تفسير ابن كثير
يقول تعالى كما أرقدناهم بعثناهم صحيحة أبدانهم وأشعارهم وأبصارهم لم يفقدوا من أحوالهم وهيآتهم شيئًا وذلك بعد ثلثمائة سنة وتسع سنين، ولهذا تساءلوا بينهم {كَمْ لَبِثْتُمْ} أي: كم رقدتم؟ {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} لأنه كان دخولهم إلى الكهف في أول نهار، واستيقاظهم كان في آخر نهار، ولهذا استدركوا فقالوا: {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} أي: الله أعلم بأمركم، وكأنه حصل لهم نوع تردد في كثرة نومهم، فالله أعلم، ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك، وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ} أي: فضتكم هذه، وذلك أنهم كانوا قد استصحبوا معهم دراهم من منازلهم لحاجتهم إليها، فتصدقوا منها وبقي منها، فلهذا قالوا: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ} أي: مدينتكم التي خرجتم منها، والألف واللام للعهد {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا} أي: أطيب طعامًا. كقوله: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} [النور: 21] وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)} [الأعلى] ومنه الزكاة التي تطيب المال وتطهره، وقيل: أكثر طعامًا، ومنه زكا الزرع إذا كثر، قال الشاعر: قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة ... وللسبع أزكى من ثلاث وأطيب ¬البيت للقتال الكلابي كما في: الكتاب لسيبويه 3/ 565، واستشد به معمر (المجاز 1/ 237) دون نسبه وكذا الطبري.¥
والصحيح الأول؛ لأن مقصودهم إنما هو: الطيب الحلال سواء كان كثيرًا أو قليلًا.
وقوله: {وَلْيَتَلَطَّفْ} أي: في خروجه وذهابه وشرائه وإيابه، يقولون: وليختف كل ما يقدر عليه {وَلَا يُشْعِرَنَّ} أي: ولا يعلمنّ {بِكُمْ أَحَدًا (19)}.