এই আয়াতের তাফসীর

সূরা ৬ : আয়াত ৯১

সূরা ৬ : আয়াত ৯১

وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ

আর তারা আল্লাহকে যথার্থ সম্মান দেয়নি, যখন তারা বলছে: আল্লাহ কোন মানুষের ওপর কিছুই নাযিল করেননি। বল: ‘কে নাযিল করেছে মূসার আনীত কিতাব ? যা মানুষের জন্য আলো ও হিদায়াতস্বরূপ, যা তোমরা বিভিন্ন কাগজে লিখে রাখতে, তোমরা তার কিছু প্রকাশ করতে, আর অনেকাংশ গোপন রাখতে। আর তোমাদেরকে শিক্ষা দেয়া হয়েছিল, যা তোমরা ও তোমাদের পিতৃপুরুষরা জানতে না? বলো: ‘আল্লাহই’। অতঃপর তাদেরকে তাদের অযাচিত সমালোচনার ওপর ছেড়ে দাও, তারা খেলতে থাকুক।

এই আয়াতে নির্বাচিত ভাষার তাফসীর নেই; উপলব্ধ পাঠ দেখানো হচ্ছে।

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ}.
يقولُ تعالى ذكرُه: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}: وما أجَلُّوا اللهَ حقَّ إجْلالِه، ولا عظَّمُوه حقَّ تعظيمِه، {إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ}. يقولُ: حينَ قالوا: لم يُنْزِلِ اللهُ على آدميٍّ كتابًا ولا وحيًا.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: {إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ}. وفي تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: كان قائلُ ذلك رجلًا من اليهودِ.
ثم اخْتَلَفوا في اسمِ ذلك الرجلِ؛ فقال بعضُهم: كان اسمُه مالكَ بنَ الصَّيْفِ. وقال بعضُهم: كان اسمُه فِنْحاصَ.
واخْتَلَفوا أيضًا في السببِ الذي مِن أجلِه قال ذلك.
ذكرُ مَن قال: كان قائلُ ذلك مالكَ بنَ الصَّيْفِ
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفر بن أبي المُغيرةِ، عن سعيدِ ابن جبيرٍ، قال: جاء رجلٌ مِن اليهود يقالُ له: مالكُ بنُ الصيفِ. يُخاصِمُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أَنْشُدُك بالذي أَنْزَل التوراةَ على موسى، أَمَا تَجِدُ في التوراةِ أن اللهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمينَ؟ ". وكان حبرًا سَمينًا، فغضِب، فقال: واللَّهِ ما أَنْزَل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ. فقال له أصحابُه الذين معه: ويحَك، ولا موسى؟ فقال: واللهِ ما أَنْزَل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ. فأَنْزَلَ اللهُ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} الآية ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1342 (7597) من طريق يعقوب به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 29 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ قوله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ}.
قال: نزَلَت في مالكِ بن الصيفِ، كان مِن قُرَيْظةَ، مِن أحبارِ يهودَ. {قُلْ} يا محمدُ: {مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} الآية ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 29 إلى المصنف وابن المنذر.¥.
ذكرُ مَن قال: نزَلَت في فِنْحاصَ اليهوديِّ
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ}. قال: قال فِنْحاصُ اليهوديُّ: ما أَنْزَل اللهُ على محمدٍ مِن شيءٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1342 (7594) من طريق أحمد بن مفضل، عن أسباط به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 29 إلى أبي الشيخ.¥.
وقال آخَرون: بل عُنِي بذلك جماعةٌ من اليهودِ سأَلوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - آياتٍ مثلَ آياتِ موسى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا يونُسُ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ المَدَنيُّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، قال: جاء ناسٌ مِن يهودَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهو مُحْتَبٍ، فقالوا: يا أبا القاسمِ، ألَا تَأْتِينا بكتابٍ مِن السماءِ كما جاء به موسى ألواحًا يَحْمِلُها مِن عندِ اللهِ؟ فَأَنْزَل اللهُ: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} الآية [النساء: 153] فَجَثَا رجلٌ مِن يهودَ فقال: ما أنْزَل اللهُ عليك، ولا على موسى، ولا على عيسى، ولا على أحدٍ شيئًا، فأنْزَل اللهُ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}. قال محمدُ بنُ كعبٍ: ما علِموا كيف اللهُ إذ قالوا: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا}. فحلَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حُبْوتَه، وجعَل يقولُ: "ولا على أحدٍ" ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 29 إلى المصنف.¥!
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} إلى قولِه: {فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}: هم اليهودُ والنصارى، قومٌ آتاهم اللهُ علمًا فلم يَقْتَدوا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3، س، ف: "يهتدوا".¥ به، ولم يَأْخُذوا به، ولم يَعْمَلُوا به، فذمَّهم اللهُ في عملِهم ذلك. ذُكِر لنا أن أبا الدرداءِ رضي اللهُ عنه كان يقولُ: إن مِن أكثرِ ما أنا مخاصَمٌ به غدًا، أن يُقالَ: يا أبا الدرداءِ، قد علِمْتَ، فماذا عمِلْتَ فيما علِمْتَ؟ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1343 (7605) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 29 إلى عبد بن حميد.
وقول أبي الدرداء أخرجه معمر في جامعه (20467)، وابن أبي شيبة 14/ 142 من طريق قتادة به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (39)، وابن أبي شيبة 13/ 311، وأحمد في الزهد ص 136، والدارمي 1/ 82، وأبو نعيم في الحلية 1/ 213، وابن عساكر في تاريخه 47/ 148 من طرق عن أبي الدرداء بنحوه.¥
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ}. يعني: من بني إسرائيلَ، قالت اليهودُ: يا محمدُ، أَنْزَل اللهُ عليك كتابًا؟ قال: "نعم". قالوا: واللهِ ما أَنْزَلَ اللهُ من السماءِ كتابًا. فأَنْزَلَ اللهُ: {قُلْ} يا محمدُ: {مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} إلى قولِه: {وَلَا آبَاؤُكُمْ}. قال: "اللهُ أنْزَله" ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1342 (7593، 7595، 7596) من طريق أبي صالح به.¥.
وقال آخَرون: هذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه عن مُشْرِكي قريشٍ أنهم قالوا: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ}.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: إنه سمِع مُجاهدًا يقولُ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ}: قالها مُشْرِكو قريشٍ. قال: وقولُه: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكتابَ الذي جاء به موسى نورًا وهدًى للناسِ يَجْعَلُونَه قراطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيرًا) ¬قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيب في الأفعال الثلاثة، وقراءة الباقين بتاء الخطاب فيهن جميعًا. وينظر الكشف عن وجوه القراءات السبع 1/ 440.¥. قال: هم يهودُ الذين يُبْدُونها ويُخْفُون كثيرًا، قال: وقولُه: {وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ}. قال: هذه للمسلمين ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1341، 1343 (7592، 7606) مقتصرا على أوله وآخره من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 29 إلى أبي الشيخ.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}. قال: هم الكفارُ، لم يُؤْمِنوا بقدرةِ الله عليهم، فمَن آمَن أن اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، فقد قدَر اللهَ حَقَّ قَدْرِه، ومَن لم يُؤْمِنُ بذلك فلم يَقْدُرِ اللهَ حقَّ قدرِه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1341 (7586) من طريق أبي صالح به.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}. يقولُ: مُشْرِكو قريشٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1341 (7587) من طريق أبي حذيفة به.¥.
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ ذلك قولُ مَن قال: عُنِي بذلك: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}. مُشركو قريشٍ. وذلك أن ذلك في سياقِ الخبرِ عنهم أولًا، فأن يكونَ ذلك أيضًا خبرًا عنهم، أشبهُ مِن أن يَكونَ خبرًا عن اليهودِ ولمَّا يَجْرِ لهم ذكرٌ يكونُ هذا به متصلاً، مع ما في الخبر عمَّن أخْبَر اللهُ عنه في هذه الآيةِ مِن إنكارِه أن يكونَ اللهُ أَنْزَل على بشرٍ شيئًا من الكتبِ، وليس ذلك مما تَدِينُ به اليهودُ، بل المعروفُ من دينِ اليهودِ الإقرارُ بصُحُفِ إبراهيمَ وموسى وزَبورِ داودَ، وإذا لم يَكُنْ بما رُوِي مِن الخبرِ، بأن قائلَ ذلك كان رجلًا من اليهودِ، خبرٌ صحيحٌ متصلُ السندِ، ولا كان على أن ذلك كان كذلك مِن أهلِ التأويل إجماعٌ، وكان الخبرُ مِن أولِ السورةِ ومُبْتَدَئِها إلى هذا الموضعِ خبرًا عن المشركين مِن عبَدةِ الأوثانِ، وكان قولُه: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} موصولاً بذلك غيرَ مفصولٍ منه، لم يَجُزْ لنا أن نَدَّعِيَ أن ذلك مصروفٌ عما هو به موصولٌ، إلا بحجةٍ يَجبُ التسليمُ لها من خبرٍ أو عقلٍ.
ولكني أَظُنُّ أن الذين تأوَّلوا ذلك خبرًا عن اليهودِ، وجَدوا قولَه: (قُلْ مَن أَنْزَل الكتابَ الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناسِ يَجْعَلونه قَراطِيسَ يُبْدُونها ويُخْفُون كثيرًا وعُلِّمْتُم ما لم تَعْلَموا أنتم ولا آباؤكم) فوجَّهوا تأويلَ ذلك إلى أنه لأهلِ التوراةِ، فقرَءُوه على وجه الخطاب لهم: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ} فجعلوا ابتداءَ الآيةِ خبرًا عنهم، إذ كانت خاتمتُها خطابًا لهم عندَهم. وغيرُ ذلك من التأويل والقراءةِ أشبهُ بالتنزيل؛ لِما وصَفْتُ قبلُ مِن أن قولَه: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}. في سياقِ الخبرِ عن مُشْرِكي العربِ وعَبَدة الأوثان، وهو به متصلٌ، فالأولى أن يكون ذلك خبرًا عنهم.
والأصوبُ مِن القراءة في قوله: (يَجْعَلونه قراطيسَ يُبْدُونها ويُخْفُون كثيرًا). أن يَكونَ بالياءِ لا بالتاءِ، على معنى أن اليهودَ يَجْعَلونه قراطيسَ يُبْدُونها ويُخْفُون كثيرًا، ويكونَ الخطابُ بقوله: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ} لمُشْركي قريشٍ، وهذا هو المعنى الذي قصده مجاهدٌ إن شاء اللهُ في تأويل ذلك، وكذلك كان يَقْرَأُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن أيوبَ، عن مجاهدٍ أنه كان يَقْرَأُ هذا الحرفَ: (يَجْعَلونه قَراطِيسَ يُبْدُونها ويُخْفُون كثيرًا).
القول في تأويلِ قولِه: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: {قُلْ} يا محمدُ لمُشركي قومِك القائلين لك: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ}: {مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا}. يعني: جَلاءً وضِياءً مِن ظُلْمةِ الضَّلالةِ، {وَهُدًى لِلنَّاسِ}. يقولُ: بيانًا للناسِ، يُبَيِّنُ لهم به الحقَّ من الباطلِ، فيما أشْكَل عليهم مِن أمرِ دينهم، (يَجْعَلونه قَرَاطِيسَ يُبْدُونها).
فمَن قرأ ذلك: {تَجْعَلُونَهُ} جَعَله خطابًا لليهودِ، على ما بيَّنْتُ مِن تأويلِ مَن
تأَوَّل ذلك كذلك. ومَن قرَأه بالياء: (يَجْعَلونه) فتأويلُه في قراءتِه: يَجْعَلُه أهلُه قَراطيس.
وجرَى الكلامُ في (يُبْدونها) بذكرِ القراطيس، والمرادُ منه المكتوبُ في القَراطيس. يُرادُ: يُبْدون كثيرًا مما يَكْتُبون في القراطيسِ فيُظهِرونه للناسِ، ويُخْفُون كثيرًا مما يُثْبِتونه في القَراطيسِ فيُسِرُّونه ويَكْتُمونه الناسَ.
ومما كانوا يَكْتُمونه إياهم ما فيها مِن أمرِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ونبوتِه.
كالذي حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: (قَراطيسَ يُبدونها ويُخفون كثيرًا). اليهودُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1343 (7602) من طريق أبي حذيفة به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ: قلْ يا محمد: (مَن أنْزَل الكتابَ الذي جاء به موسى نورًا وهدًى للناسِ يَجْعَلونه قَراطيسَ يُبْدُونها). يعني يهودَ؛ لِمَا أظْهَرُوا مِن التوراةِ، (ويُخْفُون ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س، ف: "يظهرون".¥ كثيرًا) مما أخْفَوْا مِن ذكرِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وما أُنْزِل عليه. قال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال عبدُ اللهِ ابنُ كثيرٍ: إنه سمِع مجاهدًا يقولُ: (يَجْعَلونه قَراطيسَ يُبْدُونها ويُخْفون كثيرًا).
قال: هم يهودُ الذين يُبْدُونها ويُخْفون كثيرًا.
القولُ في تأويلِ قوله: {وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: وعلَّمَكم اللهُ جلَّ ثناؤُه بالكتابِ ¬في النسخ: "الكتاب".¥ الذي أنْزَله إليكم {مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ} مِن أخبارِ من قبلَكم، ومِن أنباءِ من بعدَكم، وما هو كائنٌ في معادِكم يوم القيامةِ، {وَلَا آبَاؤُكُمْ}. يقولُ: ولم يَعْلَمْه آباؤُكم أَيُّها المؤمنون بالله من العربِ وبرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
كالذي حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن أيوب، عن مجاهدٍ: {وَعُلِّمْتُمْ} معشرَ العربِ {مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 29 إلى عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: إنه سمع مُجاهدًا يقولُ في قولِه: {وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ}. قال: هذه للمسلمين ¬تقدم تخريجه في ص 396.¥.
وأما قولُه: {قُلِ اللَّهُ}. فإنه أمرٌ من الله جلَّ ثناؤُه نبيَّه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أَن يُجِيبَ استفهامَه هؤلاء المشركين عما أمَره باستفهامِهم عنه بقولِه: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكتابَ الذي جاء به موسى نورًا وهدًى للناسِ يَجْعَلُونه قراطيسَ يُبْدُونَهَا ويُخْفُونَ كثيرًا). بقيلِه: {اللَّهُ}. كأمْرِه إياه في موضعٍ آخَرَ في هذه السورةِ بقولِه: (قُل مَن يُنَجيكُم مِن ظُلُماتِ البرِ والبحرِ تدعُونَهُ تَضَرُّعًا وخفيةً لَئِن أَنجَيْتَنَا ¬في م: "أنجانا". وهما قراءتان. كما تقدم في ص 294.¥ من هذهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين) [الأنعام: 63] فأمَرَه باستفهامِ المشركين عن ذلك، كما أمَرَه باستفهامِهم إذ قالوا: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} عمَّن أنْزَل الكتابَ الذي جاء به موسى، نورًا وهدًى للناسِ، ثم أمَرَه بالإجابةِ عنه هنالك بقيلِه: {قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 64] كما أمَرَه بالإجابةِ هاهنا عن ذلك بقيلِه: اللهُ أَنْزَلَه على موسى.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابن عباس: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ}. قال: اللهُ أَنْزَلَه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1344 (7608) من طريق أبي صالح به.¥.
ولو قيل: معناه: قلْ: هو اللهُ. على وجهِ الأمرِ مِن اللهِ له بالخبرِ عن ذلك، لا على وجهِ الجوابِ - إذ لم يَكُنْ قولُه: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ} مسألةً مِن المشركين لمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فيَكونَ قولُه: {قُلِ اللهُ} جوابًا لهم عن مسألتِهم، وإنما هو أمرٌ مِن اللهِ لمحمدٍ بمسألةِ القومِ: {مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ}، فيَجِبُ أن يكونَ الجوابُ منهم غيرَ الذي قاله ابنُ عباسٍ مِن تأويلِه - كان جائزًا؛ مِن أجلِ أنه استفهامٌ، ولا يَكونُ للاستفهامِ جوابٌ، وهو الذي اخْتَرْنا من القولِ في ذلك؛ لِمَا بيَّنا.
وأما قولُه: {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}. فإنه يقولُ لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: ثم ذَرْ هؤلاء المشركين العادِلِين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ - بعدَ احتجاجِك عليهم في قيلِهم: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ}. بقولِك: {مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ}. وإجابتِك ذلك بأن الذي أَنْزَلَه اللهُ الذي أَنْزَل عليك كتابَه - {فِي خَوْضِهِمْ}. يعني: فيما يَخُوضُون فيه من باطلِهم وكفرِهم باللهِ وآياتِه، {يَلْعَبُونَ}. يقولُ: يَسْتَهْزِئون ويَسْخَرون.
وهذا من اللهِ وعيدٌ لهؤلاء المشركين وتهدُّدٌ ¬في م: "تهديد".¥ لهم، يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: ثم دَعْهم لاعِبِين يا محمدُ، فإني مِن وراءِ ما هم فيه مِن استهزائِهم بآياتي بالمِرْصادِ، وأُذِيقُهم بأسي، وأُحِلُّ بهم إن تَمادَوْا فِي غَيِّهِم سَخَطي.

অন্য ভাষার তাফসীর · ৬