}. يقولُ: يا رجلُ.
وقال آخرون: هو اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ، وقَسَمٌ أقسَم اللهُ به.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: {طه}. قال: فإنه قسمٌ [أقسمه اللهُ] ¬في م: "أقسم الله به".¥، وهو اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 289 إلى ابن المنذر وابن مردويه.¥.
وقال آخرون: هو حروفُ هجاءٍ.
وقال آخرون: هي ¬سقط من: ت 1، وفى ص، م، ت 2، ت 3، ف: "هو".¥ حروفٌ مُقطَّعةٌ، يَدُلُّ كلُّ حرفٍ منها على معنًى. واختلَفوا في ذلك اختلافَهم في {الم}. وقد ذكَرنا ذلك في مواضعِه، وبيَّناه بشواهدِه ¬ينظر ما تقدم في 1/ 204 - 213.¥
والذي هو أولَى بالصوابِ عندى مِن الأقوالِ فيه قولُ مَن قال: معناه: يا رجلُ. لأنها كلمةٌ معروفةٌ في عَكٍّ ¬على: قبيلة يضاف إليها مخلاف باليمن. معجم البلدان 3/ 706.¥ فيما بلَغنى، وأن معناه فيهم: يا رجلُ، وأُنشِد لمتممِ بن نُويرةَ ¬ديوانه ص 131.¥:
هتفتُ بِطَهَ في القتالِ فلمْ يُجِبْ ... فخِفتُ عليهِ أنْ يكونَ مُوائِلَا ¬الموائل: الطالب للنجاة. ينظر اللسان (و أ ل) ¥
وقال آخرُ ¬هو يزيد بن المهلهل، والبيت في التبيان، 7/ 140، وتفسير القرطبي 11/ 166.¥:
إن السَّفاهةَ طَهَ من خلائقِكم ... لا بارَك اللهُ في القومِ الملاعينِ
فإذ كان ذلك معروفًا فيهم على ما ذكَرْنا، فالواجبُ أن يُوجَّهَ تأويلُه إلى المعروفِ فيهم مِن معناه، ولا سِيَّما إذا وافَق ذلك تأويلَ أهلِ العلمِ مِن الصحابةِ والتابعينِ.
فتأويلُ الكلامِ إذن: يا رجلُ، ما أنْزَلْنا عليك القرآن لتَشْقَى بإنزالِناه ¬في م: "ما أنزلناه".¥ عليك، فنكلِّفَك ما لا طاقةَ لك به مِن العملِ.
وذُكِر أنه قيل له ذلك بسببِ ما كان يَلْقَى مِن النَّصَبِ والعَناءِ والسَّهِرِ في قيامِ الليلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك