تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال فرعونُ لأشرافِ قومهِ وسادتِهم: {يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} فتَعْبُدوه وتُصَدِّقوا ¬بعده في م: "قول".¥ موسى فيما جاءَكم به؛ مِن أن له ولكم ربًّا غيرى ومعبودًا، سِواىَ، {فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ}. يقولُ: فاعْمَلْ لى آجُرًّا. وذُكر أنه أوَّلُ مَن طبخ الآجُرَّ وبَنَى به.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: {فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ}. قال: على المَدَرِ يكونُ لَبِنًا مطبوحًا.
قال ابن جُرَيج: أَوَّلُ مَن أمر بصنعةِ الآجُرّ وبَنَى به فرعونُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2979 من طريق ابن جريجٍ به. وقول ابن جريج عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 129 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: {فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ}. قال: فكان أوَّلَ مَن طبخ الآجُرَّ يَبنى به الصَّرْحَ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 405. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2979 من طريق سعيد به.
وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 91 من طريق معمر عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 129 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: {فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ}. قال: المطبوحُ الذي يُوقَدُ عليه هو من طينٍ يَبْنون به البنيانَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2979 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.¥.
وقولُه: {فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا}. يقولُ: ابْنِ لى الآجُرَّ ¬في م: "بالآجر".¥ بناءً. وكلُّ بناءٍ مُسَطَّحٍ فهو صَرْحٌ؛ كالقصرِ، ومنه قولُ الشاعرِ ¬هو أبو ذؤيب الهذلي، والبيت في ديوان الهذليين 1/ 136، ورواية الشطر الثاني هكذا: تلقى النفائض فيها السريجا.
ورواية المصنف هي رواية أبي عبيدة في مجاز القرآن 2/ 105.¥:
بِهِنَّ نَعَامُ ¬النعام: خشب ينصب ويرمى عليها الثمام، يستظل تحتها الربيئة. شرح ديوان الهذليين 1/ 204.¥ بَناها الرجالُ ... تَحْسَبُ أعْلامهن الصُّرُوحا
يعنى بالصُّرُوحِ جمعَ صَرْح.
وقولُه: {لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى}. يقولُ: أنْظُرُ إلى معبودِ موسى الذي يعبُدُه ويَدْعو إلى عبادتِه، {وَإِنِّي لأَظُنُّهُ} فيما يقولُ مِن أن له معبودًا يَعْبُدُه في السماءِ، وأنه هو الذي يُؤَيِّده ويَنْصُرُه، وهو الذي أرسله إليْنا - {مِنَ
الْكَاذِبِينَ}.
فذُكِر لنا أن هامانَ بنَى له الصَّرْحَ، فارتقَى فوقَه، فكان مِن قصتِه وقصةِ ارتقائِه ما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي، قال: قال فرعونُ لقومِه: {يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا} لعلى أذهبُ في السماءِ فأنظرَ إلى إلهِ موسى. فلما بَنَى له الصرحَ، ارتقَى فوقَه، فأَمر بِنُشَّابةٍ، فرمَى بها نحوَ السماءِ، فرُدَّتْ إِليه وهي مُتَلَطِّخةٌ دَمًا، فقال: قد قتَلتُ إلهَ موسى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2979 من طريق عمرو به، وتقدم أوله في ص 150.¥. تعالى اللهُ عما يقولون.