تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويل قوله: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا}.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأَنْشَأ من الأنعام حَمولةً وفَرْشًا، مع ما أَنْشَأَ مِن الجَنَّاتِ المعْروشات وغير المعروشاتِ.
و "الحَمولةُ": ما حُمِل عليه من الإبل وغيرها.
و "الفَرْشُ": صغارُ الإبل التى لم تُدْرِكُ أن يُحْمَلَ عليها.
واخْتَلَف أهلُ التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: الحَمولةُ ما حُمِل عليه من كبار الإبل ومَسَانِّها، والفَرْشُ صِغارُها التي لا يُحْمَلُ عليها لصِغَرِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحْوص، عن عبد الله فى قوله: {حَمُولَةً وَفَرْشًا}. قال: الحَمولةُ الكبارُ من الإبل، {وَفَرْشًا} الصِّغارُ مِن الإِبل ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1400 (7970، 7974)، والطبراني (9018)، والحاكم 2/ 317 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 50 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
وقال: ثنا أبي، عن أبي بكر الهُذَليِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: الحَمولةُ هي الكبارُ، والفَرْشُ الصغارُ مِن الإِبل ¬أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1401 (7975) من طريق مجاهد عن ابن عباس بتفسير "الفرش" وحده، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 50 إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ، قال: الحَمولةُ ما حمَل من الإبل، والفَرْشُ ما لم يَحْمِلْ ¬ينظر تفسير ابن كثير 3/ 343.¥.
وبه عن إسرائيلَ، عن خُصَيْفٍ، عن مُجاهدٍ: الحَمولةُ ما حمَل من الإبل، والفَرْشُ ما لم يَحْمِلْ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {وَفَرْشًا} قال: صِغَارُ الإِبل.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحْوصِ، عن عبدِ اللهِ في قوله: {حَمُولَةً وَفَرْشًا}. قال: الحمولة الكبارُ، والفرشُ الصغارُ ¬أخرجه أبو عبيد فى الأموال (969)، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1400 (7971) من طريق عبد الرحمن به مقتصرًا على أوله، وهو فى تفسير مجاهد ص 330 من طريق أبي إسحاق به.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحْوص، عن ابن مسعودٍ في قوله: {حَمُولَةً وَفَرْشًا}: الحَمولةُ [ما حمَل من الإبل] ¬في ت 2، س، ف: "الكبار".¥، والفرشُ هن الصِّغارُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحْوصِ عن عبدِ اللهِ أنه قال في هذه الآية: {حَمُولَةً وَفَرْشًا}. قال: الحَمولةُ ما حُمِل عليه من الإبل، والفَرْشُ الصِّغارُ ¬أخرجه ابن زنجويه فى الأموال (1429) من طريق شعبة به.¥. قال ابنُ المثنى: قال محمدٌ: قال شعبةُ: إنما كان حدَّثني سفيانُ، عن أبي إسحاقَ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قال الحسنُ: الحَمولةُ مِن الإِبل والبقرِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1400 (7973) من طريق الربيع، عن الحسن.¥.
وقال بعضُهم: الحَمولةُ مِن الإبل، وما لم يَكُنْ مِن الحَمولة فهو الفَرْشُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: {حَمُولَةً وَفَرْشًا} قال: الحَمولةُ ما حُمِل عليه، والفَرْشُ حَواشِيها، يعني صِغارَها ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 219، 220 عن قَتادةَ، وسقط منه ذكر معمر.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا}: فالحَمولةُ ما حمَل من الإبلِ، والفَرْشُ صِغَارُ الإِبلِ؛ الفَصِيلُ وما دون ذلك مما لا يَحْمِلُ.
ويقالُ: الحَمولةُ مِن البقرِ والإبلِ، والفَرْشُ الغنمُ.
وقال آخَرون: الحمولةُ: ما حُمِل عليه مِن الإبلِ والخيلِ والبِغالِ وغيرِ ذلك، والفَرْشُ الغنمُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا}: فأما الحَمولةُ فالإبلُ والخيلُ والبِغالُ والحميرُ وكلُّ شئٍ يُحْمَلُ عليه، وأما الفَرْشُ فالغنمُ ¬أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره 5/ 1400، 1401 (7972، 7976) من طريق عبد الله بن صالح به مفرقا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 50 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: الحَمولةُ مِن الإبلِ والبقرِ، {وَفَرْشًا} المعزُ والضأنُ ¬أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره 5/ 1401 عقب الأثر (7976) من طريق أبى جعفر به، وينظر تفسير ابن كثير 3/ 344.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا}. قال: أما الحَمولةُ فالإبلُ والبقرُ. قال: وأما الفَرْشُ فالغنمُ ¬ينظر تفسير ابن كثير 3/ 344.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: كان غيرُ الحسنِ يقولُ: الحَمولةُ الإبلُ والبقرُ، والفَرْشُ الغنمُ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 220.¥.
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا}: أما الحَمولةُ فالإبلُ، وأما الفَرْشُ فالفُصْلانُ والعَجَاجيلُ ¬عجاجيل جمع عِجَّوْل، وهو العِجْل. اللسان (ع ج ل).¥ والغنمُ، وما حُمِل عليه فهو حَمولةٌ ¬ينظر تفسير ابن كثير 3/ 344.¥.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: {حَمُولَةً وَفَرْشًا}: الحَمولةُ الإبلُ، والفَرْشُ الغنمُ ¬ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره 5/ 1401 عقب الأثر (7976) معلقا بتفسير الفرش، وينظر تفسير ابن كثير 3/ 344.¥.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبى بكرٍ الهُذَلىِّ، عن الحسنِ: {وَفَرْشًا}. قال: الفَرْشُ الغنمُ ¬ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره 5/ 1401 عقب الأثر (7976) معلقا.¥.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {حَمُولَةً وَفَرْشًا}. قال: الحمولةُ ما تَرْكَبون، والفَرْشُ مَا تَأْكُلون وتَحْلُبون، شاةٌ لا تَحْمِلُ، تَأْكُلون لحمَها، وتَتَّخِذون مِن أصوافِها لِحافًا وفَرْشًا (2).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يُقالَ: إن الحَمولةَ هى ما حمَل مِن الأنعامِ؛ لأن ذلك مِن صفتِها إذا حمَلَت، لا أنه اسمٌ لها كالإبلِ والخيلِ والبِغالِ، فإذا كانت إنما سُمِّيَت حَمولةً لأنها تَحْمِلُ، فالواجبُ أن يكونَ كلُّ ما حمَل على ظهرِه مِن الأنعامِ فحَمولةٌ، وهى جمعٌ لا واحدَ لها مِن لفظِها، كالرَّكوبةِ والجَزُورةِ، وكذلك الفَرْشُ إنما هو صفةٌ لما لطُف فقرُب مِن الأرضِ جسمُه، ويقالُ له: الفَرْشُ. وأَحْسَبُها سُمِّيَت بذلك تمثيلًا لها فى استواءِ أسنانِها ولُطْفِها بالفَرْشِ مِن الأرضِ، وهى الأرضُ المستويةُ التى يَتَوَطَّؤُها الناسُ.
فأما "الحُمولةُ" بضمِّ الحاءِ فإنها الأحْمالُ، وهى الحُمولُ أيضًا بضمِّ الحاءِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه: {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142)}.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: كلُوا مما رزَقكم اللهُ أيُّها المؤمنون، فأحَلَّ لكم ثَمَراتِ حُروثِكم وغُروسِكم ولحومَ أنعامِكم، إذ حرَّم بعضَ ذلك على أنفسِهم المشركون باللهِ، فجعَلوا للهِ مما ذرَأ مِن الحرثِ والأنعامِ نصيبًا، وللشيطانِ مثلَه، فقالوا: هذا للهِ بزعمِهم، وهذا لشُرَكائِنا، ولا تتَّبِعُوا خُطُواتِ الشيطانِ كما اتَّبَعها باحرُو البَحيرةِ، ومُسَيِّبو السَّوائبِ، فتُحَرِّموا على أنفسِكم مِن طيبِ رزقِ اللهِ الذى رزَقكم ما حرَّموه، فتُطِيعوا بذلك الشيطانَ، وتَعْصُوا به الرحمنَ.
كما حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}: لا تَتَّبِعوا طاعتَه، هى ذنوبٌ لكم، وهى طاعةٌ للخَبيثِ ¬أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره 5/ 1402 (7984) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.¥.
إن الشيطانَ لكم عدوٌّ يَبْغِى هلاكَكم، وصدَّكم عن سبيلِ ربِّكم {مُبِينٌ}: قد أبان لكم عُدوانَه بمُناصَبته أباكم بالعَداوةِ، حتى أخْرَجه مِن الجنةِ بكيدِه، وخدَعِه؛ حسدًا ¬فى م، ت 2، ت 3، س، ف: "وحسدا".¥ منه له وبغيًا عليه.