تفسير ابن كثير
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65)}.
قال أبو معشر المديني، عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونًا وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللِّقاء. فرفع ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب. فقال: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} إلى قوله: {كَانُوا مُجْرِمِينَ} وإن رجليه لتسفعان الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متعلق بنِسْعَة ¬النِسْعَة: سير مضفور يجعل زمامًا للبعير، وقد تُنسج عريضة تجعل على صدر البعير.¥ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ¬أخرجه الطبري من طريق أبي معشر به، وسنده ضعيف أبي معشر، ويتقوى بالرواية التالية والمراسيل التي تليها.¥.
وقال عبد الله بن وهب: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المسجد: كذبت ولكنك منافق لأخبرنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزل القرآن، فقال عبد الله بن عمر أنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} الآية ¬أخرجه الطبري عن يونس عن عبد الله بن وهب به، وصحح سنده الأستاذ أحمد شاكر.¥. وقد رواه الليث عن هشام بن سعد بنحو من هذا ¬أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن صالح عن الليث به، ويتقوى بسابقه.¥.
وقال ابن إسحاق، وقد كان من جماعة من المنافقين منهم: وديعة بن ثابت أخو بني أُمية بن زيد بن عمرو بن عوف، ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له: مخشي بن حمير ¬مخشي بن حِمَيْر: ويقال له مُخسِّن، الأشجعي حليف لبني سلمة من الأنصار، كان من المنافقين ومن أصحاب مسجد الضرار، ثم تاب وحسنت توبته وطلب من النبي أن يغير اسمه: فسماه: عبد الله بن عبد الرحمن، فدعا مخشي ربه أن يقتل شهيدًا حيث لا يعلم، فقتل يوم اليمامة ولم يعلم له أثر (أسد الغابة 4/ 338 والإصابة 3/ 372).¥، يسيرون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضًا؟ والله لكأنا بكم غدًا مقرنين في الحبال، إرجافًا وترهيبًا للمؤمنين فقال مخْشي بن حُمَيِّر: والله لوددت أن أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وإننا نغلب أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني لعمار بن ياسر: "أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فاسألهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى قلتم كذا وكذا" فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتذرون إليه فقال وديعة بن ثابت ورسول الله واقف على راحلته، فجعل يقول وهو آخذ بحَقَبِها ¬الحَقَب: حبل يُشد به الرحل إلى بطن البعير مما يلي ذيله كي لا يجتذبه التصدير (النهاية 1/ 411).¥: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب فقال مخشي بن حمير: يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي فكان الذي [عفي] ¬في الأصل بياض بقدر الكلمة. واستدرك من (عم) و (حم).¥ عنه في هذه الآية مخشي بن حمير فتسمى عبد الرحمن وسأل الله أن يقتل شهيدًا لا يعلم مكانه، فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر ¬ذكره ابن هشام (السيرة النبوية 2/ 524 - 525) وآخره تقدم في ترجمة مخشي.¥.
وقال قتادة: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} قال: فبينما النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: يظن -هذا أن- يفتح قصور الروم وحصونها هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - على ما قالوا، فقال: "عليَّ بهؤلاء النفر" فدعاهم فقال: "قلتم كذا وكذا"، فحلفوا ما كنا إلا نخوض ونلعب ¬أخرجه الطبري بسند صحيح لكنه مرسل من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة ويشهد له سابقه ولاحقه.¥.
وقال عكرمة في تفسير هذه الآية: كان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: اللَّهم إني أسمع آية أنا أعنى بها تقشعر منها الجلود وتجبُّ ¬أي تضطرب.¥ منها القلوب، اللَّهم فاجعل وفاتي قتلًا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت. قال: فأُصيب يوم اليمامة فما من أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره ¬أخرجه الطبري بسند صحيح لكنه مرسل من طريق أيوب السختياني عن عكرمة، ويشهد له ما سبق من الآثار.¥.