تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: لهؤلاء الذين آمَنُوا وعمِلوا الصالحات جَنّاتُ عدنٍ. يعني: بساتينُ إقامةٍ في الآخرةِ. {مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ}. يَقولُ: تَجْرِى مِن دونِهم [وبينَ ¬في م: "من".¥ أيديهم الأنهارُ. وقال جلَّ ثناؤُه: {مِنْ تَحْتِهِمُ}. ومعناه: من دونِهم] ¬¥ وبينَ أيديهم.
{يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ}. يقولُ: يَلْبَسون فيها من الحُليِّ أساوِرَ من ذهبٍ. والأساوِرُ جمع إسْوارٍ.
وقوله: {يَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ}. والسُّندس جمعٌ، واحدُها سُندُسةٌ، وهى ما رَقَّ من الدبياجِ، والإسْتبرَقُ: ما غلُظ منه وثخُن. وقيل: إنَّ الإستبرَقَ هو الحريرُ. ومنه قولُ المرَقِّشِ ¬ذكرُه الطوسى في التبيان 7/ 36، والقرطبي في تفسيره 10/ 397.¥:
تراهُنَّ يَلْبَسْنَ المَشاعِرَ مَرَّةً ... وإستبرقُ الدَّيباج طَوْرًا لباسُها
يعني: وغليظُ الدِّيباجِ.
وقوله: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ}. يقولُ: مُتَّكئين في جناتِ عدنٍ على الأرائِك. وهى السُّرُرُ في الحِجالِ ¬الحجال: مواضع تزين بالثياب والستور والأسرة. التاج (ح ج ل).¥، واحِدَتُها أَرِيكةٌ. ومنه قولُ الشاعرِ ¬البيت لذي الرمة، ديوانه 3/ 1729.¥:
خُدودًا جَفَتْ ¬جفت في السير أي لم تطمئنَّ. ديوان ذى الرمة 3/ 1729 بشرح الباهلي.¥ في السَّيْرِ حتى كأنَّما ... يُباشِرْنَ بالمَعْزاءِ ¬المعزاء: الأرض الحزنة الغليظة ذات الحجارة. اللسان (م ع ز).¥ مَسَّ الأرائِكِ
ومنه قولُ الأعشَى ¬ديوانه ص 129.¥:
بينَ الرُّوَاقِ وجانبٍ مِن سترِها ... منها وبينَ أريكةِ الأنْضَادِ ¬الأنضاد؛ جمع نَضَد: وهو ما نُضِّد من متاع البيت. أي جعل بعضه على بعض. ينظر اللسان (ن ض د).¥
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {عَلَى الْأَرَائِكِ}. قال: هي الحِجالُ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 403. ليس فيه ذكر "معمر". وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 222 إلى عبد بن حميد.¥.
قال معمرٌ: وقال غيرُه: السُّررُ ¬في ص، ت 1، ف: "الستور".¥ في الحِجالِ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 403. عن معمر عن الكلبي.¥.
وقوله: {نِعْمَ الثَّوَابُ}. يقولُ: نعمَ الثوابُ جناتُ عدنٍ وما وصَف جلّ ثناؤُه أنه جعَل لهؤلاء الذين آمَنوا وعملوا الصالحاتِ، {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا}. يقولُ: وحسُنت هذه الأرائكُ في هذه الجنانِ التي وصَف تعالى ذكرُه في هذه الآية مُتَّكَأً.
وقال عز وجل: {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا}. فأنَّثَ الفعلَ بمعنَى: وحسُنت هذه الأرائكُ مرتَفَقًا. ولو ذَكَّر لتذكيرِ المُرتفقِ كان صوابًا، لأن "نِعْمَ" و "بِئسَ" إنما تُدْخِلُهما العربُ [في الكلامِ لتدُلَّا على المدح والذمِّ لا للفعلِ، فلذلك تذكِّرُهما مع المؤنَّثِ] ¬سقط من: ت 1، ف.¥، وتوحِّدُهما مع الاثنَين والجماعةِ.