تفسير ابن كثير
{ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280)}.
يأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقال: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حلَّ عليه الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، ثم يندب إلى الوضع عنه، ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل، فقال: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: وأن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين، وقد وردت الأحاديث من طرق متعددة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك. (فالحديث الأول) عن أبي أُمامة أسعد بن زرارة. قال الطبراني ¬في الأصل: "الطبري" وهو تصحيف والتصويب من التخريج.¥: حدثنا عبد الله بن محمد بن شعيب الرجاني، حدثنا يحيى بن حكيم المقوم، حدثنا محمد بن بكر البرساني، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثني عاصم بن عبيد الله، عن أبي أُمامة أسعد بن زرارة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من سرَّه أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله، فلييسر على معسر أو ليضع عنه" ¬المعجم الكبير 1/ 304، وفي مسنده عاصم بن عبيد الله بن عاصم العدوي: وهو ضعيف (التقريب ص 285).¥. (حديث آخر) عن بريدة. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا محمد بن جحادة، عن سليمان بن بَريدة، عن أبيه، قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة" قال: ثم سمعته يقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثلاه صدقة" قلت: سمعتك يا رسول الله تقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة". ثم سمعتك تقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثلاه صدقة"، قال: "له لكل يوم مثله صدقة قبل أن يحلَّ الدين، فإذا حلَّ الدين فانظره، فله بكل يوم مثلاه صدقة" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 5/ 360)، وأخرجه الترمذي من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وصححهما (السنن، البيوع، باب ما جاء في إنظار المعسر ح 1306، 1307)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 29)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير 5/ 261.¥. (حديث آخر) عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري، قال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو جعفر الخطمي، عن محمد بن كعب القرظي، أن أبا قتادة كان له دين على رجل، وكان يأتيه يتقاضاه فيختبى منه، فجاء ذات يوم فخرج صبي، فسأله عنه، فقال: نعم هو في البيت يأكل خزيرة ¬الخزيرة: طعام من لحم يقطع صغارًا ويُصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذرَّ عليه الدقيق (النهاية 2/ 28).¥، فناداه، فقال: يا فلان، اخرج فقد أخبرت أنك هاهنا، فخرج إليه، فقال: ما يغيبك عني؟ فقال: إني معسر وليس عندي شيء، قال: آلله أنك معسر؟ قال: نعم، فبكى أبو قتادة، ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من نفّس عن غريمه، أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 5/ 308)، وأخرجه الدارمي من طريق عفان به (السنن، الاستئذان، باب فيمن انظر: معسرًا 2/ 261)، ورجاله ثقات إلا أبا جعفر الخطمي وهو عمير بن يزيد بن عمير وهو صدوق، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير 5/ 364.¥، ورواه مسلم في صحيحه ¬صحيح مسلم، المساقاة، باب فضل إنظار المعسر (ح 1563).¥. (حديث آخر) عن حذيفة بن اليمان، قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا الأخنس أحمد بن عمران، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن ربعي بن خراش، عن حذيفة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أتى الله بعبد من عبيده يوم القيامة قال: ماذا عملت في الدنيا؟ فقال: ما عملت لك يا رب مثقال ذرة في الدنيا أرجوك بها - قالها ثلاث مرات - قال العبد عند آخرها: يا رب إنك كنت أعطيتني فضل مال، وكنت رجلًا أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز، فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر، قال: فيقول الله عزَّ وجلَّ: أنا أحق من ييسر، ادخل الجنة". وقد أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه من طرق عن ربعي بن حراش، عن حذيفة. زاد مسلم وعقبة بن عامر وأبي مسعود البدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... بنحوه ¬صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (ح 3451)، وصحيح مسلم، المساقاة، باب فضل إنظار المعسر (ح 1561).¥، ولفظ البخاري ¬كذا في النسخ الخطية ولم يذكره البخاري بلفظه.¥. (حديث آخر) عن سهل بن حنيف، قال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، حدثنا عمرو بن ثابت، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الله بن سهل بن حنيف، أن سهلًا حدثه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من أعان مجاهدًا في سبيل الله أو غازيًا أو غارمًا في عسرته أو مكاتبًا في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ¬المستدرك 2/ 217، وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: بل عمرو رافضي متروك.¥. (حديث آخر) عن عبد الله بن عمر، قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، عن يوسف بن صهيب، عن زيد العمي، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته، فليفرج عن معسر" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح 4749)، وقال أحمد شاكر: في إسناده نظر وأرجح أن يكون منقطعًا، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير 5/ 159، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد 4/ 133).¥. انفرد به أحمد. (حديث آخر) عن أبي مسعود عقبة بن عمرو. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو مالك، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة أن رجلًا أتى به الله عزَّ وجلَّ، فقال: ماذا عملت في الدنيا؟ فقال له الرجل: ما عملت مثقال ذرة من خير، فقال ثلاثًا، وقال في الثالثة: إني كنت أعطيتني فضلًا من المال في الدنيا، فكنت أبايع الناس، فكنت أيسر على الموسر، وأنظر المعسر. فقال تبارك وتعالى: نحن أولى بذلك منك، تجاوزا عن عبدي، فغفر له. قال أبو مسعود: هكذا سمعت من النبي - صلى الله عليه وسلم - ¬أخرجه الإمام أحمد سنده ومتنه (المسند 4/ 118)، وسنده صحيح.¥، وهكذا رواه مسلم من حديث أبي مالك سعد بن طارق به ¬صحيح مسلم، المساقاة، باب فضل أنظار المعسر (ح 1560).¥. (حديث آخر) عن عمران بن حصين. قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي داود، عن عمران بن حصين قال، قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان له على رجل حق فأخره، كان له بكل يوم صدقة" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 4/ 442)، وفي سنده أبو داود، واسمه نفيع بن الحارث: وهو متروك، كما في التقريب، وقال الهيثمي: كذاب (مجمع الزوائد 4/ 135).¥، غريب من هذا الوجه، وقد تقدم عن بُريدة ... نحوه. (حديث آخر) عن أبي اليسر كعب بن عمرو. قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، قال: حدثنا أبو اليسر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه، أظله الله عزَّ وجلَّ في ظله يوم لا ظل إلا ظله" ¬المسند 3/ 427، ويشهد له ما سبق.¥. وقد أخرجه مسلم في صحيحه ومن وجه آخر من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومعه غلام له معه ضمامة من صحف، وعلى أبي اليسر بُردة ومعافري ¬البردة: كسا مخطط، ومعافري نوع من الثياب.¥، وعلى غلامة بُردة ومعافري، فقال له أبي: يا عمِّ، إني أرى في وجهك سفعة ¬السفعة: العلامة.¥ من غضب، قال: أجل كان لي على فلان بن فلان - الحرامي - مال، فأتيت أهله، فسلمت فقلت: أثم هو؟ قالوا: لا، فخرج عليّ ابن له جفر ¬الجفر: هو الذي قارب البلوغ كما في حاشية صحيح مسلم.¥، فقلت: أين أبوك؟ فقال: سمع صوتك فدخل أريكة أُمي، فقلت: اخرج إليَّ، فقد علمت أين أنت، فخرج، فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك، خشيت والله أن أحدثك فأكذبك أو أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله، وكنت والله معسرًا. قال: قلت: آلله؟ قال: الله، ثم قال: فأتى بصحيفته فمحاها بيده، ثم قال: فإن وجدت قضاء فاقضني وإلا فأنت في حل، فأشهد بصر عيناي هاتان - ووضع أصبعيه على عينيه - وسمع أذناي هاتان، ووعاه قلبي - وأشار إلى نياط قلبه -، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه، أظله الله في ظله ... ". وذكر تمام الحديث ¬وهو حديث طويل (صحيح مسلم، الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل ح 3006).¥. (حديث آخر) عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبو يحيى البزاز محمد بن عبد الرحمن، حدثنا الحسن بن أسد بن سالم الكوفي، حدثنا العباس بن الفضل الأنصاري، عن هشام بن زياد القرشي، عن أبيه، عن محجن مولى عثمان، عن عثمان، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أظل الله عينًا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، من أنظر معسرًا، أو ترك لغارم" ¬أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في المسند بلفظه ومتنه، وذكر المحققون أن إسناده ضعيف جدًّا بسبب العباس بن الفضل الأنصاري الواقفي (المسند 1/ 548 ح 532).¥. (حديث آخر) عن ابن عباس، قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا نوح بن جعونة السلمي الخراساني، عن مقاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد وهو يقول بيده هكذا، وأومأ عبد الرحمن بيده إلى الأرض: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه، وقاه الله من فيح جهنم ألا إن عمل الجنة حزن بربوة - ثلاثًا - ألا إن عمل النار سهل بسهوة، والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانًا" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعفه أحمد شاكر بسبب نوح بن جعونة (المسند ح 3017).¥ تفرد به أحمد. (طريق آخر) قال الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد البوراني قاضي الحديبية من ديار ربيعة، حدثنا الحسن بن علي الصدائي، حدثنا الحكم بن الجارود، حدثنا ابن أبي المتئد خال ابن عيينة، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أنظر معسرًا إلى ميسرته أنظره الله بذنبه إلى توبته" ¬أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير 11/ 151)، وفي سنده الحكم بن الجارود ضعفه الأزدي، وقال أبو حاتم: مجهول (لسان الميزان 2/ 332).¥.