تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69)}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المنافقين الذين قالوا: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ}: أبالله وآياتِ كتابه ورسولِه كنتم تستهزئون؟ {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} مِن الأممِ الذين فَعَلوا فعْلَكم فأهْلَكَهم اللهُ، وعَجَّل ¬في ت 1، ت 2، س، ف: "حل".¥ لهم في الدنيا الخِزْىَ، مع ما أعدَّ لهم مِن العقوبةِ والنَّكال في الآخرةِ. يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: واحْذَروا أن يَحِلَّ بكم مِن عقوبةِ اللهِ مثلُ الذي حَلَّ بهم؛ فإنهم كانوا أشدَّ منكم قوّةً وبَطْشًا، وأكثرَ منكم أموالًا وأولادًا {فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ}. يقولُ: فتَمَتَّعوا بنصيبِهم وحَظِّهم مِن دنياهم ودينِهم، ورَضُوا بذلك مِن نصيبِهم في الدنيا عِوَضًا مِن نصيبِهم في الآخرةِ، [وقد سَلَكتُم أيُّها المنافقون سبيلَهم في الاستمتاع {بِخَلَاقِكُمْ}. يقولُ: فَعَلتم بدينِكم ودُنْياكم، كما اسْتَمْتَع الأممُ الذين كانوا] ¬سقط من: ت 1.¥ مِن قبلكم ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "قبلهم".¥، الذين أهلكتُهم بخِلافِهم أمرى - {بِخَلَاقِهِمْ}. يقولُ: كما فَعَل الذين مِن قبلِكم بنصيبهم من دُنياهم ودينهِم. {وَخُضْتُمْ} في الكذبِ والباطلِ عل
ى اللهِ {كَالَّذِي خَاضُوا}. يقولُ: وخُضْتُم أنتم أيضًا أيُّها المنافقون كخَوْضِ تلك الأممِ قبلَكم.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني أبو معشرٍ، عن سعيدِ بن أبى سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لَتَأْخُذُنَّ كما أَخَذَ الأمُ من قَبْلِكم؛ ذِرَاعًا بذراعٍ، وشِبْرًا بشِبْرٍ، وباعًا بباعٍ، حتى لو أن أحدًا مِن أولئك دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوه". قال أبو هريرةَ: اقْرَءُوا إن شِئْتُم القرآنَ: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا}. قالوا ¬في س: "قال". وفي صحيح البخاري: "فقيل".¥: يا رسولَ اللهِ، كما صَنَعَت فارسُ والرومُ؟ قال: "فهَلِ الناسُ إلا هُمْ؟ " ¬أخرجه أحمد 14/ 60، 153، 404، 405 (8308، 8433، 8805، 8806)، والبخارى (7319) من طريق سعيد به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عمرَ بن عطاءٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} الآية. قال: قال ابن عباسٍ: ما أشْبَهَ الليلةَ بالبارحة: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}: هؤلاء بنو إسرائيلَ شُبِّهْنا بهم. لا أعلمُ إلا أنه قال: والذي نَفْسِي بيدِه لتتَّبِعُنَّهم حتى لو دَخَلَ الرجلُ منهم جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُموه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1834 من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 255 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.¥. قال ابن جُرَيجٍ: وأخبرَنى زيادُ بنُ سعدٍ، عن محمدِ بن زيدِ بن مُهاجرٍ، عن سعيدِ بن أبى سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نَفْسِي بيدِه لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الذين مِن قبلِكم؛ شِبْرًا بشِبْرٍ، وذِرَاعًا بذراعٍ، وباعًا بباعٍ، حتى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُموه". قالوا: ومَن هم يا رسولَ اللهِ، أهلُ الكتابِ؟ قال: "فَمَهْ ¬في م: "فمن "وينظر مصدر التخريج.¥ " ¬أخرجه أحمد 14/ 81 (8340) عن حجاج به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ أنه قال: "فمَن؟ " ¬أخرجه الطيالسي (2292)، وأحمد 18/ 322 (11800)، والبخارى (3456، 7320)، ومسلم (2669) وغيرهم من حديث أبي سعيد.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ: {فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ}. قال: بدينِهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1834 من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 283 عن معمر به.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "حَذَّرَكم ¬في ص، ت 2، س، ف: "حدثكم"، وينظر مصدر التخريج.¥ أن تُحِدِثوا في الإسلامِ حَدَثًا، وقد عَلِمَ ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: علمتم"، وينظر مصدر التخريج.¥ أنه سيفعلُ ذلك ¬سقط من: ص، ت ذ، ت 2، س، ف.¥ أقوامٌ مِن هذه الأمةِ، فقال اللهُ في ذلك: {فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أ}. وإنما حَسِبوا أن لا يقعَ بهم مِن الفتنةِ ما وَقَع ببنى إسرائيلَ قبلَهم، وإن الفتنةَ عائدةٌ كما بَدَتْ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 255 إلى أبي الشيخ.¥
وأمَّا قولُه: {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}، فإن معناه: هؤلاء الذين قالوا: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ}، وفَعَلُوا في ذلك فعلَ الهالِكِين مِن الأممِ قبلَهم. {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}، يقولُ: ذَهَبَتْ أعمالهم باطلًا، فلا ثوابَ لها إلا النارُ؛ لأنها كانت فيما يَسْخَطُ اللَّهُ ويَكْرَهُه. {وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}، يقولُ: وأولئك هم المَغْبونُون صفقتُهم، ببَيْعهم نعيمَ الآخرة بخَلاقِهم مِن الدنيا اليسيرِ الزهيدِ.