تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القول في تأويل قوله: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ}.
يقولُ تعالى ذكرُه لعبادِه: احْذَروا يومَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرسل فيِقولُ لهم: ماذا أجابَتكم أممُكم في الدنيا {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ}.
فـ {إِذْ} مِن صلةِ {أُجِبْتُمْ}. كأن معناها: ماذا أجابَت عيسى الأممُ التي أُرسل إليها عيسى.
فإن قال قائلٌ: وكيف سُئِلَت الرسلُ عن إجابةِ الأممِ إياها في عهدِ عيسى، ولم يَكُنْ في عهدِ عيسى مِن الرسلِ إلا أقلُّ ¬بعده في م، ت 1، ت 2، س: "من".¥ ذلك؟
قيل: جائزٌ أن يكونَ اللَّهُ تعالى ذكرُه عنى بقولِه: {فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ}. الرسلَ الذين كانوا أُرْسِلوا في عهد عيسى، فخرَج الخبرُ مخرجَ الجميعِ، والمرادُ منهم مَن كان في عهدِ عيسى، كما قال تعالى ذكرُه: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173]. والمرادُ واحدٌ مِن الناسِ، وإن كان مخرجُ الكلامِ على جميعِ الناسِ.
ومعنى ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "الكلام".¥: {إِذْ قَالَ اللَّهُ}: حين قال الله ¬سقط مِن: م، ت 2.¥، {يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ}. يقولُ: يا عيسى، اذْكُرْ أياديَّ عندَك وعندَ والدتِك، إذ قوَّيْتُك برُوحِ القُدُسِ وأَعَنْتُك به.
وقد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في {أَيَّدْتُكَ}؛ ما هو مِن الفعلِ؟ فقال بعضُهم: هو فعَّلْتُك، كما ¬بعده في م: "في".¥ قولُك: قوَّيْتُك. فعَّلْتُ مِن القوَّةِ.
وقال آخرون ¬بعده في م: "بل".¥: هو "فاعَلْتُك" مِن الأَيْدِ.
وروى عن مجاهدٍ أنه قرَأ: (إذ آيَدْتُك). ¬وهى قراءة شاذة، قال أبو حيان في البحر المحيط 4/ 51: وقرأ مجاهد وابن محيصن: (آيدتك) على "أفعلتك". وقال ابن عطية: على وزن "فاعلتك". ثم قال أبو حيان: ويظهر أن الأصل في القراءتين "أيدتك" ثم اختلف الإعلال والمعنى فيهما.¥ بمعنى: "أَفْعَلْتُك"، مِن القوةِ والأَيْدِ ¬ينظر ما تقدم في 2/ 221 وما بعدها.¥.
وقولُه: {بِرُوحِ الْقُدُسِ}. يعنى بجبريلَ. يقولُ: إذ أعَنْتُك بجبريلَ.
وقد بيَّنْتُ معنى ذلك، وما معنى "القُدُسِ" فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ ¬في م: "القول".¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110)}.
يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قِيلِه لعيسى: اذكُرْ نعمتى عليك وعلى والدتِك إذ أيَّدتك برُوحِ القُدُس في حالِ تكليمِك الناسَ في المهدِ وكهلًا.
وإنما هذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه أنه أيَّدَه برُوحِ القُدُسِ صغيرًا في المهدِ، وكهلًا كبيرًا، فردَّ "الكَهْلَ" ¬¥ على قولِه: {فِي الْمَهْدِ}؛ لأن معنى ذلك: صغيرًا. كما قال اللهُ تعالى ذكرُه: {دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} [يونس: 12].
وقولُه: {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ}. يقولُ: واذْكُرْ أيضًا نعمتى عليك إذ علَّمتُك {الْكِتَابَ}. وهو الخطُّ، {وَالْحِكْمَةَ}. وهى الفهمُ بمعانى الكتابِ الذي أنْزَلْتُه إليك، وهو الإنجيلُ، {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ}. يقولُ: كصورةِ الطيرِ بإذنى. يعني بقوله: {تَخْلُقُ}: تَعْمَلُ وتُصْلِحُ مِن الطينِ كهيئة الطير {بِإِذْنِي}. يقولُ: بعونى على ذلك، وعلمٍ منى، {فَتَنْفُخُ فِيهَا}. يقولُ: فتنفُخُ في الهيئةِ، فتكونُ الهيئةُ والصورةُ طيرًا بإذنى، {وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ}. يقولُ: وتَشْفِي الأَكمَهَ. وهو الأعمى الذي لا يُبْصِرُ شيئًا، المطموسُ البصرِ، {وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي}.
وقد بيَّنْتُ معانىَ هذه الحروفِ فيما مضَى مِن كتابنا هذا مُفَسَّرًا بشواهدِه، بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضعِ ¬ينظر ما تقدم 5/ 412، وما بعدها.¥.
وقولُه: {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ}. يقولُ: واذْكُرْ أيضًا نِعْمتى علِيك بكفِّى عنك بني إسرائيلَ إذ كفَفْتُهم عنك وقد همُّوا بقتلك، {إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ}. يقولُ: إذ جئتَهم بالأدلةِ والأعلامِ المُعْجِزة على نبوتِك، وحقيقةِ ¬في م: "حقية".¥ ما أرْسَلْتُك به إليهم، {فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ}. يقولُ تعالى ذكرُه: فقال الذين جحَدوا نبوتَك، وكذَّبوك مِن بني إسرائيلَ: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ}.
واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته قرأةُ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ}. يعنى: يُبينُ عما أتَى به لمن رآه ونظَر إليه أنه سحرٌ لا حقيقةَ له ¬وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 249.¥.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (إن هذا إلا ساحرٌ مُبِينٌ) بمعنى: ما هذا - يعنى به عيسى - إلا ساحرٌ مبينٌ ¬وهى قراءة حمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 249.¥. يقولُ: يُبينُ - بأفعالِه، وما يَأْتى به مِن هذه الأمورِ العَجيبةِ - عن نفسِه، أنه ساحرٌ لا نبيٌّ صادقٌ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، مُتَّفقتان غيرُ مختلفتين، وذلك أن كلَّ مَن كان موصوفًا بفعلِ السحرِ، فهو موصوفٌ بأنه ساحرٌ، ومن كان موصوفًا بأنه ساحرٌ، فإنه موصوفٌ بفعل السِّحرِ، فالفعل دالٌّ على فاعلِه، والصفةُ تَدُلُّ على موصوفِها، والموصوفُ يَدُلُّ على صفتِه، والفاعلُ يَدُلُّ على فعلِه، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ في قراءتِه.