تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62)}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: وترى يا محمدُ كثيرًا مِن هؤلاء اليهودِ الذين قصَصْتُ عليك نبَأَهم مِن بني إسرائيل، {يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}. يقولُ: يَعْجَلون بمُواقَعةِ الإثمِ.
وقيل: إن الإثمَ في هذا الموضعِ مَعْنيٌّ به الكفرُ.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ في قولِه: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}. قال: الإثمُ الكفرُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1166 (6568) من طريق أحمد بن مفضل به.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}: وكان هذا في حُكّامِ ¬في م، والدر المنثور: "أحكام".¥ اليهودِ بينَ أيديكم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1166 (6569) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 296 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: {يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}. قال: هؤلاء اليهودُ، {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ} إلى قوله: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 62، 63]. قال: {يَصْنَعُونَ} و {يَعْمَلُونَ} واحدٌ، قال لهؤلاء حينَ لم يَنْهَوْا كما قال لهؤلاء حينَ عمِلوا. قال: [وذلك الأركانُ] ¬سقط مِن: م، وكلمة "الأركان" كذا في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س وتفسير ابن كثير، وفي تفسير ابن أبي حاتم: "الأمر كان". واستظهر الشيخ شاكر أن يكون صوابها: "الإدهان".
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1166، 1167 (6567، 6572، 6574) من طريق أصبغ عن ابن زيد، وذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 136 عن ابن زيد.¥.
وهذا القولُ الذي ذكَرْناه عن السديِّ، وإن كان قولًا غيرَ مدفوعٍ جوازُ صحتِه، فإن الذي هو أولى بتأويلِ الكلامِ أن يَكونَ القومُ موصوفِين بأنهم يُسارِعون في جميع مَعاصِى اللَّهِ لا يَتَحاشَوْن مِن شيءٍ منها، لا مِن كفرٍ ولا مِن غيرِه؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه عمَّ في وصفِهم بما وصَفَهم به مِن أنهم يُسارِعون في الإثم والعُدْوانِ، مِن غير أن يَخُصَّ بذلك إِثْمًا دونَ إثمٍ.
وأما العُدْوانُ فإنه مُجاوَزةُ الحدِّ الذي حدَّه اللَّهُ لهم في كلِّ ما حدَّه لهم.
وتأويلُ ذلك أن هؤلاء اليهودَ الذين وصَفَهم في هذه الآياتِ بما وصَفَهم به تعالى ذكرُه، يُسارِعُ كثيرٌ منهم في مَعاصِى اللَّهِ وخِلافِ أَمْرِه، ويَتَعَدَّوْن حُدودَه التي حدَّ لهم، فيما أحَلَّ لهم وحَرَّم عليهم في أكلِهم السُّحْتَ، وذلك الرِّشْوةُ التي يَأْخُذونها مِن الناسِ على الحكمِ بخلافِ حكمِ اللَّهِ فيهم.
يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. يقولُ: أُقْسِمُ لَبِئسَ العمل ما كان هؤلاء اليهودُ يَعْمَلُون في مُسارَعتِهم في الإثمِ والعُدْوانِ وأَكْلِهم السُّحْتَ.