تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا}.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال ذو القَرنَين للذين سألوه أن يجعلَ بينَهم وبينَ يأجوجَ [ومأجوجَ] ¬سقط من: الأصل، ص، ت 2.¥ سدًّا: {آتُونِي} أي: جيئوني بزُبَرِ الحديدِ، وهي جمعُ زُبْرةٍ، والزُبْرةُ: القطعةُ مِن الحديدِ.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {آتُونِي زُبَرَ}. يقولُ: قِطَعَ الحديدِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 251 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ}. قال: قطع الحديدِ.
حدَّثني إسماعيلُ بنُ سَيفٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: {زُبَرَ الْحَدِيدِ}. قال: قِطَعَ الحديدِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارة الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قوله: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ}. قال: قِطعَ الحديدِ ¬ينظر التبيان 7/ 82، وتفسير ابن كثير 5/ 192.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} أي: فِلَقَ الحديدِ ¬ذكره الطوسي في التبيان 7/ 82.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {زُبَرَ الْحَدِيدِ}. قال: قِطعَ الحديدِ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 412.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ}. قال: قِطعَ الحديدِ.
وقولُه: {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ}. يقولُ تعالى ذكرُه: فآتَوه زُبَرَ الحديدِ فجعَلها بينَ الصَّدَفَين، حتى إذا ساوَى بينَ الجَبَلينِ بما جعَل بينَهما من زُبَرِ الحديدِ، ويُقال: سوَّى. والصَّدَفان: ما بينَ ناحِيتَى الجَبَلين وأرْؤُسِهما، ومنه قولُ الراجزِ ¬مجاز القرآن 18/ 414 بلا نسبة.¥:
قد أخَذت ما بينَ عَرْضِ الصَّدَفَينِ
ناحِيَتَيْها وأعالِى الرُّكْنَينِ
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ}. يقولُ: بينَ الجبلين ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 251 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ}. قال: هو سدٌّ كان بينَ صَدَفين، والصَّدَفان: الجبلان.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {الصَّدَفَيْنِ}: رُءوسِ الجبلين ¬تفسير مجاهد ص 451، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 251 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ}: يعنى بين ¬ليست في: الأصل، ص، م، ت 2.¥ الجبلين، وهما من قبل إرمِينِيةَ وأذْرَبِيجَانَ ¬تقدم تخريجه في ص 386، 387.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ}: وهما الجبلان.
حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: أخبَرنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ أنَّه قرَأها: {بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} منصوبةَ الصادِ والدالِ، وقال: بينَ الجبلين ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 251 إلى سعيد بن منصور.¥.
وللعرب في "الصدفين" لغاتٌ ثلاثٌ، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ مِنها جماعةٌ من القرَأةِ؛ الفتحُ في الصادِ والدالِ، وذلك قراءةُ عامَّةِ قرَأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ ¬وهى قراءة نافع وحمزة والكسائي، وعاصم في رواية حفص. السبعة لابن مجاهد ص 401.¥.
والضمُّ فيهما، وهى قراءةُ [بعضِ قرَأةِ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.¥ أهلِ البصرةِ ¬وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. المصدر السابق.¥. والضمُّ في الصادِ وتسكينِ الدالِ، وذلك قراءةُ بعضِ أهلِ مكةَ والكوفةِ ¬وهى قراءة عاصم في رواية أبي بكر. المصدر السابق.¥.
والفتحُ في الصادِ والدالِ أشهرُ هذه اللغاتِ، والقراءةُ بها أعجبُ إليَّ، وإن كنتُ مُسْتَجيزا القراءةَ بجميعِها؛ لاتفاقِ معانِيها، وإنما اخترتُ الفتحَ فيهما لما ذكرتُ من العِلَّةِ.
وقولُه: {قَالَ انْفُخُوا}. يقولُ تعالى ذكرُه: قال للفَعَلَةِ: انفُخوا النارَ على هذه الزُّبَرِ من الحديدِ.
وقولُه: {حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا}. وفى الكلامِ متروكٌ، وهو: فنفَخوا حتى إذا جعَلُوا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ف: "جعل".¥ ما بينَ الصَّدَفين من الحديدِ نارًا.
{قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا}. فاختلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتُه عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: {قَالَ آتُونِي} بمدِّ الألفِ من: {آتُونِي}. بمعنى: أعْطُونى قِطْرًا أُفْرِغْ عليه ¬وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية حفص. السبعة لابن مجاهد ص 401.¥.
وقرَأه بعضُ قرَأةِ الكوفةِ: (قال ائْتُونِي). بوصلِ الألفِ، بمعنى: جيئونى قِطرًا أُفْرغْ عليه ¬وهى قراءة عاصم في رواية أبي بكر. المصدر السابق.¥. كما يُقالُ: أخَذتُ الخِطامَ، وأَخَذتُ بالخِطامِ،
وجئتُك زيدًا، وجئتُك بزيدٍ. وقد يتوجَّهُ معنى ذلك إذا قُرِئ كذلك إلى معنَى: أعْطُونى. فيكونُ كأنَّ قارئَه أراد مدَّ الألفِ من: (ائْتُونى)، فترَك الهمزةَ الأولى من: {آتُونِي}، وإذا سقَطَتِ الأُولى همَزَ الثانيةَ.
وقولُه: {أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا}. يقولُ: أصُبَّ عليه قِطْرًا. والقِطْرُ النُّحاسُ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا}. قال: القِطْرُ النُّحاسُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 251 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: [{قِطْرًا}. قال: نُحاسًا] ¬في م، ت 1، ف: "مثله". والأثر في تفسير مجاهد ص 451، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 251 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا}. يعنى: النُّحاسَ ¬ينظر التبيان 7/ 83.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا}. أي: النُّحاسَ؛ لنُلزمَه ¬في م: "ليلزمه".¥ به.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا}. قال: نُحاسًا ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 413.¥
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ يقول ¬هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1/ 415.¥: القِطْرُ الحديدُ المُذابُ. ويستَشْهِدُ لقولِه ذلك بقولِ الشاعرِ ¬البيت للشنفرى الأزدى في المفضليات 111 برواية: "كأقطاع الغدير المنعت".¥:
حسامًا كَلَونِ المِلْحِ صَافٍ حَديدُه ... جُرازًا ¬الجراز: السيف القاطع، وقيل: الماضي النافذ. التاج (ج ر ز).¥ مِنَ اقْطارِ الحديدِ المُنَعَّتِ