এই আয়াতের তাফসীর

সূরা ৪ : আয়াত ২৯

Concise Quran Commentary

O you who have faith in Allah and follow His Messenger, do not take the money of others unjustly, by force, stealing, bribery or by any other unjust means. Instead, money should come from trade through mutual agreement and goodwill between the seller and buyer. In this way, it is lawful for you to enjoy and use such money. Do not kill one another, and do not kill yourselves, and do not throw yourselves to ruin. Allah is Compassionate with you, and from His mercy He makes these laws.

المختصر في تفسير القرآن الكريم

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبَعوا رسوله، لا يأخذ بعضكم مال بعض بالباطل، كالغصب والسرقة والرشوة وغيرها، إلا أن تكون الأموال أموال تجارة صادرة عن تراضي المتعاقدين، فيحل لكم أكلها والتصرف فيها، ولا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يقتل أحدكم نفسه، ولا يُلْقِ بها إلى التهلكة، إن الله كان بكم رحيمًا، ومن رحمته حَرَّم دماءكم وأموالكم وأعراضكم.

সংক্ষিপ্ত তাফসীর

২৯. হে আল্লাহতে বিশ্বাসী ও তাঁর রাসূলের অনুসারী মু’মিনরা! তোমাদের কেউ যেন বাতিল পন্থায় অন্যের সম্পদ গ্রাস না করে। যেমন: ঘুষ, চুরি, অপহরণ ইত্যাদি। তবে চুক্তিবদ্ধ উভয় পক্ষের সন্তুষ্টির ভিত্তিতে অর্জিত ব্যবসার সম্পদ তোমাদের জন্য খাওয়া ও খরচ করা বৈধ। তোমাদের কেউ যেন অন্যকে হত্যা না করে আর না সে আত্মহত্যা ও নিজকে ধ্বংসের সম্মুখীন করে। নিশ্চয়ই আল্লাহ তা‘আলা তোমাদের প্রতি দয়াশীল। তাঁর দয়ার কারণেই তিনি তোমাদের রক্ত, সম্পদ ও ইজ্জত অন্যের উপর হারাম করে দিয়েছেন।

تفسير البغوي (معالم التنزيل)

قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} بِالْحَرَامِ، يَعْنِي: بِالرِّبَا وَالْقُمَارِ وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَنَحْوَهَا، وَقِيلَ: هُوَ الْعُقُودُ الْفَاسِدَةُ {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً}، قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ {تِجَارَةً} نُصِبَ عَلَى خَبَرِ كَانَ، أَيْ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَمْوَالُ تِجَارَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ، أَيْ: إِلَّا أَنْ تَقَعَ تِجَارَةٌ، {عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} أَيْ: بِطِيبَةِ نَفْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يُجِيزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَيَلْزَمُ، وَإِلَّا فَلَهُمَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا لِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ" ¬أخرجه البخاري في البيوع، باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا: 4/ 328، ومسلم في البيوع، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين برقم (1531): 3/ 1163، والمصنف في شرح السنة: 8/ 39.¥. {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ لَا تُهْلِكُوهَا، كَمَا قَالَ: "وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ" (الْبَقَرَةِ -195)، وَقِيلَ: لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بِأَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ قَتْلَ الْمُسْلِمِ نَفْسَهُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ¬أخرجه مسلم في الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، برقم (110): 1/ 104 والمصنف في شرح السنة: 10/ 154.¥. حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ زِيَادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاذٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَنِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ الْقَاضِي، أَنَا أَبُو مُوسَى الزَّمِنُ، أَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، أَخْبَرَنَا أَبِي، قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ: أَخْبَرَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَرَابٌ فَجَزِعَ مِنْهُ، فَأَخْرَجَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ" فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ فَحَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ" ¬أخرجه البخاري في الأنبياء، باب ما يذكر عن بني إسرائيل: 6/ 496، ومسلم في الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، برقم (113): 1/ 107 بلفظ مقارب، والمصنف في شرح السنة: 10/ 155.¥ وَقَالَ الْحَسَنُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} يَعْنِي: إِخْوَانَكُمْ، أَيْ: لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، أَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "اسْتَنْصَتَ النَّاسَ" ثُمَّ قَالَ: "لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" ¬أخرجه البخاري في الفتن، باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا ترجعوا بعدي كفارا" 13/ 26 وفي مواضع أخرى، ومسلم في الإيمان، باب معنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا ترجعوا بعدي كفارا، برقم (65): 1/ 81 - 82. والمصنف في شرح السنة: 10/ 221 - 222.¥.

تفسير ابن كثير

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)}. ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضًا بالباطل؛ أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في [غالب الحكم الشرعي] ¬كذا في (ح) و (حم) و (مح)، وفي الأصل: "غالب الشرع".¥ مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، حتى قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيته أخذته، وإلا رددته ورددت معه درهمًا، قال: هو الذي قال الله - عز وجل - فيه: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق حماد عن داود بن أبي هند به، وسنده حسن.¥. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، عن داود الأودي، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله في الآية، قال: إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الطبراني وصححه السيوطي (الدر 2/ 143)، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (المجمع 7/ 3).¥. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لما أنزل الله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل أموالنا، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكيف للناس؟ فأنزل الله بعد ذلك {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ... } الآية [النور: 61] ¬أخرجه ابن حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.¥. وكذا قال قتادة ¬أخرجه ابن حاتم بسند ضعيف فيه محمد بن أبي حماد: مقبول ويشهد له سابقه.¥. وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} قرئ (تجارة) بالرفع وبالنصب ¬كلاهما قراءتان متواترتان.¥، وهو استثناء منقطع، كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، ولكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال، كما قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151]، وكقوله: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان: 56]. ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي - رحمه الله - على أنه لا يصح البيع إلا بالقول، لأنه يدل على التراضي نصًا بخلاف المعاطاة، فإنها قد لا تدل على الرضى ولا بدّ، وخالف الجمهور في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهم، فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي فكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعًا، فصححوا بيع المعاطاة مطلقًا، ومنهم من قال: يصح في المحقرات وفيما يعده الناس بيعًا وهو احتياط نظر من محققي المذهب، والله أعلم. وقال مجاهد: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} بيعًا أو عطاء يعطيه أحد أحدًا، ورواه ابن جرير ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.¥، ثم قال: وحدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن القاسم، عن سليمان الجعفي، عن أبيه، عن ميمون بن مهران، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلمًا" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع وإرسال ميمون بن مهران.¥. هذا حديث مرسل. ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" ¬صحيح البخاري، البيوع، باب كم يجوز الخيار (ح 2107)، وصحيح مسلم، البيوع، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين (ح 1531).¥، وفي لفظ البخاري: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا"، وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث أحمد والشافعي وأصحابهما وجمهور السلف والخلف، ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام بحسب ما يتبين فيه حال البيع ولو إلى سنة في القرية ونحوها، كما هو المشهور عن مالك - رحمه الله -، وصححوا بيع المعاطاة مطلقًا وهو قول في مذهب الشافعي، ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعًا، وهو اختيار طائفة من متأخري الأصحاب. والله أعلم. كما هو متفق عليه. وقوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} أي: بارتكاب محارم الله، وتعاطي معاصيه، وأكل أموالكم بينكم بالباطل {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} أي: فيما أمركم به ونهاكم عنه. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أنه قال لما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم -، عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ذكرت ذلك له، فقال: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب" قال: قلت: يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قول الله - عز وجل -: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل شيئًا ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 4/ 203، 204)، وفي سنده ابن لهيعة وقد توبع في رواية أبي داود فأخرجه من طريق ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب به (السنن، الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟ ح 335)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 324)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 1/ 177).¥، وهكذا رواه أبو داود من طريق يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب [به. ورواه أيضًا عن محمد بن أبي سلمة، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب] ¬ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (ح) و (حم) و (مح).¥ عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عنه ... فذكر نحوه، وهذا ¬المصدر السابق.¥ - والله أعلم - أشبه بالصواب. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد البلخي، حدثنا محمد بن صالح بن سهل البلخي، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يوسف بن خالد، حدثنا زياد بن سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب، فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكروا ذلك له فدعاه فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله، خفت أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ... } الآية، فسكت عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ¬في سنده يوسف بن خالد بن عمير: متروك (التقريب ص 610)، وتقدم تخريجه وتصحيحه في الحديث السابق من طرق أخرى.¥، ثم أورد ابن مردويه عند هذه الآية الكريمة من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدًا مُخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بسم تردى به فسمه في يده، يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه، فهو مترد في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا" وهذا الحديث ثابت في الصحيحين ¬صحيح البخاري، الطب، باب شرب السم والدواء (ح 5778)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان (ح 109).¥، وكذلك رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه، وعن أبي قلابة، عن ثابت بن الضحاك - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة" ¬صحيح البخاري، الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس (ح 1363).¥، وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من طريق أبي قلابة. وفي الصحيحين من حديث الحسن، عن جندب بن عبد الله البجلي، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح فأخذ سكينًا نحر بها يده، فما رقأ الدم حتى مات"، قال الله - عز وجل -: "عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة" ¬صحيح البخاري، الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس (ح 1364)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه 180.¥. ولهذا قال تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا}.

التفسير الميسر

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا يحل لكم أن يأكل بعضكم مال بعض بغير حق، إلا أن يكون وَفْقَ الشرع والكسب الحلال عن تراض منكم، ولا يقتل بعضكم بعضًا فتهلكوا أنفسكم بارتكاب محارم الله ومعاصيه. إن الله كان بكم رحيمًا في كل ما أمركم به، ونهاكم عنه.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)}. {29} ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وهذا يشمل أكلَها بالغصوب والسرقات وأخذَها بالقمار والمكاسب الرديئة، بل لعله يدخل في ذلك أكل مال نفسِك على وجه البطر والإسراف؛ لأن هذا من الباطل، وليس من الحق. ثم إنه لما حرَّم أكلها بالباطل؛ أباح لهم أكلها بالتجارات والمكاسب الخالية من الموانع المشتملة على الشروط من التراضي وغيره. {ولا تقتلوا أنفسكم}؛ أي: لا يقتل بعضكم بعضاً، ولا يقتل الإنسان نفسه، ويدخل في ذلك الإلقاء بالنفس إلى التهلكة وفعل الأخطار المفضية إلى التلف والهلاك {إنَّ الله كان بكم رحيماً}: ومن رحمته أن صان نفوسَكم وأموالكم ونهاكم عن إضاعتها وإتلافها ورتَّب على ذلك ما رتَّبه من الحدود. وتأمل هذا الإيجاز والجمع في قوله {لا تأكلوا أموالكم} {ولا تقتلوا أنفسكم}؛ كيف شمل أموال غيرك ¬في (ب): «أموال غيرك وأنفسهم».¥ ومال نفسك وقتل نفسك وقتل غيرك بعبارة أخصر من قوله: لا يأكل بعضكم مال بعض ولا يقتل بعضكم بعضاً؛ مع قصور هذه العبارة على مال الغير ونفس الغير، مع أن إضافة الأموال والأنفس إلى عموم المؤمنين فيه دلالة على أنَّ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم ومصالحهم كالجسد الواحد؛ حيث كان الإيمان يجمعهم على مصالحهم الدينية والدنيوية. ولما نهى عن أكل الأموال بالباطل التي فيها غاية الضرر عليهم، على الآكل ومن أخذ ماله؛ أباح لهم ما فيه مصلحتهم من أنواع المكاسب والتجارات وأنواع الحرف والإجارات، فقال: {إلا أن تكون تجارةً عن تراضٍ منكم}؛ أي: فإنها مباحة لكم. وشَرَطَ التراضي مع كونها تجارةً لدلالة أنه يشترط أن يكون العقد غير عقد رباً، لأنَّ الربا ليس من التجارة، بل مخالفٌ لمقصودها، وأنه لا بدَّ أن يرضى كلٌّ من المتعاقدين ويأتي به اختياراً، ومن تمام الرِّضا أن يكون المعقودُ عليه معلوماً؛ لأنه إذا لم يكن كذلك؛ لا يتصوَّرُ الرِّضا، مقدوراً على تسليمه؛ لأنَّ غير المقدور عليه شبيهٌ ببيع القمار؛ فبيع الغرر بجميع أنواعه خالٍ من الرِّضا فلا ينفذ عقده. وفيها أنه تنعقد العقودُ بما دلَّ عليها من قول أو فعل؛ لأن الله شرط الرِّضا، فبأيِّ طريق حصل الرِّضا؛ انعقد به العقد. ثم ختم الآية بقوله: {إن الله كان بكم رحيماً}: ومن رحمتِهِ أن عصم دماءكم وأموالَكم، وصانَها، ونهاكُم عن انتهاكِها.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)

<br>القولُ في تأويلِ قولِه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}.<br>يعني بذلك جلَّ ثناؤه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: صَدَّقوا الله ورسولَه {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}، يَقُولُ: لا يَأْكُلْ بعضُكم أموالَ بعضٍ بما حُرِّم عليه مِن الرِّبا ¬في ص، س، ت 1: "الزنا".¥ والقِمارِ، وغيرِ ذلك من الأمورِ التي نهاكم اللهُ عنها، {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً}.<br>كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}: أمَّا ¬في م: "نهى عن".¥ أَكْلُهم أموالَهم بينَهم بالباطلِ، فبالرِّبا ¬في م: "وبالربا"، وفي ت 1: "فالزنا"، وفي س: "والزنا"، وفي تفسير ابن أبي حاتم: "فبالزنا".¥ والقمارِ والنَّجْشِ ¬في م، ت 1: "البخس"، وفي س: "النجس". والنَّجْش: هو أن يريد الإنسان أن يبيع بياعة فتساومه فيها بثمن كثير؛ لينظر إليك ناظر فيقع فيها. التاج (ن ج ش).¥ والظلمِ، إلا أن تَكُونَ تجارةً، لِيَرْبَحْ في الدرهمِ ألفًا إن اسْتَطاع ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 927، 928 (5183، 5185) من طريق أحمد بن المفضل به.¥.<br>حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا خالدٌ الطَّحّانُ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ أبى هندٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه تعالى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}. قال: الرجلُ يَشْتَرى السِّلعةَ، فيَرُدُّها ويردُّ معها درهمًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 321 (1703)، 3/ 927 (5182) من طريق داود بن أبي هند به بمعناه. وقد تقدم في 3/ 278 من طريق خالد عن داود عن عكرمة قوله.¥.<br>حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ في الرجلِ يَشْتَرى مِن الرجلِ الثوبَ، فَيَقُولُ: إن رَضِيته أَخَذْته، وإلا رَدَدْته وردَدت معه درهمًا. قال: هو الذي قال اللهُ: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}.<br>وقال آخرونَ: بل نَزَلَتْ هذه الآيةُ بالنَّهْيِ عن أن يَأْكُلَ بعضُهم طعامَ بعض إلا بِشِراءٍ، فأما قِرًى فإنه كان محظورًا بهذه الآيةِ، حتى نُسِخ ذلك بقولِه في سورةِ النورِ: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ} الآية [النور: 61].<br>ذكرُ مَن قال ذلك<br>حدَّثني محمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسنِ بن واقدٍ، عن يزيدَ النَّحْويِّ، عن عِكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا في قولِه: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} الآية. فكان الرجلُ يَتَحَرَّجُ أن يَأْكُلَ عندَ أحدٍ من الناسِ بعدما نزَلتْ هذه الآيةُ، فنُسِخ ذلك بالآيةِ التي في "النورِ"، فقال: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} ¬في النسخ: "ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم"، وأثبتنا نصَّ التلاوة.¥ إلى قولِه: {جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} [النور: 61]. فكان الرجلُ الغنيُّ يَدْعو الرجلَ من أهلِه إلى الطعامِ، فيَقُولُ: إني لأَتَجَنَّحُ - والتَّجَنُّحُ: التَّحَرُّجُ - ويَقُولُ: المساكينُ أحقُّ به منى، فأحلَّ مِن ذلك أن تَأْكُلوا مما ذكِر اسمُ اللهِ عليه، وأحلَّ طعامَ أهلِ الكتابِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 143 إلى المصنف مختصرًا.¥.<br>قال أبو جعفرٍ: وأولى هذين القولين بالصوابِ في ذلك، قولُ السديِّ؛ وذلك أن الله تعالى ذكرُه حرَّم أكْلَ أموالِنا بينَنا بالباطلِ. ولا خلافَ بينَ المسلمين أن أكلَ ذلك حرامٌ علينا، فإن الله لم يُحِلُّ قَطُّ أكلَ الأموالِ بالباطلِ.<br>وإذا كان ذلك كذلك، فلا معنَى لقولِ مَن قال: كان ذلك نهيًا عن أكلِ الرجلِ طعامَ أخيه قِرًى، على وَجْهِ ما أُذِن له، ثم نُسِخ ذلك. لنقلِ علماءِ الأمةِ جميعًا وجُهَّالِها؛ أن قِرَى الأضيافِ وإطعامَ الطعامِ كان مِن حميدِ أفعالِ أهلِ الشركِ والإسلامِ، التي حَمِد اللهُ أهلَها عليها ¬في م: "عليهم".¥ ونَدَبَهم إليها، وأن الله لم يُحَرِّمْ ذلك في عصرٍ مِن العصورِ، بل ندَب اللهُ عبادَه وحَثَّهم عليه. وإذا كان ذلك كذلك، فهو من معنى الأكْلِ بالباطلِ خارجٌ، ومِن أنْ يَكُونَ ناسخًا أو منسوخًا بمَعْزِلٍ؛ لأن النَّسْخَ إنما يَكُونُ لمنسوخٍ، ولم يَثْبتِ النهيُ عنه، فيَجُوزَ أن يَكُونَ منسوخًا بالإباحةِ. وإذا كان ذلك كذلك، صحَّ القولُ الذي قلناه - من أن الباطلَ الذي نهَى اللهُ عن أكلِ الأموالِ به، هو ما وَصَفْنا مما حرَّمه على عبادِه في تنزيلِه، أو على لسانِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - وفَسَد ¬في م: "شد"، وفي س: "فساد".¥ ما خالَفه. واخْتَلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}؛ فقرَأها بعضُهم: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ). رَفْعًا ¬قرأ بذلك ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر. <br>السبعة في القراءات ص 231، وحجة القراءات ص 199.¥، بمعنى: إلا أن تُوجَدَ تجارةٌ، أو: تَقَعَ تجارةٌ، عن تراضٍ منكم، فيَحِلَّ لكم أكلُها حينَئذٍ بذلك المعنى. ومذهبُ مَن قرأ ذلك على هذا الوجهِ ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "إلا".¥، أَنَّ "تكونَ" تامَّةٌ ههنا لا حاجةَ بها إلى خبرٍ، على ما وَصَفتُ. وبهذه القراءةِ قرَأ أكثرُ أهلِ الحجازِ وأهلِ البصرةِ. وقرَأ ذلك، آخرون وهم عامةُ قرَأةِ الكوفيين: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً}. نصبًا ¬قرأ بذلك حمزة والكسائي وعاصم. السبعة في القراءات ص 231 وحجة القراءات ص 199.¥، بمعنى: إلا أن تَكُونَ الأَمْوَالُ التي تَأْكُلُونها بينَكم تجارةً، عن تراضٍ منكم، فيَحِلَّ لكم هنالك أكْلُها. فتكونُ الأموالُ مُضْمَرَةً في قولِه: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ}، والتجارةُ منصوبةً على الخبرِ. وكلتا القراءتَيْن عندَنا صوابٌ جائزةٌ ¬في م: "جائز".¥ القراءةُ بها ¬في م: "بهما".¥، لاستفاضتِهما ¬في ت 2: "لاستفاضتها".¥ في قَرَأَةِ الأمصارِ مع تقارُب معانِيهما. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإن قراءةَ ذلك بالنصبِ أَعْجَبُ إليَّ مِن قراءتِه بالرفعِ؛ لقوّةِ النصبِ من وجهين؛ أحدُهما: أنّ في {تَكُونَ} ذكرًا من ا<br>لأموال والآخَرُ: أنه لو لم يُجْعَل فيها ذِكرٌ منها، ثم أُفرِدَتْ بـ "التجارةِ"، وهي نكرةٌ، كان فصيحًا في كلامِ العربِ النَّصْبُ، إذ كانت مَبْنِيَّةً على اسمٍ وخبرٍ، فإذا لم يَظْهَرْ معها إلا نكرةٌ واحدةٌ، نَصَبوا ورَفَعوا، كما قال الشاعرُ ¬تقدم البيت بتمامه في 5/ 107.¥:<br>* إذا كان طَعْنًا بينَهم وعِنَاقا *<br>ففى هذه الآيةِ إبانةٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن تكذيبِ قولِ الجهلةِ من المُتَصَوِّفةِ، المنكرين طَلَبَ الأقواتِ بالتجاراتِ والصناعات، واللهُ تعالى يَقُولُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}: اكتسابًا منا ¬في م: "أحل"، وفي س: "من".¥ ذلك بها ¬سقط من: س. وفي ص، م، ت 2: "لها". وأثبتنا ما يقتضيه السياق. والمراد؛ أن ذلك المال أو القوت اكتسابًا منا بالتجارة إذ هي أكل للمال بالحلال. كما سيأتي في الأثر التالي.¥.<br>كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}. قال: التجارة رزقٌ مِن رزقِ اللهِ، وحلالٌ مِن حلالِ الله لمن طَلَبها بصدقِها وبِرِّها، وقد كنا نُحَدَّثُ أن التاجرَ الأمينَ الصدوقَ مع السبعةِ في ظِلِّ العرشِ يومَ القيامةِ ¬أخرجه البيهقي 5/ 263 من طريق سعيد به ببعضه.¥.<br>وأما قولُه: {عَنْ تَرَاضٍ}، فإن معناه كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تبارَك وتعالى: {عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}: في تجارةٍ أو بيعٍ أو عطاءٍ يُعطيه أحدٌ أحدًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 927 (5184) من طريق ابن أبي نجيح به.¥.<br>حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}: في تجارةٍ أو بيعٍ أو عطاءٍ يُعْطيه أحدٌ أحدًا.<br>حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن القاسمِ بن ¬في م: "عن". وينظر الجرح والتعديل 7/ 124، والميزان 3/ 383، واللسان 4/ 469.¥ سليمانَ الجُعْفيِّ، عن أبيه، عن ميمونِ بن مِهْرانَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "البيعُ عن تَراضٍ، والخيارُ بعدَ الصَّفْقَةِ، ولا يَحِلُّ المسلمٍ أن يَغُشَّ مسلمًا" ¬أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 83، 84 عن وكيع به، وعنده: "يغبن" بدل "يغش".¥.<br>حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: المُماسَحَةُ ¬المماسحة من: تَمَاسَحَا: إذا تَبَايَعا فتَصافَقَا. ينظر تاج العروس (م س ح).¥، بَيْعٌ هي؟ قال لا، حتى يُخَيِّرَه، التَّخْيِيرُ بعدَما يَجِبُ البيعُ؛ إن شاء أخَذ، وإن شاء ترَك.<br>واختلَف أهلُ العلم في معنى التراضي في التجارةِ؛ فقال بعضُهم: هو أن يُخَيَّرَ كلُّ واحدٍ من المُتَبايِعَيْنِ بعدَ عَقْدِهما البيعَ بينَهما فيما تَبَايَعا فيه؛ مِن إمضاءِ البيعِ أو نَقْضِه، أو يَتَفرَّقا عن مجلسِهما - الذي تَواجَبًا فيه البيعَ بأبدانِهما - عن تَرَاضٍ منهما بالعَقْدِ الذي تَعاقَداه بينهما قبلَ التَّفاسُخِ.<br>ذكرُ مَن قال ذلك<br>حدَّثنا ابن بشارٍ قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن شُرَيحٍ، قال: اخْتَصَم رجلان، باع أحدُهما مِن ¬باع منه: باع له. ينظر اللسان (ب ى ع).¥ الآخرِ بُرْنُسًا، فقال: إني بِعْتُ مِن هذا بُرْنُسًا، فَأَرْضَيتُه ¬في م: "فاسترضيته".¥ فلم يُرْضِنى. فقال: أَرْضِه كما أرْضاك. قال: إني قد أعطَيْتُه دراهمَ ولم يَرْضَ. قال: أَرْضِه كما أرْضاك. قال: قد أَرْضَيْته فلم يَرْضَ. فقال: البَيِّعان ¬البيعان: هما البائع والمشترى، يقال لكل واحدٍ منهما: بَيِّع وبائع. النهاية 1/ 173.¥ بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (14269)، ووكيع في أخبار القضاة 2/ 339 من طريق ابن سيرين به.¥.<br>حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بن أبي السَّفَرِ، عن الشَّعْبِيِّ، عن شُرَيحٍ، قال: البَيِّعان بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (14271) وابن أبي شيبة 7/ 126، ووكيع في أخبار القضاة 2/ 246، 260 من طريق سفيان الثوري به.¥.<br>حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شُعْبَةَ، عن الحَكَمِ، عن شُرَيحٍ مثلَه ¬أخرجه وكيع في أخبار القضاة 2/ 267 من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه ابن أبي شيبة 7/ 126 من طريق شعبة به.¥.<br>حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن جابرٍ، قال: ثني أبو الضُّحَى، عن شُرَيحٍ أنه قال: البيِّعان بالخيارِ ما لم يَتَفرَّقا. قال: قال أبو الضُّحى: كان شُرَيحٌ يُحَدِّثُ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بنحوِه ¬أخرجه ابن حزم في المحلى 9/ 300 من طريق أبي الضحى في سياق قصة بنحوه، دون قوله: "قال أبو الضحى: كان شريح يحدث ... ".¥.<br>وحدَّثني الحُسينُ ¬في النسخ: "الحسن". والمثبت من تهذيب الكمال 6/ 501.¥ بنُ يزيدَ الطّحانُ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن عبدِ السلامِ، عن رجلٍ، عن أبي حَوْشَبٍ، عن ميمونٍ، قال: اشْتَرَيْتُ مِن ابن سيرينَ سابِرِيًّا ¬السابِريُّ: ثوبٌ، كما جاء في حديث حبيب بن أبي ثابت: رأيت على ابن عباس ثوبا سابريًّا أستشفُّ ما وراءه. كلُّ رَقيقٍ عندهم سابريٌّ، والأصل فيه الدِّرْعُ السابرية، وهي درعٌ دقيقةُ النسجِ في إحكامِ صَنْعةٍ، منسوبة إلى الملك سابور. ينظر النهاية 2/ 334، وتاج العروس (س ب ر).¥، فسام عليَّ سَوْمَه، فقلتُ: أَحْسِنْ، فقال: إما أن تَأْخُذَ، وإما أن تَدَعَ، فَأَخَذْتُ منه، فلَمَّا وَزَنتُ الثمنَ وضَع الدراهمَ، فقال: اخْتَرْ؛ إمَّا الدراهمَ، وإمَّا المتاعَ. فاختَرتُ المَتاعَ فأخَذتُه.<br>حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن الشعبيِّ، أنه كان يقولُ في البَيِّعَين: إنهما بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا، فإذا تَصادَرا ¬تصادرا: انصرفا. ينظر التاج (ص د ر).¥ فقد وَجَب البيعُ.<br>حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحْمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبَيدٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ دينارٍ، عن طَيْسَلَةَ ¬في ص: "طسه" غير منقوطة، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "طيبه"، وفي س: "ظبية"، وينظر تهذيب الكمال 13/ 467، والتاريخ الكبير 4/ 367، والجرح والتعديل 4/ 501.¥، قال: كنتُ في السوقِ وعليٌّ رضِى اللهُ عنه في السوقِ، فجاءتْه جاريةٌ إلى بَيِّعِ فاكهةٍ بدرهمٍ، فقالت: أعْطِني هذا، فأعطاها إياه، فقالت: لا أُريدُه، أَعْطِني درهمي. فأبى، فأَخَذَه منه عليٌّ فأعطاها إياه.<br>حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرة، عن الشعبيِّ، أنه أتى في رجلٍ اشترى مِن رجلٍ بِرْذَونًا ¬البرذون: يُطلق على غير العربي من الخيل والبغال، عظيم الخلقة، غليظ الأعضاء، قوى الأرجل، عظيم الحوافر. ينظر الوسيط (برذن).¥ ووجَب له، ثم إن المُبْتاعَ ردَّه قبلَ أَن يَتَفَرَّقا، فقَضَى أَنه قد وجَب عليه، فشَهِد عندَه أبو الضُّحى: أن شُرَيحًا قضى في مثلِه أَن يَرُدَّه على صاحبِه، فرجع الشعبيُّ إلى قضاءِ شريحٍ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 126 عن جرير به.¥.<br>حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: ثنا هشامٌ، عن ابن سيرينِ، عن شُرَيحٍ، أنه كان يَقُولُ في البَيِّعَيْن: إذا ادَّعى المُشترِى أنه قد أوجَب له البيعَ، وقال البائعُ: لم أوجِبْه ¬في م: "أوجب".¥ له. قال: شاهدان عَدْلان أنكما افْتَرَقْتُما عن تراضٍ بعدَ بيعٍ أو تخايُرٍ، وإلَّا فيمينُ البائِع أنكما ما ¬زيادة يقتضيها السياق.¥ افترقتما عن [بيعٍ ولا] ¬في س: "تراض بعد بيع أو".¥ تخايُرٍ ¬أخرجه وكيع في أخبار القضاة 2/ 362 من طريق هشام بمعناه مختصرا.¥.<br>حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، قال: كان شُرَيحٌ يَقُولُ: شاهدان ذوا عدلٍ أنكما افْتَرَقْتُما عن تراضٍ بعدَ بيعٍ وتخايرٍ، وإلا فيمينُه باللهِ ما تَفَرَّقْتما عن تراضٍ بعدَ بيعٍ أو تخايرٍ.<br>حدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا ابن عَوْنٍ، عن محمدِ بن سِيرينَ، عن شُرَيحٍ، أنه كان يقولُ: شاهدان ذَوَا عدلٍ أنهما تَفَرَّقا عن تراضٍ بعدَ بيعٍ أو تخايرٍ.<br>وعلةُ مَن قال هذه المقالةَ ما حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن [عُبَيدِ اللهِ] ¬في النسخ: "عبد الله". والمثبت من مصادر التخريج.¥، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "كلُّ بَيِّعَين فلا بيعَ بينَهما حتى يَتَفَرَّقا إلا أن يَكُونَ خيارًا" ¬أخرجه مسلم (1531) من طريق ابن المثنى به، وأخرجه أحمد 9/ 151 (5158)، ومسلم (1531)، والنسائي (4478) من طريق يحيى بن سعيد به.¥.<br>حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، قال: ثني يحيى بنُ أيوبَ، قال: كان أبو زُرْعَةَ إذا بايَع رجلًا يَقُولُ له: خيِّرْني. ثم يَقولُ: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَفْتَرقِ اثنانِ إلا عن رضًا" ¬أخرجه أبو داود (3458)، والبيهقي في سننه 5/ 271، من طريق مروان بن معاوية به، وأخرجه أحمد 16/ 537 (10922)، والترمذي (1248) من طريق يحيى بن أيوب به.¥.<br>حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "يا أهلَ البَقيعِ". فسَمِعوا صوتًا، ثم قال: "يا أهلَ البقيعِ". فاشرَأَبُّوا يَنْظُرون حتى عرَفوا أنه صوتُه، ثم قال: "يا أهلَ البقيعِ، لا يَتَفَرَّقَنَّ بَيِّعان إلا عن رِضًا" ¬أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 82 عن ابن علية به مختصرا، وأخرجه عبد الرزاق (14268) من طريق أيوب به، وأخرجه البيهقي 5/ 271 من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.¥.<br>حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا أبو داودَ الطيالسيُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا سِماكٌ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بايَع رجلًا ثم قال له: "اخْتَرْ". فقال: قد اخْتَرْتُ. فقال: "هكذا البيعُ" ¬أخرجه الطيالسي (2797)، ومن طريقه البزار (1283 - كشف)، وابن عدي 3/ 1122، والبيهقي 5/ 270.¥.<br>قالوا: فالتجارةُ عن تراضٍ، هو ما كان على ما بيَّنه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِن تَخْيِيرِ كلِّ واحدٍ مِن المُشترى والبائعِ في إمضاءِ البيعِ فيما يَتَبَايَعانِه بينَهما، أو نقضِه بعدَ عقدِ البيعِ بينَهما وقبلَ الافتراقِ، أو ما تفرَّقا عنه بأبدانِهما عن تراضٍ منهما بعدَ مُواجَبَةِ البيعِ فيه عن مجلِسِهما. فما كان بخلافِ ذلك، فليس مِن التجارةِ التي كانت بينَهما عن تراضٍ منهما.<br>وقال آخرون: بل التراضي في التجارةِ تَواجُبُ عقدِ البيع فيما تَبايَعَه المتبايعان بينَهما، عن رِضًا مِن كلِّ واحدٍ منهما ما مُلِّك عليه صاحبُه، ومَلَّك صاحبَه عليه، افْتَرَقا عن مجلسِهما ذلك أو لم يَفْتَرِقا، تَخايَرا في المجلسِ أو لم يَتَخَايَرا فيه بعدَ عَقْدِه.<br>وعلةُ من قال هذه المقالةَ، أن البيعَ إنما هو بالقولِ، كما أن النكاحَ بالقولِ، ولا خلافَ بينَ أهلِ العلمِ في الإجبارِ في النكاحِ لأحدِ المُتَناكِحَين على صاحبِه، افْتَرَقا أو لم يَفْتَرِقا عن مجلسِهما الذي جرَى ذلك فيه. قالوا: فكذلك حكمُ البيعِ. وتأوَّلوا قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "البيِّعان بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا". على أنه: ما لم يَتَفَرَّقا بالقولِ. وممن قال هذه المقالةَ مالكُ بنُ أنسٍ وأبو حنيفةَ وأبو يوسفَ ومحمدٌ ¬المدونة الكبرى 4/ 188، والموطأ رواية محمد بن الحسن الشيباني ص 253 عقب الحديث (785)، والحجة على أهل المدينة 2/ 680 - 694.¥.<br>قال أبو جعفرٍ: وأولى القولين بالصوابِ في ذلك عندَنا، قولُ مَن قال: إن التجارةَ التي هي عن تراضٍ بينَ المتبايعين، ما تفرَّق المتَبايِعان على المجلسِ - الذي تَوَاجَبا فيه بينَهما عُقْدةَ البيعِ - بأبدانِهما، عن تراضٍ منهما بالعقدِ الذي جرَى بينهما، وعن تخييرِ كلِّ واحدٍ منهما صاحبَه؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرَنا أيوبُ، وحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "البَيِّعان بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا، أو يَكونُ بيعَ خيارٍ". وربما قال: "أو يَقُولُ أحدهما للآخَرِ: اخْترْ" ¬أخرجه أحمد 8/ 64 (4484)، ومسلم (1531)، والنسائي (4482) من طريق ابن علية به.¥.<br>فإذ كان ذلك عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صحيحًا، فليس يَخْلو قولُ أحدِ المُتبايِعَين لصاحبِه: اخْتَر. مِن أن يَكُونَ قبلَ عقدِ البيعِ أو معه أو بعدَه؛ فإن يَكُنْ قبلَه، فذلك الخَلْفُ مِن الكلامِ ¬الخلف من الكلام: الردئ من القول. ينظر الوسيط (خ ل ف).¥ الذي لا معنى له؛ لأنه لم يَمْلِكْ قبلَ عقدِ البيعِ أحدُ المُتبايِعَين على صاحبِه، ما لم يَكُنْ له مالكًا، فيَكُونَ لتخييرِه صاحبَه فيما مَلَك ¬في م: "يملك".¥ عليه وجهٌ مفهومٌ، ولا فيهما مَن يَجْهَلُ أنه بالخيارِ في تمليكِ صاحبِه ما هو له غيرُ مالكٍ بعِوَضٍ يَعْتاضُه منه، فيقالُ له: أنت بالخيارِ فيما تُريدُ أن تُحدِثَهُ مِن بيعٍ أو شراءٍ. أو يَكُونَ - إن بطَل هذا المعنى - تخييرُ كلِّ واحدٍ منهما صاحبَه مع عقدِ البيعِ، ومعنى التخييرِ في تلك الحال نظيرُ معنى التخييرِ قبلَها؛ لأنها حالةٌ لم يَزُلْ فيها عن ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "عين".¥ أحدِهما ما كان مالكَه قبلَ ذلك إلى صاحبِه، فيكون للتخييرِ وجهٌ مفهومٌ، أو يكونَ ذلك بعدَ عقدِ البيعِ، إذا فسَد هذان المعنيان. وإذا كان ذلك كذلك، صحَّ أن المعنى الآخرَ مِن قولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - - أعنى قولَه: <br>"ما لم يَتَفَرَّقا" - إنما هو التَّفَرُّقُ بعدَ عقدِ البيعِ، كما كان التخييرُ بعدَه. إذا صحَّ ذلك، فسَد قولُ مَن زعم أن معنى ذلك إنما هو التفرُّقُ بالقولِ الذي به يَكُونُ البيعُ. وإذا فسَد ذلك، صحَّ ما قلنا مِن أن التخييرَ والافتراقَ إنما هما مَعْنَيانِ بهما يَكُونُ تمامُ البيعِ بعدَ عقدِه، وصحَّ تأويلُ مَن قال: معنى قولِه: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}: إلا أن يَكُونَ أكلُكم الأموالَ التي تأكُلُها بعضُكم لبعضٍ، عن مِلْكٍ منكم عمن ملَكْتُموها عليه، بتجارةٍ تَبايَعْتُموها بينَكم، وافْتَرَقتم عنها عن تَراضٍ منكم بعدَ عقدِ البيعِ بينَكم بأبدانِكم، أو يُخَيِّرَ بعضُكم بعضًا.<br>القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)}.<br>يعني بقولِه ¬في م: "بذلك".¥ جلّ ثناؤُه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}: ولا يَقْتُلْ بعضُكم بعضًا وأنتم أهلُ ملَّةٍ واحدةٍ ودعوةٍ واحدةٍ ودينٍ واحدٍ. فجعَل جلَّ ثناؤُه أهلَ الإسلامِ كلَّهم بعضَهم مِن بعضٍ، وجعَل القاتلَ منهم قتيلًا، في قتلِه إياه منهم، بمنزلةِ قَتْلِه نفسَه، إذ كان القاتلُ والمقتولُ أهلَ يدٍ واحدةٍ على مَن خالَف ملتَهما.<br>وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.<br>ذكرُ مَن قال ذلك<br>حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}. يَقولُ: أهل ملَّتِكم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 144 إلى المصنف وابن المنذر، بلفظ: أهل دينكم.¥.<br>حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءِ بن أبي رَباحٍ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}. قال: قَتْلُ بعضِكم بعضًا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 144 إلى المصنف.¥.<br>وأما قولُه جلَّ ثناؤُه: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}. فإنه يَعْنى أن الله تبارَك وتعالى لم يَزَلْ رحيمًا بخلقِه، ومِن رحمتِه بكم كفُّ بعضِكم عن قتلِ بعضٍ أيُّها المؤمنون، بتحريمِ دماءِ بعضِكم على بعضٍ إلا بحقِّها، وحَظْرِ أكلِ مالِ بعضِكم على بعضٍ بالباطلِ، إلا عن تجارةٍ يَمْلِكُ بها عليه برِضاه وطِيبِ نفسِه، لولا ذلك هَلَكتم وأهْلَك بعضُكم بعضًا، قَتْلًا وسَلْبًا وغَصْبًا.<br>