এই আয়াতের তাফসীর

সূরা ২১ : আয়াত ৮৭

সূরা ২১ : আয়াত ৮৭

وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ

আর (হে রাসূল!) স্মরণ করো যুন-নূন (১৭) এর কথা, যখন সে (তার সম্প্রদায়ের অবিরত গুনাহে লিপ্ত হওয়ার দরুন) রাগান্বিত অবস্থায় চলে গিয়েছিলো এবং সে মনে করেছিলো যে, আমি তাকে শাস্তি দ্বারা পাকড়াও করবো না। তারপর সে অন্ধকার(১৮) থেকে ডেকে বলেছিলো, ‘(হে আমার রব!) আপনি ছাড়া কোনো (সত্য) ইলাহ নেই। আপনি পবিত্র মহান। নিশ্চয় আমি যালিমদের অন্তর্ভুক্ত হয়ে গেছি।’

এই আয়াতে নির্বাচিত ভাষার তাফসীর নেই; উপলব্ধ পাঠ দেখানো হচ্ছে।

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: واذْكُرْ يا محمدُ ذا النونِ. يعنى: صاحبَ النونِ. والنونُ: الحوتُ، وإنما عَنَى بذى النونِ يونُسَ بنَ مَتَّى. وقد ذكَرْنا قصتَه في سورةِ "يونُسَ" بما أغْنَى عن ذكرِه في هذا الموضعِ ¬ينظر ما تقدم في 12/ 291 - 297.¥.
وقولُه: {إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا}. يقولُ: حينَ ذهَب مُغاضِبًا.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذَهَابِه مُغاضِبًا، وعمَّن كان ذهابُه، وعلى مَن كان غضبُه؛ فقال بعضُهم: كان ذهابُه عن قومِه، وإياهم غاضَب.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا}، يقولُ: غضِب على قومِه ¬أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (1077) من طريق محمد بن سعد به.¥.
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا}: [أما غضبُه، فكان] ¬في ت 2: "يقول غضب".¥ على قومِه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 333 إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
وقال آخرون: ذهَب عن قومِه مُغاضِبًا لربِّه، إذ كشَف عنهم العذابَ بعدَ ما وعَدهموه.
ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ سبب مُغاضَبتِه ربَّه في قولِهم
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن زيادٍ، عن عبدِ اللهِ بن أبي سلمةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: بعَثه اللهُ - يعني يونُسَ - إلى أهلِ قريتِه، فردُّوا عليه ما جاءهم به، وامْتَنَعوا منه، فلمَّا فعَلوا ذلك أَوْحَى اللهُ إليه: إنى مُرْسِلٌ عليهم العذابَ في ¬بعده في ص، ف: "كل".¥ يومِ كذا وكذا، فاخْرُجْ مِن بين أظْهُرهم. فأعْلَم قومَه الذي وعَدَهم ¬في ص، م، ت 1، ف: "وعده".¥ اللهُ مِن عذابِه إياهم، فقالوا: ارْمُقوه، فإن خرَج مِن بين أظهرِكم، فهو واللهِ كائنٌ ما وعَدَكم.
فلما كانت الليلةُ التي وُعِدوا العذابَ في صبِحها أدْلَج ورآه القومُ، فخرَجوا من القريةِ إلى بَرازٍ ¬البراز: المكان الفضاء من الأرض البعيد الواسع. اللسان (ب ر ز).¥ مِن أرضِهم، وفرَّقوا بينَ كلِّ دابةٍ وولدِها، ثم عَجُّوا إِلى اللهِ، فاسْتَقالوه، فأقالهم، وتنظَّر ¬في ت:2: "ينظر"، وتنظره: انتظره في مهلة. اللسان "نظر".¥ يونُسُ الخبرَ عن القريةِ وأهلِها، حتى مرَّ به مارٌّ فقال: ما فعل أهلُ القريةِ؟ فقال: فعَلوا أن نبيَّهم خرَج من بين أظهرِهم، عرَفوا أنه صدَقهم ما وعَدَهم مِن العذابِ، فخرَجوا مِن قريتِهم إلى بَرازٍ من الأرضِ، ثم فرَّقوا بينَ كلِّ ذاتِ ولدٍ وولدِها، وعَجُّوا إلى اللهِ، وتابوا إليه، فقبِل منهم، وأخَّر عنهم العذابَ. قال: فقال يونُسُ عندَ ذلك، وغضِب: واللهِ لا أَرْجِعُ إليهم كذَّابًا أبدًا، وعَدْتُهم العذابَ في يومٍ، ثم رُدَّ عنهم! ومضَى على وجهِه مُغاضِبًا ¬في ت 1، ف: "مغضبا".
والأثر أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 13، وزاد في آخره: "لربه فاستزله الشيطان". وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 333 إلى ابن أبي حاتم بنحوه مطولًا.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن سعيدِ بن أبى الحسنِ، قال: بلَغَنى أن يونُسَ لما أصاب الذنبَ انْطَلَق مُغاضِبًا لربِّه، واسْتَزَلَّه الشيطانُ ¬سيأتي تخريجه في ص 380.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدةَ، عن [مُجالدٍ بن] ¬في ت 2: "مجاهد عن". وينظر تهذيب الكمال 27/ 219.¥ سعيد، عن الشعبيِّ في قولِه: {إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا}. قال: مغاضِبًا لربِّه ¬ذكره الطوسي في التبيان 7/ 242.¥.
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بن عبدِ الملكِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ. فذكَر نحوَ حديثِ ابن حميدٍ، عن سلمةَ، وزاد فيه: قال: فخرَج يونُسُ يَنْظُرُ العذابَ، فلم يَرَ شيئًا، قال: جرَّبوا عليَّ كذبًا. فذهَب مُغاضِبًا لربِّه حتى أتَى البحرَ ¬تقدم تخريجه في 12/ 295.¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن ربيعةَ بن أبي عبدِ الرحمنِ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ اليَمانيِّ، قال: سَمِعْتُه يقولُ: إِن يُونُسَ بنَ مَتَّى كان عبدًا صالحًا، وكان في خُلُقِه ضِيقٌ، فلما حُمِّلَت عليه أثقالَ النبوةِ - ولها أثقالٌ لا يَحْمِلُها إلا قليلٌ - تفَسَّخ تحتَها تفَسُّخَ الرُّبَعِ تحتَ الحِمْلِ ¬الرُّبَع: الفصيل، وهو ولد الناقة إذا فُصِل عن أمه، وتَفسَّخ الربع تحت الحمل الثقيل إذا لم يطقه التاج (ف س خ، ر ب ع).¥، فقذَفها بينَ يديه، وخرَج هاربًا منها، يقولُ اللهُ لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم -: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35]. و {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} [القلم: 48]. أي: لا تُلْقِ أمرى كما ألقاه ¬ذكره ابن منظور في تاريخه 28/ 106 عن وهب بن منبه.¥.
وهذا القولُ - أعنى قولَ مَن قال: ذهَب عن قومِه مُغاضِبًا لربِّه - أشبهُ بتأويلِ الآيةِ، وذلك لدَلالةِ قولِه: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}. على ذلك. على أن الذين وجَّهوا تأويلَ ذلك إلى أنه ذهَب مُغاضِبًا لقومِه، إنما زعَموا أنهم فعَلوا ذلك استنكارًا منهم أن يُغاضِبَ نبيٌّ مِن الأنبياءِ ربَّه، واستعظامًا له. وهم بقيلِهم: إنه ذَهب مُغاضِبًا لقومِه. قد دخَلوا في أعظمَ مما أنْكَروا، وذلك أن الذين قالوا: ذهَب مُغاضِبًا لربِّه. اخْتَلَفوا في سببِ ذَهابِه كذلك؛ فقال بعضُهم: إنما فعَل ما فعَل من ذلك كراهةَ أن يكونَ بينَ قومٍ قد جرَّبوا عليه الخُلْفَ فيما وعَدَهم، واسْتَحْيا منهم، ولم يَعْلَمِ السببَ الذي دُفِع به عنهم البلاءُ.
وقال بعضُ مَن قال هذا القولَ: كان من أخلاقِ قومِه الذين فارَقَهم قتلُ مَن جرَّبوا عليه الكذب، عسى أن يَقْتُلوه من أجل أنه وعَدَهم العذابَ، فلم يَنْزِلْ بهم ما وعَدَهم مِن ذلك. وقد ذكَرْنا الروايةَ بذلك في سورةِ "يونُسَ"، فكرِهْنا إعادتَها ¬في ص، م، ت 1، ف: "إعادته". وينظر ما تقدم في 12/ 296.¥ في هذا الموضعِ.
وقال آخرون: بل إنما غاضَب ربَّه مِن أجلِ أنه أُمِر بالمصيرِ إلى قومٍ ليُنذِرَهم بأسَه، ويَدْعُوَهم إليه، فسأَل ربَّه أن يُنظِرَه؛ ليَتَأَهَّبَ للشُّخوصِ إليهم، فقيل له: الأمرُ أسرعُ مِن ذلك، ولم يُنظَرْ حتى شاء أن يُنْظَرَ إلى أَن يَأْخُذَ نعلا يَلبَسُها ¬في م: "ليلبسها".¥، فقيل له نحوُ القولِ الأولِ، وكان رجلًا في خُلُقِهِ ضِيقٌ، فقال: أعْجَلَني ربي أن آخُذَ نعلًا! فذهَب مُغاضِبًا.
وممن ذُكِر هذا القولُ عنه الحسنُ البصريُّ، حدَّثني بذلك الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ بنُ موسى، عن ¬بعده في ت 2: "ابن". وتقدم في 3/ 253.¥ أبي هلالٍ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ عنه ¬أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 12 عن الحارث به. دون ذكر الحسن.¥.
قال أبو جعفرٍ: وليس في واحدٍ مِن هذين القولين مِن وصفِ نبيِّ اللهِ يونُسَ عليه السلامُ - شيء إلا وهو دونَ ما في وصفه بما وَصَفه الذين قالوا: ذهَب مُغاضِبًا لقومِه؛ لأن ذَهابَه عن قومِه مُغاضِبًا لهم، وقد أَمَرَه اللهُ تعالى بالمُقامِ بينَ أظهُرِهم؛ ليُبَلِّغهم رسالتَه، ويُحَذِّرهم بأسَه، وعقوبتَه على تركِهم الإيمانَ به والعملَ بطاعتِه - لا شكَّ أن فيه ما فيه، ولولا أنه قد كان عليه السلام أتَى ما قاله الذين وصَفوه بإتيانِ الخطيئةِ، لم يَكُنِ اللهُ تعالى ذِكْرُه لِيُعَاقِبَه العقوبةَ التي ذكَرها في كتابِه، ويَصِفَه بالصفةِ التي وَصَفَه بها، فيقولَ لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم -: {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: 48]. ويقول: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 142 - 144].
وقولُه: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: فظنَّ أن لن نُعاقِبَه بالتَّضيِيقِ عليه. من قولِهم: قدَرْتُ على فلانٍ. إذا ضَيَّقْتَ عليه، كما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 7].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ ¬في ت 1، ت:2: "صبيح"، وفى ف: "صبح".¥، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}. يقولُ: ظنَّ أن لن يَأْخُذَه العذابُ الذي أصابه ¬أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (1076) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 333 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}. يقولُ: ظَنَّ أَن لن نَقْضِيَ عليه عُقوبةً ولا بلاءً فيما صنَع بقومِه في غضبِه إذ غضِب عليهم، وفرارِه، وعقوبتُه أخْذُ النونِ إياه ¬تقدم تخريجه في ص 374.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ أنه قال في هذه الآيةِ: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}. قال: فظَنَّ أَن لَن نُعَاقِبَه بذنبِه ¬أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (1080) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 333 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، قال: ثنى شعبةُ، عن مجاهدٍ. ولم يَذْكُرْ فيه الحَكَمَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}. قال: يقولُ: ظَنَّ أَن لن نُعاقِبَه ¬أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (1079) من طريق سعيد، عن قتادة، عن الحسن.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ والكلبيِّ: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}. قالا: ظنَّ أن لن نَقْضِىَ عليه العقوبةَ ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 27 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 333 إلى ابن أبي حاتم.¥.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}. يقولُ: ظَنَّ أَن اللَّهَ لن يَقْضِيَ عليه عُقوبةً ولا بلاءً في غضبه الذي غضِب على قومِه، وفراقه إياهم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 333 إلى المصنف وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}. قال: البلاءُ الذي أصابه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظنَّ أنه يُعْجِزُ ربَّه فلا يَقْدِرُ عليه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن سعيدِ بن أبى الحسنِ، قال: بلَغَنى أن يونُسَ لما أصاب الذنبَ، انْطَلَقَ مُغاضِبًا لربِّه، واسْتَزَلَّه الشيطانُ، حتى ظنَّ أن لن نَقْدِرَ عليه. قال: وكان له سلفٌ وعبادةٌ وتسبيحٌ، فأبَى اللَّهُ أن يَدَعَه للشيطانِ، فَأَخَذَه فقذَفَه في بطنِ الحوتِ، فمكَث في بطنِ الحوتِ أربعين، مِن بين ليلةٍ ويومٍ، فأَمْسَك اللَّهُ نفسَه فلم يَقْتُلُه هناك، فتاب إلى ربِّه في بطنِ الحوتِ، وراجَع نفسَه. قال: فقال: {سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}. قال: فاسْتَخْرَجه اللَّهُ مِن بطنِ الحوتِ برحمتِه، بما كان سلَف من العبادةِ والتسبيحِ، فجعَله مِن الصالحين. قال عوفٌ: وبلَغَنى أنه قال في دعائِه: وبنَيْتُ لك مسجدًا في مكانٍ لم يَبْنِه أحدٌ قبلى ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 361 مختصرًا جدًّا - وفيه: سعيد بن الحسن البصري. وهو سعيد بن أبي الحسن البصرى، أخو الحسن البصرى. ينظر تهذيب الكمال 10/ 385، والبداية والنهاية 2/ 20.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}: وكان له سلفٌ مِن عبادةٍ وتسبيحٍ، فتَدارَكه اللَّهُ بها، فلم يَدَعه للشيطانِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 333 إلى أحمد في الزهد وابن المنذر وعبد بن حميد.¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن الحارثِ، عن إياسِ بن مُعاويةَ المَدَنيِّ، أنه كان إذا ذُكِر عندَه يُونُسُ وقولُه: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}. يقولُ إياسٌ: فلِمَ فَرَّ؟
وقال آخرون: بل ذلك بمعنى الاستفهامِ، وإنما تأويلُه: أفظَنَّ أَن لن نَقْدِرَ عليه؟
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}. قال: هذا استفهامٌ. وفى قوله: {فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ}. قال: استفهامٌ أيضًا ¬ذكره البغوي في تفسيره 5/ 351.¥.
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ في تأويلِ ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى به: فظنَّ يونُسُ أن لن نَحْبسَه ونُضَيِّقَ عليه، عقوبةً له على مُغاضبتِه ربَّه.
وإنما قلنا: ذلك أولى بتأويلِ الكلمةِ؛ لأنه لا يَجوزُ أَن يُنْسَبَ إلى الكفرِ وقد اخْتارَه لنبوتِه، ووصفُه بأن ظنَّ أن ربَّه يَعْجِزُ عما أراد به، ولا يَقْدِرُ عليه، وصفٌ له بأنه جهِل قدرةَ اللَّهِ، وذلك وصفٌ له بالكفرِ، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ وصفُه بذلك.
وأما ما قاله ابن زيدٍ، فإنه قولٌ، لو كان في الكلامِ دليلٌ على أنه استفهامٌ - حسنٌ، ولكنه لا دلالةَ فيه على أن ذلك كذلك، والعربُ لا تَحْذِفُ لا تَحْذِفُ مِن الكلامِ شيئًا ¬بعده في ص، ت 1، ف: "له"، وبعده في م: "لهم".¥ إليه حاجةٌ إلا وقد أبْقَت دليلًا على أنه مرادٌ في الكلامِ، فإذ لم يكنْ في قولِه: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}. دلالةٌ على أن المرادَ به الاستفهامُ - كما قال ابن زيدٍ - كان معلومًا أنه ليس به، وإذ فسَد هذان الوجهان، صحَّ الثالثُ وهو ما قلنا.
وقولُه: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ}. اخْتَلَفَ أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بهذه الظلماتِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها ظلمةُ الليلِ، وظلمةُ البحرِ، وظلمةُ بطنِ الحوتِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ ¬بعده في ت 1، ت 2: "عن ابن جريج".¥، عن إسرائيلُ، [عن أبي إسحاقَ] ¬سقط من: ت 2.¥، عن عمرِو بن ميمونٍ: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ}. قال: ظلمةِ بطنِ الحوتِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةِ الليلِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 333 إلى المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 11/ 541، وابن أبي الدنيا في العقوبات (171)، والمصنف في تاريخه 2/ 15 من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود، مطولًا.¥. وكذلك قال أيضًا ابن جُريجٍ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن زيادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي سلمةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نادَى في الظلماتِ؛ ظلمةِ الليلِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةِ بطنِ الحوتِ: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 333 إلى المصنف.¥.
حدَّثني محمدُ بن إبراهيم السُّلَميُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ رِفاعةَ، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ كعبٍ يقولُ في هذه الآيةِ: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ}. قال: ظلمةِ الليلِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةِ بطنِ الحوتِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 333 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ}. قال: ظلمةِ الليلِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةِ بطنِ الحوتِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ}. قال: ظلمةِ بطنِ الحوتِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةِ الليلِ ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 27 عن معمر به.¥.
وقال آخرون: إنما عُنِى بذلك أنه نادَى في ظلمةِ جوفِ حوتٍ في جوفِ حوتٍ آخرَ في البحرِ. قالوا: فذلك هو الظلماتُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن سالمِ بن أبي الجَعْدِ: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ}. قال: أَوْحَى اللَّهُ إلى الحوتِ ألا تَضُرَّ له لحمًا ولا عظمًا. ثم ابْتَلَع الحوتَ حوتٌ آخرُ، قال: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ}. قال: ظلمةِ الحوتِ ¬في ص، ت 1، ت 2، ف: "حوت".¥، ثم حوتٍ، ثم ظلمةِ البحرِ ¬أخرجه أحمد في الزهد ص 34 من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 11/ 543، 544 عن سفيان به.¥.
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إِن اللَّهَ أَخْبَر عن يونُسَ أنه ناداه في الظُلماتِ: {أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}. ولا شكَّ أنه قد عنَى بإحدى الظلماتِ بطنَ الحوتِ، وبالأُخرى ظلمةِ البحرِ، وفي الثالثةِ اختلافٌ، وجائزٌ أن تكونَ تلك الثالثةُ ظلمةَ الليلِ، وجائزٌ أن تكونَ كونَ الحوتِ في جوفِ حوتٍ آخرَ، ولا دليلَ يَدلُّ على أيِّ ذلك مِن أيٍّ ¬بعده في ت 2: "قول".¥، فلا قولَ في ذلك أولى بالحقِّ من التسليمِ لظاهرِ التنزيلِ.
وقولُه: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ}. يقولُ: نادَى يُونُسُ بهذا القولِ معترفًا بذنبِه، تائبًا من خطيئتِه: {إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} في معصيتى إياك.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن زيادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي سلمةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، معترفًا بذنبِه، تائبًا من خطيئتِه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال أبو مَعْشَرٍ: قال محمدُ بنُ قيسٍ قولَه: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ}: ما صنَعْتُ مِن شيءٍ فلم أَعْبُدُ غيرَك، {إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} حينَ عَصَيْتُك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن عوفٍ الأعرابيِّ، قال: لما صار يونُسُ في بطنِ الحوتِ ظنَّ أَنه قد مات، ثم حرَّك رِجلَيه ¬في م: "رجله".¥، فلما تحرَّكَت سجَد مكانَه، ثم نادَى: يا ربِّ اتَّخَذْتُ لك مسجدًا في موضعٍ ما اتَّخَذه أحدٌ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 361 عن عوف، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة ص 13، وفى العقوبات (178) من طريق جعفر بن سليمان، عن عوف، عن سعيد بن أبي الحسن بمعناه.¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عمَّن حدَّثه، عن عبدِ اللَّهِ بن رافعِ مولى أمِّ سلمةَ زوج النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: سمِعْتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لما أراد اللَّهُ حبْسَ يونُسَ في بطنِ الحوتِ أَوْحَى اللَّهُ إلى الحوتِ أن خُذْه، ولا تَخْدِشْ له لحمًا، ولا تَكْسِرُ عظمًا. فأخَذَه، ثم هوَى به إلى مسكنِه مِن البحر، فلمَّا انتهى به إلى أسفلِ البحرِ، سمِع يونُسُ حِسًّا، فقال في نفسِه: ما هذا؟ قال: فأوْحَى اللَّهُ إليه وهو في بطنِ الحوتِ: إن هذا تسبيحُ دوابِّ البحرِ، قال: فسبِّح وهو في بطنِ الحوتِ، فسمِعَت الملائكةُ تسبيحَه، فقالوا: يا ربَّنا، إنا نَسْمَعُ صوتًا ضعيفًا بأرضٍ غريبةٍ. قال: ذاك عبدى يونُسُ، عصاني فحبَسْتُه في بطنِ الحوتِ في البحرِ. قالوا: العبدُ الصالحُ الذي كان يَصْعَدُ إليك منه في كلِّ يومٍ وليلةٍ عملٌ صالحٌ؟ قال: نعم. قال: فشفَعوا له عندَ ذلك، فأمَر الحوتَ فقذَفه في الساحلِ، كما قال اللَّهُ تبارَك وتعالى: {وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات: 145] " ¬أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 16، وأخرجه البزار في مسنده - كشف (2254) - من طريق محمد بن إسح
اق به.¥.

অন্য ভাষার তাফসীর · ৬