এই আয়াতের তাফসীর

সূরা ৬ : আয়াত ১২১

সূরা ৬ : আয়াত ১২১

وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ

আর যে পশুতে আল্লাহর নাম নেওয়া হয়নি তার কিছুই তোমারা খেও না। কারণ তা গর্হিত কাজ । নিশ্চয়ই শয়তানরা তাদের বন্ধুদেরকে তোমাদের সাথে বিবাদ করতে প্ররোচনা দেয়। আর যদি তোমারা তাদের অনুগত্য করো, তবে তোমারা অবশ্যই মুশরিক।

এই আয়াতে নির্বাচিত ভাষার তাফসীর নেই; উপলব্ধ পাঠ দেখানো হচ্ছে।

تفسير ابن كثير

{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)}.

استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها، وإن كان الذابح مسلمًا، وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

فمنهم من قال لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمدًا أو سهوًا، وهو مروي عن ابن عمر، ونافع مولاه، وعامر الشعبي، ومحمد بن سيرين، وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار أبي ثور، وداود الظاهري، واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي، من متأخري الشافعية، في كتابه "الأربعين"، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4] ثم قد أكد في هذه الآية بقوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} والضمير قيل عائد على الأكل، وقيل عائد على الذبح لغير الله، وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، كحديثي عَدي بن حاتم وأبي ثعلبة: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك" وهما في الصحيحين ¬تقدم تخريجه من حديث عَدي وأبي ثعلبة في تفسير سورة المائدة آية 4.¥، وحديث رافع بن خديج: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه" وهو في الصحيحين أيضًا ¬تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية 3.¥، وحديث ابن مسعود: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للجن: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه" رواه مسلم ¬صحيح مسلم، الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح (ح 450).¥، وحديث جندب بن سفيان البجلي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح، حتى صلينا فليذبح باسم الله" أخرجاه ¬صحيح البخاري، العيدين، باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد (ح 985) وصحيح مسلم، الأضاحي: باب وقت الأضاحي (ح 1960).¥، وعن عائشة - رضي الله عنها -: أن ناسًا قالوا: يا رسول الله إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: "سموا عليه أنتم وكلوا" قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر رواه البخاري ¬صحيح البخاري، البيوع، باب من لم يرَ الوساوس ... (ح 2057).¥.

ووجه الدلالة أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها، وخشوا أن لا تكون وجدت من أولئك لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل، لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين عن السداد، والله أعلم.

والمذهب الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة، فإن تركت عمدًا أو نسيانًا لا يضرّ، وهذا مذهب الإمام الشافعي - رحمه الله -، وجميع أصحابه، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل نقلت عنه. وهو رواية عن الإمام مالك، ونصّ على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه، وحُكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح، والله أعلم.

وحمل الشافعي الآية الكريمة {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} على ما ذبح لغير الله، كقوله تعالى: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145] وقال ابن جريج عن عطاء {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} قال: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش للأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق يحيى بن أبي زائدة عن ابن جريج به.¥. وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي قوي، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن جعل الواو في قوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} حالية، أي: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقًا، ولا يكون فسقًا حتى يكون قد أهل به لغير الله. ثم ادعى أن هذا متعين ولا يجوز أن تكون الواو عاطفة، لأنه يلزم منه عطف جملة اسمية خبرية على جملة فعلية طلبية وهذا ينتقض عليه بقوله: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} فإنها عاطفة لا محالة، فإن كانت الواو التي ادعى أنها حالية صحيحة على ما قال، امتنع عطف هذه عليها فإن عطفت على الطلبية ورد عليه ما أورد على غيره، وإن لم تكن الواو حالية بطل ما قال من أصله، والله أعلم.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في الآية {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} قال: هي الميتة ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.¥.

ثم رواه عن أبي زرعة، عن يحيى بن عبد الله بن بكير، عن ابن لهيعة، عن عطاء وهو ابن السائب به ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ولكن بدون ذكر ابن عباس.¥، وقد استدل لهذا المذهب، بما رواه أبو داود في المراسيل: من حديث ثور بن يزيد، عن الصلت السدوسي مولى سويد بن منجوف، أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم ابن حبان في كتاب الثقات، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله" ¬أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (المراسيل ح 378) وسنده ضعيف بسبب الإرسال وجهالة الصلت السدوسي (ينظر نصب الراية 4/ 182) وشهد له قول ابن عباس التالي.¥ وهذا مرسل، يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال: "إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله" ¬أخرجه الدارقطني (السنن 4/ 295) وصححه البيهقي موقوفًا (السنن الكبرى 9/ 240)، وكذا الحافظ ابن حجر (التلخيص الحبير 4/ 151).¥ واحتج البيهقي أيضًا بحديث عائشة - رضي الله عنها - المتقدم، أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا حديثي عهد بجاهلية، يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: "سمّوا أنتم وكلوا" ¬تقدم تخريجه قبل بضع روايات.¥. قال: فلو كان وجود التسمية شرطًا، لم يرخص لهم إلا مع تحققها، والله أعلم.

المذهب الثالث في المسألة: إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانًا لم يضرّ، وإن تركها عمدًا لم تحلّ، هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق بن راهويه وهو محكي عن علي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن البصري، وأبي مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ونقل الإمام أبو الحسن المرغيناني، في كتابه "الهداية" الإجماع قبل الشافعي على تحريم متروك التسمية عمدًا، فلهذا قال أبو يوسف والمشايخ: لو حكم حاكم بجواز بيعه، لم ينفذ لمخالفة الإجماع، وهذا الذي قاله غريب جدًا، وقد تقدم نقل الخلاف عمّن قبل الشافعي، والله أعلم.

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير - رحمه الله -: من حرّم ذبيحة الناس فقد خرج من قول جميع الحُجّة، وخالف الخبر الثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ¬التفسير 12/ 85.¥، يعني ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمي حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله" ¬أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (السنن الكبرى 9/ 239) ورفعه خطأ كما قرر الحافظ ابن كثير، والصواب وقفه كما سيأتي في الرواية التي تليه.¥ وهذا الحديث رفعه خطأ، أخطأ فيه معقل بن عبيد الله الجزري، فإنه وان كان من رجال مسلم، إلا أن سعيد بن منصور، وعبد الله بن الزبير الحميدي، روياه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، من قوله فزادا في إسناده أبا الشعثاء ووقفاه، وهذا أصح، نص عليه البيهقي ¬السنن الكبرى 9/ 239 - 240.¥ وغيره من الحفاظ.

ثم نقل ابن جرير وغيره عن الشعبي، ومحمد بن سيرين، أنهما كرها متروك التسمية نسيانا، والسلف يطلقون الكراهة على التحريم كثيرًا، والله أعلم، إلا أن من قاعدة ابن جرير أنه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفًا لقول الجمهور، فيعده إجماعًا، فليُعلم هذا، والله الموفق.

قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن جَهِير بن يزيد، قال: سئل الحسن، سأله رجل: أتيت بطير [كرًى] ¬كذا في النسخ الخطية والمثبت من تفسير الطبري (في النسختين المحققتين) قال الأستاذ أحمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري: جمع الكروان وهو طائر بين الدجاجة والحمامة حسن الصوت يؤكل لحمه.¥، فمنه ما قد ذبح فذكر اسم الله عليه، ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه، واختلط الطير، فقال الحسن: كُلْهُ كُله، قال: وسألت محمد بن سيرين فقال: قال الله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال.¥.

واحتج لهذا المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجه عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ذرّ، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ¬أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس (السنن، الطلاق، باب طلاق المكره والناسي ح 2045)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 198)، وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات إلا أنه أُعلّ بعلة غير قادحة (فتح الباري 5/ 161)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح 1664)، وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة وأبي ذرّ الغفاري (السنن ح 2043 و 2044)، وصحح سندهما الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح 1662 و 1663).¥ وفيه نظر، والله أعلم.

وقد روى الحافظ أبو أحمد بن عدي من حديث مروان بن سالم القرقساني، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اسم الله على كل مسلم" ¬الكامل في الضعفاء 6/ 385 وضعف سنده الحافظ ابن كثير.¥

ولكن هذا إسناده ضعيف، فإن مروان بن سالم القرقساني أبا عبد الله الشامي ضعيف، تكلّم فيه غير واحد من الأئمة، والله أعلم.

وقد أفردت هذه المسألة على حِدة، وذكرت مذاهب الأئمة ومأخذهم وأدلتهم ووجه الدلالات والمناقضات والمعارضات، والله أعلم.

قال ابن جرير: وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟

فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء، وهي محكمة فيما عنيت به، وعلى هذا قول مجاهد وعامة أهل العلم، ورُوي عن الحسن البصري وعكرمة ما حدثنا به ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة والحسن البصري، قالا: قال الله: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118)} [الأنعام] وقال: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} فنسخ واستثنى من ذلك، فقال: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5] ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي فيه مقال.¥.

وقال ابن أبي حاتم: قرئ على العباس بن الوليد بن مزيد، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان - يعني: ابن المنذر - عن مكحول، قال: أنزل الله في القرآن: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} ثم نسخها الربُّ ورحم المسلمين فقال: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.¥.

ثم قال ابن جرير: والصواب أنه لا تعارض بين حلّ طعام أهل الكتاب، وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه.

وهذا الذي قاله صحيح، ومن أطلق من السلف النسخ هاهنا فإنما أراد التخصيص، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.

وقوله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، قال: قال رجل لابن عمر: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه، قال: صدق، وتلا هذه الآية: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥.

وحدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، قال: كنت قاعدًا عند ابن عباس، وحجّ المختار بن أبي عبيد، فجاءه رجل فقال: يا ابن عباس، زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة، فقال ابن عباس: صدق، فنفرت، وقلت: يقول ابن عباس: صدق؟ فقال ابن عباس: هما وحيان: وحي الله ووحي الشيطان، فوحي الله إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ووحي الشيطان إلى أوليائه، ثم قرأ: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.¥. وقد تقدم عن عكرمة في قوله: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112] ¬تقدم في الآية رقم 112 من هذه السورة.¥ نحو هذا.

وقوله: {لِيُجَادِلُوكُمْ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: خاصمت اليهود النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل الله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب الإرسال ويتقوى بالموصول التالي.¥. هكذا رواه مرسلًا.

ورواه أبو داود متصلًا، فقال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل الله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} الآية ¬أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأضاحي، باب في ذبائح أهل الكتاب ح 2819)، وقال الألباني: صحيح لكن ذكر اليهود فيه منكر، والمحفوظ أنهم المشركون (صحيح سنن أبي داود ح 2445).¥، وكذا رواه ابن جرير: عن محمد بن عبد الأعلى، وسفيان بن وكيع، كلاهما عن عمران بن عيينة به ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.¥.

ورواه البزار عن محمد بن موسى الجرشي، عن مروان بن عيينة به ¬حكمه كسابقه.¥، وهذا فيه نظر، من وجوه ثلاثة:

(أحدها) أن اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا.

(الثاني) أن الآية من الأنعام وهي مكية.

(الثالث) أن هذا الحديث رواه الترمذي عن محمد بن موسى الجرشي، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ورواه الترمذي بلفظ أتى ناس النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره، وقال حسن غريب، وروي عن سعيد بن جبير مرسلًا ¬أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وحكمه وتعليقه (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام ح 3069)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح 2454).¥.

وقال الطبراني: حدثنا علي بن المبارك، حدثنا زيد بن المبارك، حدثنا موسى بن عبد العزيز، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} أرسلت فارس إلى قريش، أن خاصموا محمدًا وقولوا له: فما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وما ذبح لله - عز وجل - بشمشير ¬أي سكين أو نصل.¥ من ذهب، يعني الميتة، فهو حرام؟ فنزلت هذه الآية: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} أي: وإن الشياطين من فارس، ليوحون إلى أوليائهم من قريش ¬أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير 11/ 241 ح 11614)، وفي سنده موسى بن عبد العزيز صدوق سيء الحفظ كما في التقريب، وأخرجه الطبري من طريق موسى به.¥.

وقال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، حدثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم فكلوه، فأنزل الله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} ورواه ابن ماجه وابن أبي حاتم، عن عمرو بن عبد الله، عن وكيع، عن إسرائيل به ¬سنن أبي داود، الأضاحي، باب في ذبائح أهل الكتاب (ح 2818)، وسنن ابن ماجه، الذبائح، باب التسمية عند الذبح (ح 3173)، وأخرجه ابن أبي حاتم والحاكم من طريق سماك به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك 4/ 231)، وصححه الحافظ ابن كثير، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 2444).¥، وهذا إسناد صحيح.

ورواه ابن جرير، من طرق متعددة، عن ابن عباس، وليس فيه ذكر اليهود، فهذا هو المحفوظ، لأن الآية مكية، واليهود لا يحبون الميتة.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} إلى قوله: {لِيُجَادِلُوكُمْ} قال: يوحي الشياطين إلى أوليائهم تأكلون مما قتلتم، ولا تأكلوا مما قتل الله وفي بعض ألفاظه، عن ابن عباس، أن الذي قتلتم ذكر اسم الله عليه، وأن الذي قد مات، لم يذكر اسم الله عليه ¬لم أجده في الطبري بهذا السند، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق جرير به، وسنده حسن.¥.

وقال [ابن جريج] ¬كذا في (حم) و (مح) و (عش) وفي الأصل: "ابن جرير" وهو تصحيف.¥: قال عمرو بن دينار عن عكرمة أن مشركي قريش كاتَبوا فارس على الروم، وكاتبتهم فارس، فكتبت فارس إليهم: إن محمدًا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، فما ذبح الله بسكين من ذهب فلا يأكلونه وما ذبحوه هم يأكلونه، فكتب بذلك المشركون إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} ونزلت: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112] ¬أخرجه الطبري من طريق الحسين عن حجاج عن ابن جريج به، وسنده ضعيف للإرسال والإعلال بسبب ضعف الحسين وهو ابن داود الملّقب بسُنيد.¥.

وقال السدي في تفسير هذه الآية: إن المشركين قالوا للمسلمين: كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله، فما قتل الله فلا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم أكلتموه؟ فقال الله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} فأكلتم الميتة {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} ¬أخرجه الطبري من طريق أسباط عن السدي وسنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بمرسل مجاهد التالي.¥ وهكذا قاله مجاهد، والضحاك ¬قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وهو مرسل ويتقوى بسابقه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك ويتقوى بسابقيه.¥، وغير واحد من علماء السلف رحمهم الله.

وقوله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك، كقوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية [التوبة: 31].

وقد روى الترمذي: في تفسيرها عن عَدي بن حاتم، أنه قال: يا رسول الله ما عبدوهم، فقال: "بلى إنهم أحلّوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم" ¬سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام (ح 3095)، وضعفه بقوله: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغُطيف بن أعين ليس بمعروف بالحديث. وغطيف ضعفه الحافظ ابن حجر (التقريب ص 443).¥.

অন্য ভাষার তাফসীর · ৬