تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)}.
يقولُ تعالى ذكره: وأصبَح الذين تمنَّوْا مكانَه ¬بعده فى م، ت 1: "بالأمس".¥ مِن الدنيا وغِناه وكثرةَ مالِه وما بُسِط له منها، {بِالْأَمْسِ} يعنى قبلَ أن ينزلَ به ما نزَل مِن سَخَطِ اللهِ وعِقابِه، يقولون: {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ}.
اختُلف في معنى: {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ}. فأما قتادةُ فإنه رُوِى عنه في ذلك قولان؛ أحدُهما، ما حدَّثنا به ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ خالدٍ، ابنُ عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بشيرٍ، عن قتادةَ، قال في قولِه: {وَيْكَأَنَّهُ}. قال: ألم تَرَ أنه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 3022 من طريق محمد بن خالد به.¥!
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَيْكَأَنَّهُ}: أَوَ لَا تَرى أنه ¬أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 9/ 3021 من طريق يزيد به.¥.
وحدَّثني إسماعيلُ بن المُتوكَّلِ الأشْجَعيُّ، قال: ثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: ثنى مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ: {وَيْكَأَنَّهُ}. قال: ألم تَرَ أنه.
والقولُ الآخرُ، ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ}. قال: أو لا ¬في م: "لم".¥ يعلمُ أن اللهَ، {وَيْكَأَنَّهُ}: أوَ لا يعلمُ أنه ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 94 - ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره 9/ 3021، 3022 - عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 139 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
وتأوَّل هذا التأويلَ الذي ذكَرناه عن قتادةَ في ذلك أيضًا بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ ¬هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن 2/ 112.¥، واستَشهَد لصحةِ تأويلِه ذلك كذلك بقولِ الشاعرِ ¬البيتان في الكتاب 2/ 155، والخزانة 6/ 410 منسوبان لزيد بن عمرو بن نفيل، وفى البيان والتبيين 1/ 235 منسوبان لأبى الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.¥:
سَأَلَتانِي الطَّلاقَ أنْ [رَأتاني ... قَلَّ مالي] ¬فى البيان والخزانة: "رأتا مالي قليلا".¥ قد جِئْتُمانى ¬في م: "جئتما".¥ بِنُكْرِ
وَيْكَأَنْ مَنْ يَكُنْ لَه نَشَبٌ ... يُحْبَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ ¬معاني القرآن 2/ 312.¥: "وَيْكَأَنَّ" في كلامِ العربِ تَقْريرٌ، كقولِ الرجلِ: أما تَرى إلى صُنْعِ اللهِ وإحسانِه! وذكَر أنه أخبَره مَن سمِع أعرابيةً تقولُ لزوجِها: أينَ ابنُكَ ¬في ص، ت 1: "ابنا"، وفى م: "ابننا"، وفى ت 2: "اينا". والمثبت من معاني القرآن.¥؟ فقال: وَيْكَأَنَّه وراءَ البيتِ. معناه: أما تَرَيْنَه وراءَ البيتِ؟ قال: وقد يذهبُ بها بعضُ النحويِّين إلى أنهما ¬فى م: "أنها".¥ كلمتان، يريدُ: وَيْكَ أَنَّه. كأنه أرادَ "وَيْلَك"، فحذَف اللامَ، فتُجعل "أنَّ" مفتوحةً بفعلٍ مضمرٍ، كأنه قال: وَيْلَك، أعلمُ أنه وراء البيتِ ¬فى ص، ت 1، ت 2: "الباب".¥. فأضمَر "أعلمْ". قال: ولم نجدِ العربَ تُعْمِلُ الظَّنَّ مُضْمَرًا، ولا العلمَ وأشْباهَه فى "أنَّ"؛ وذلك أنه يبطُلُ إذا كان بينَ الكلمتَين، أو في آخرِ الكلمةِ، فلما أُضمر جرَى مَجْرَى التركِ ¬فى النسخ: "المتأخر". والمثبت من معانى القرآن.¥، ألَا تَرى أنه لا يجوزُ في الابتداءِ أن تَقولَ: يا هذا، إنك قائمٌ، و: يا هذا أَنْ قُمْتَ. تريدُ: علِمتُ، أو أعلمُ، أو ظننتُ، أو أظنُّ. وأما حذفُ اللامِ من قولِك: وَيْلَك. حتى تصيرَ: وَيْكَ. فقد تقولُه العرب
ُ؛ لكثرتِها في الكلامِ، قال عنترةُ ¬شرح ديوانه ص 128.¥:
ولقد شَفَى نَفْسى وأَبْرَأَ سُقْمَها ... قَوْلُ الفَوَارسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ
قال: وقال آخرون: إن معنى قولِه: {وَيْكَأَنَّ}. "وى" منفصلةٌ من "كأنَّ"، كقولِك للرجلِ: وَىْ، أما ترى ما بينَ يدَيك؟ فقال: "وَىْ" ثم استأنَف: "كأن اللهَ يبسطُ الرزقَ". وهى تَعَجَّبٌ، و "كأنَّ" في معنى الظنِّ والعلمِ، فهذا وَجْهٌ يستقيمُ. قال: ولم تكتُبْها العربُ منفصلةً، ولو كانت على هذا لكَتَبوها منفصلةً، وقد يجوزُ أن تكونَ كثُر بها الكلامُ، فوُصِلَت بما ليست منه.
وقال آخرُ منهم: إن "وَىْ" تنبيهٌ، و "كأن" حرفٌ آخر غيرُه، بمعنى: لعل الأمرَ كذا، وأظنُّ الأمرَ كذا؛ لأن "كأنَّ" بمنزلةِ "أظنُّ وأحسبُ وأعلمُ".
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصحةِ القولُ الذى ذكَرنا عن قتادةَ، مِن أن معناه: ألم تَرَ، ألم تعلَمْ. للشاهدِ الذى ذكَرنا فيه مِن قولِ الشاعرِ والروايةِ عن العربِ، وأن "ويكأنَّ" فى خطِّ المصحفِ حرفٌ واحدٌ.
ومتى وُجِّه ذلك إلى غيرِ التأويلِ الذى ذكَرنا عن قتادةَ، فإنه يصيرُ حرفَين، وذلك أنه إن وُجِّهَ إلى قولِ مَن تأوَّله بمعنى: وَيْلَك أعلمُ أن اللهَ. وجَب أَن يَفْصِلَ "وَيْكَ" مِن "أنَّ"، وذلك خلافُ خطِّ جميعِ المصاحفِ، مع فسادِه في العربيةِ، لما ذكَرنا. وإن وُجِّهَ إلى قولِ مَن يقولُ: "وَىْ" بمعنى التَّنْبيهِ، ثم استأنَف الكلامَ بـ "كأَنَّ"، وجَب أن يُفْصَلَ "وَىْ" من "كأنَّ"، وذلك أيضًا خلافُ خطوطِ المصاحفِ كلِّها.
فإذ كان ذلك حرفًا واحدًا، فالصوابُ مِن التأويلِ ما قالَه قتادةُ، وإذ كان ذلك هو الصوابَ، فتأويلُ الكلامِ: وأصبَح الذين تَمَنَّوا مكانَ قارونَ وموضعَه مِن الدنيا بالأمسِ، يقولون لمَّا عايَنوا ما أحَلَّ اللهُ به من نِقْمَتِهِ: أَلم تَرَ يا هذا أن اللهَ يبسطُ الرزقَ لمَن يشاءُ مِن عبادِه، فيُوَسِّعَ عليه، لا لفضلِ منزلتِه عندَه، ولا لكرامتِه عليه، كما كان بسَط من ذلك لقارونَ، لا لفضلِه ولا لكرامتِه عليه، {وَيَقْدِرُ}. يقولُ: ويُضَيِّقُ على مَن يشاءُ من خلقِه ذلك ويُقَتِّرُ عليه، لا لهوانه عليه ¬سقط من: م.¥ ولا لسُخْطِه عملَه.
وقولُه: {لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا}. يقولُ: لولا ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2.¥ أن تفضَّلَ اللهُ علينا، فصرَف عَنَّا ما كنَّا نَتَمَنَّاه بالأمسِ {لَخَسَفَ بِنَا}.
واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سِوى شيبةَ: (لخُسِفَ بِنَا). بضَمِّ الخاءِ وكسرِ السينِ ¬وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى بكر وابن عامر وأبي عمرو وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف. ينظر النشر 2/ 256.¥، وذُكِر عن شيبةَ والحسنِ: {لَخَسَفَ بِنَا}. بفتحِ الخاءِ والسينِ ¬معانى القرآن للفراء 2/ 313، وبها قرأ حفص ويعقوب. النشر 2/ 256.¥، بمعنى: لخسَف اللهُ بنا.
وقولُه: {وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}. يقولُ: ألم يعلمْ أنه لا يُفلِحُ الكافرون، فتُنْجِحَ طَلِباتُهم.