تفسير ابن كثير
{وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(46)}
{وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} قال أبو عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه: أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا عيسى بن يونس، عن حمزة الزياد، عن الأعمش، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} قال: نودوا أن: يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني، وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم ¬أخرجه النسائي (السنن الكبرى، التفسير ح 11382)، وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الأعمش به وأخرجه الحاكم من طريق حمزة الزيات به، وصححه و وافقه الذهبي (المستدرك 2/ 408).¥ من حديث جماعة عن حمزة وهو ابن حبيب الزيات، عن الأعمش. ورواه ابن جرير من حديث وكيع ويحيى بن عيسى عن الأعمش، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة وهو: ابن عمرو بن جرير أنه قال ذلك من كلامه ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.¥، والله أعلم.
وقال مقاتل بن حيان: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} أمتك في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا بك إذا بعثت ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق صالح بن سعيد عن مقاتل بن حيان، وصالح قال عنه ابن أبي حاتم: شيخ (الجرح والتعديل 4/ 404).¥.
وقال قتادة: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} موسى ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.¥. وهذا -والله أعلم- أشبه بقوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ} ثم أخبر ههنا بصيغة أخرى أخصّ في ذلك وهو النداء، كما قال تعالى: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى} [الشعراء: 10]، وقال تعالى: {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16)} [النازعات]، وقال تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52)} [مريم].
وقوله تعالى: {وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} أي: ما كنت مشاهدًا لشيء من ذلك، ولكن الله تعالى أوحاه إليك وأخبرك به رحمة منه بك والعباد وبإرسالك إليهم {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي: لعلهم يهتدون بما جئتهم به من الله -عزَّ وجلَّ-