{أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5)}.
{أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا} أي: جميع ما يكون ويقدره الله تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} أي: إلى الناس رسولًا يتلو عليهم آيات الله مبينات فإن الحاجة كانت ماسة إليه، ولهذا قال تعالى: {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا}.
أقسم الله تعالى بالقرآن الواضح لفظًا ومعنى. إنا أنزلناه في ليلة القدر المباركة كثيرة الخيرات، وهي في رمضان. إنا كنا منذرين الناس بما ينفعهم ويضرهم، وذلك بإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ لتقوم حجة الله على عباده. فيها يُقضى ويُفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة من الملائكة كلُّ أمر محكم من الآجال والأرزاق في تلك السنة، وغير ذلك مما يكون فيها إلى آخرها، لا يبدَّل ولا يغيَّر. هذا الأمر الحكيم أمر مِن عندنا، فجميع ما يكون ويقدره الله تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه. إنا كنا مرسلين إلى الناس الرسل محمدًا ومن قبله؛ رحمة من ربك -أيها الرسول- بالمرسل إليهم. إنه هو السميع يسمع جميع الأصوات، العليم بجميع أمور خلقه الظاهرة والباطنة. خالق السموات والأرض وما بينهما من الأشياء كلها، إن كنتم موقنين بذلك فاعلموا أن رب المخلوقات هو إلهها الحق. لا إله يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له، يحيي ويميت، ربكم ورب آبائكم الأولين، فاعبدوه دون آلهتكم التي لا تقدر على ضر ولا نفع.
<br>وقولُه: {أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}. يقولُ تعالى ذكرُه: في هذه الليلةِ المباركةِ يُفْرَقُ كُلُّ أمرٍ حكيمٍ، أمرًا مِن عندِنا.<br>واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قولِه: {أَمْرًا}؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ ¬في الأصل، ص، م، ت 1: "الكوفة" وهو خطأ. والبصرى هو الأخفش. ينظر قوله في تفسير القرطبي 16/ 128.¥: نُصِب على معنى: إنا أنزَلناه أمرًا ورحمةً؛ على الحالِ. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ ¬في الأصل، ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "البصرة"وهو خطأ. والكوفي هو الفراء. ينظر قوله في معاني القرآن 3/ 39.¥: نُصِب على معنى: يُفْرقُ كلُّ أمرٍ فَرْقًا وأمرًا. قال: وكذلك قوله: {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ}. قال: ويجوز أن تُنصبَ الرحمةُ بوقوعِ {مُرْسِلِينَ} عليها، فجعَل الرحمةَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -.<br>وقولُه: {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا كنا مُرْسِلى رسولِنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - إلى عبادِنا.<br>