تفسير ابن كثير
ذكر بعض أهل العلم أنهم لما ضرب الله على آذانهم بالنوم، لم تنطبق لئلا يسرع إليها البلى، فإذا بقيت ظاهرة للهواء كان أبقى لها، ولهذا قال تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} وقد ذُكر عن الذئب أنه ينام فيطبق عينًا ويفتح عينًا، ثم يفتح هذه ويطبق هذه وهو راقد، كما قال الشاعر ¬هو حميد بن ثور، والبيت في ديوانه ص 104.¥:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى الرزايا فهو يقظان نائم
وقوله تعالى: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} قال بعض السلف: يقلبون في العام مرتين. قال ابن عباس: لو لم يقلبوا لأكلتهم الأرض ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بالطريق السابق الذي صححه الحافظ ابن حجر.¥.
قوله: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة: الوصيد: الفناء ¬قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس بسند ثابت من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سالم الأفطس عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.¥، وقال ابن عباس: بالباب ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.¥. وقيل: بالصعيد ¬أخرجه الطبري بأسانيد ضعيفة عن ابن عباس وسعيد بن جبير.¥. وهو التراب، والصحيح أنه بالفناء وهو الباب، ومنه قوله تعالى: {إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8)} [الهمزة] أي: مطبقة مغلقة، ويقال: وصيد وأصيد، ربض كلبهم على الباب كما جرت به عادة الكلاب، قال ابن جريج: يحرس عليهم الباب ¬أخرجه الطبري بلفظ: "يُمسك عليهم الباب".¥، وهذا من سجيته وطبيعته حيث يربض ببابهم كأنه يحرسهم، وكان جلوسه خارج الباب، لأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب، كما ورد في الصحيح ولا صورة ¬أخرجه البخاري من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعًا (الصحيح، اللباس، باب لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ح 5960).¥ ولا جنب ¬أخرجه أبو داود (السنن، الطهارة، باب في الجنب يؤخر الغسل ح 227)، والنسائي (السنن، الطهارة، باب الجنب إذا لم يتوضأ 1/ 141)، وابن ماجه (السنن، اللباس، باب الصور في البيت ح 44) كلهم من طريق عبد الله بن نُجي عن أبيه عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - مرفوعًا: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب ولا جنبًا"، ونجي: مقبول (التقريب ص 560)، ولم يتابع، فسنده ضعيف.¥ ولا كافر، كما ورد به الحديث الحسن ¬ضعيف كما تقدم وليس بحسن.¥، وشملت كلبهم بركتهم فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار، فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن. وقد قيل: إنه كان كلب صيد لأحدهم، وهو الأشبه، وقيل: كلب طباخ الملك، وقد كان وافقهم على الدين وصحبه كلبه، فالله أعلم.
وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة همام بن الوليد الدمشقي: حدثنا صدقة بن عمر الغساني، حدثنا عباد المنقري، سمعت الحسن البصري يقول: كان اسم كبش إبراهيم عليه الصلاة والسلام: جرير، واسم هدهد سليمان - عليه السلام -: عنقز، واسم كلب أصحاب الكهف: قطمير، واسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه: بهموت، وهبط آدم - عليه السلام - بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدست بيسان، والحية بأصفهان ¬ذكره ابن منظور (مختصر تاريخ دمشق 27/ 143) وهو ضعيف سندًا ومتنًا، فالسند مرسل، والمتن من الإسرائيليات.¥. وقد تقدم عن شعيب الجبائي أنه سماه حمران ¬تقدم في تفسير الآية رقم 9.¥، واختلفوا في لونه على أقوال لا حاصل لها ولا طائل تحتها ولا دليل عليها ولا حاجة إليها، بل هي مما ينهى عنه، فإن مستندها رجم بالغيب.
وقوله تعالى: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} أي: أنه تعالى ألقى عليهم المهابة بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم لما ألبسوا من المهابة والذعر، لئلا يدنو منهم أحد ولا تمسهم يد لامس، حتى يبلغ الكتاب أجله، وتنقضي رقدتهم التي شاء تبارك وتعالى فيهم، لما له في ذلك من الحكمة والحجة البالغة والرحمة الواسعة.