تفسير ابن كثير
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)}.
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ} أي: كونوا قوامين بالحق لله عزَّ وجلَّ، لا لأجل الناس والسمعة، وكونوا {شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} أي: بالعدل لا بالجور، وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير أنه قال: نحلني أبي نحلًا ¬أي أعطاني والدي أُعطية.¥ فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاءه ليشهده على صدقتي، فقال: "أكلُ ولْدك، نحلت مثله؟ " قال: لا، فقال: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم". وقال: "إني لا أشهد على جور" قال: فرجع أبي فردّ تلك الصدقة ¬صحيح البخاري، الهبة، باب الإشهاد في الهبة (ح 2587)، وصحيح مسلم، الهبات، باب لا يشهد على شهادة جور (ح 2650).¥.
وقوله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد صديقًا كان أو عدوًا، ولهذا قال: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} أي: عدلكم أقرب إلى التقوى من تركه، ودلّ الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه، كما في نظائره من القرآن وغيره، كما في قوله: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} [النور: 28].
وقوله: {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24)} [الفرقان] وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ¬صحيح البخاري، فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب (ح 3683)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - (ح 2396).¥.
ثم قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي: وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ولهذا قال بعده {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ}.