تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأوْحيْنا إلى أُمِّ موسى حينَ ولَدت موسى أن أرْضِعيه.
وكان قتادةُ يقولُ في معنى ذلك: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى}: قذَفنا في قلبِها. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى}: وحيًا جاءَها من اللهِ، فقَذَف في قلبِها - وليس يوحي نبوةٍ - أن أرْضِعى موسى، {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي} الآية ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2941 من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 120 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ قولَه: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى}. قال: قذَف في نفسِها ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 87 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 120 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: أمرَ فرعونُ أن يُذْبَحَ مَن وُلِد من بنى إسرائيلَ سنةً، ويُترْكوا سنةً، فلما كان في السنةِ التي يَذْبَحون فيها حمَلت بموسى، فلما أرادت وضعَه، حَزنت من شأنِه، فأَوْحَى اللهُ إليها: {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} ¬تقدم أوله في ص 150، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2940 من طريق عمرو به.¥.
واختَلَف أهلُ التأويلِ في الحالِ التي أُمِرَتْ أُمُّ موسى أن تُلْقِيَ موسى في اليَمِّ؛ فقال بعضُهم: أُمِرَتْ أن تُلْقِيَه فيه بعدَ ميلادِه بأربعةِ أشهرٍ، وذلك حالَ طلبِه من الرَّضاع أكثرَ مما يَطْلُبُ الصبيُّ بعد حالِ سقوطِه من بطنِ أمِّه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ}. قال: إذا بلَغ أربعةَ أشهرٍ وصاح، وابْتَغَى من الرَّضاعِ أكثرَ من ذلك، {فَأَلْقِيهِ} حينَئذٍ {فِي الْيَمِّ}. فذلك قولِه: {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 121 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، قال: لم يَقُلْ لها: إذا وَلَدتيه فألْقِيه في اليَمِّ. إنما قال لها: {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ}. بذلك أُمِرَت. قال: جعَلَتْه في بستانٍ، فكانت تَأتِيه كلَّ يومٍ فتُرْضِعُه، وتَأتِيه كلَّ ليلةٍ فَتُرْضِعُه، فيَكْفِيه ذلك.
وقال آخرون: بل أُمِرَت أن تُلْقِيَه في اليَمِّ بعدَ وِلادِها إياه وبعدَ رَضاعِها.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لما وضَعتْه أرْضَعتُه، ثم دعَت له نجارًا، فجعَل له تابوتًا، وجعَل مِفتاحَ التابوتِ من داخلٍ، وجعَلَتْه فيه، وألقَتْه في اليَمِّ ¬تقدم أوله في ص 150.¥.
وأَولَى قولٍ قيل في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أمَر أمَّ موسى أن تُرْضِعَه، فإذا خافت عليه من عدوِّ اللهِ فرعونَ وجندِه أَن تُلْقِيَه في اليَمِّ. وجائزٌ أن تكونَ خافَتْهم عليه بعدَ أشهرٍ من وِلادِها إياه. وأيُّ ذلك كان، فقد فعَلَت ما أَوْحَى اللهُ إليها فيه، ولا خبرَ قامت به حجةٌ، ولا [في فطرةِ] ¬في م: "فطرة في".¥ العقلِ بيانُ ¬في م: "لبيان".¥ أيِّ ذلك كان من أيٍّ، فأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ أن يقالَ كما قال جلَّ ثناؤُه.
واليَمُّ الذي أُمِرَت أن تُلْقيَه فيه هو النيلُ.
كما حدَّثنا موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ}. قال: هو البحرُ، وهو النيلُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2942 من طريق عمرو بن حماد به، وتقدم أوله في ص 150.¥.
وقد بَيَّنَّا ذلك بشواهدِه، وذِكرِ الروايةِ فيه فيما مضَى، بما أَغنَى عن إعادته ¬ينظر ما تقدم في 16/ 58.¥.
وقوله: {وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي}. يقولُ: لا تَخافي على ولدِك من فرعونَ وجندِه أن يَقْتُلوه، ولا تَحْزَنى لفِراقِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: {وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي}. قال: لا تَخافى عليه البحرَ، ولا تحزَنى لفِراقِه، {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2942 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.¥.
وقولُه: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}. يقولُ: إنا رادُّو ولدِك إليك للرَّضاعِ؛ لتكُونى أنت تُرْضِعينه، وباعِثوه رسولًا إلى من تَخافِينه عليه أن يَقْتُلَه. وفعَل اللهُ ذلك بها وبه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ}: وباعثوه رسولًا إلى هذه الطاغيةِ، وجاعلو هلاكِه ونجاةِ بني إسرائيلَ مما هم فيه من البلاء على يديه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2943 من طريق سلمة به.¥.