تفسير ابن كثير
لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ(102)
{لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} أي: حريقها في الأجساد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبيه، عن الجريري، عن أبي عثمان {لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} قال: حيات على الصراط تلسعهم، فإذا لسعتهم قال: حَس حَس ¬سنده مرسل.¥. وقوله: {وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ} فسلمهم من المحذور والمرهوب، وحصل لهم المطلوب والمحبوب. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي سريج، حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن ليث بن أبي سُليم، عن ابن عم النعمان بن بشير، عن النعمان بن بشير قال: وسمر مع علي ذات ليلة، فقرأ {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)} قال: أنا منهم، وعمر منهم، وعثمان منهم، والزبير منهم، وطلحة منهم، وعبد الرحمن منهم، أو قال: سعد منهم، قال: أقيمت الصلاة، فقام وأظنه يجر ثوبه وهو يقول: {لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} ¬في سنده ليث فيه مقال، ومتنه فيه غرابة؛ لأنه يستبعد أن يقول الصحابي الجليل النعمان بن بشير - رضي الله عنه -: أنا منهم.¥. وقال شعبة، عن أبي بشر، عن يوسف المكي، عن محمد بن حاطب قال: سمعت عليًا يقول في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} قال: عثمان وأصحابه، ورواه ابن أبي حاتم أيضًا، ورواه ابن جرير من حديث يوسف بن سعد، وليس بابن ماهك، عن محمد بن حاطب، عن علي ... فذكره ولفظه: عثمان منهم ¬أخرجه الطبري من طريق أبي بشر عن يوسف بن سعد به، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي بشر عن يوسف بن سعد به، وسنده صحيح.¥. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)}: فأولئك أولياء الله يمرون على الصراط مرًا هو أسرع من البرق، ويبقى الكفار فيها جثيًا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥. فهذا مطابق لما ذكرناه، وقال آخرون: بل نزلت استثناء من المعبودين، وخرج منهم عزير والمسيح، كما قال حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)} ثم استثنى فقال: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} فيقال: هم الملائكة وعيسى، ونحو ذلك مما يعبد من دون الله - عز وجل - ¬سنده حسن بما يليه، وقوله: "هم الملائكة وعيسى" له شاهد، أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.¥، وكذا قال عكرمة والحسن وابن جريج ¬قول عكرمة والحسن أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف.¥. وقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} قال: نزلت في عيسى ابن مريم وعزير - عليهما السلام - ¬سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.¥. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن عيسى بن ميسرة، حدثنا أبو زهير، حدثنا سعد بن طريف، عن الأصبغ، عن علي في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} قال: كل شيء يعبد من دون الله في النار إلا الشمس والقمر وعيسى ابن مريم. إسناده ضعيف ¬بل ضعيف جدًا؛ لأن سعد بن طريف متروك (التقريب ص 231).¥. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} قال: عيسى وعزير والملائكة ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.¥. وقال الضحاك: عيسى ومريم والملائكة والشمس والقمر، وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي صالح وغير واحد ¬قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة، وقول أبي صالح أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إسماعيل بن سيف، وهو ضعيف، ويتقوى بسابقيه.¥. وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثًا غريبًا جدًا، فقال: حدثنا الفضل بن يعقوب الرخامي، حدثنا سعيد بن مسلمة بن عبد الملك، حدثنا الليث بن أبي سُليم عن مغيث، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)} قال: عيسى وعزير والملائكة ¬سنده ضعيف لضعف سعيد بن مسلمة بن عبد الملك (التقريب ص 241).¥. وذكر بعضهم قصة ابن الزبعري ومناظرة المشركين، قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن سهل، حدثنا محمد بن حسن الأنماطي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدثنا يزيد بن أبي حكيم، حدثنا الحكم - يعني: ابن أبان -، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء عبد الله بن الزبعري إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)} فقال ابن الزبعري: قد عبدت الشمس والقمر والملائكة وعزير وعيسى ابن مريم كل هؤلاء في النار مع آلهتنا؟ فنزلت {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58)} [الزخرف] ثم نزلت {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)} ¬أخرجه ابن مردويه بسنده ومتنه كما نقله الحافظ ابن حجر وحسنه (موافقة الخُبر الخَبر 2/ 172)، وأخرجه الحاكم من طريق الحسين بن واقد النحوي عن عكرمة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 384، 385).¥. رواه الحافظ أبو عبد الله في كتابه الأحاديث المختارة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان - يعني: الثوري -، عن الأعمش، عن أصحابه، عن ابن عباس قال: لما نزلت: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)} قال المشركون: فالملائكة وعزير وعيسى يعبدون من دون الله، فنزلت {لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا} الآلهة التي يعبدون {وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} ¬سنده ضعيف لجهالة أصحاب الأعمش، ويتقوى بسابقه ولاحقه.¥. وروي عن أبي كدينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثل ذلك وقال: فنزلت {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)} ¬أخرجه الطبري من طريق الحسن بن الحسين الأشقر عن أبي كدينة به، وفي سنده عطاء بن السائب: صدوق اختلط (التقريب ص 390)، ويتقوى إذ توبع في رواية ابن مردويه.¥. وقال محمد بن إسحاق بن يسار - رحمه الله - في كتاب السيرة: وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني يومًا مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المسجد غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أفحمه، وتلا عليه وعليهم {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100)} ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي حتى جلس معهم، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعري: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطب آنفًا ولا قعد، وقد زعم محمد أنّا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدًا كل ما يُعبد من دون الله في جهنم مع من عبده، فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرًا، والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن مريم، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعري ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته"، وأنزل الله {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102)} أي عيسى وعزير ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابًا من دون الله، ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26)} إلى قوله: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)} [الأنبياء]، ونزل فيما ذكر من أمر عيسى وأنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا} [الزخرف] أي: ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام، فكفى به دليلًا على علم الساعة، يقول: {فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [الزخرف: 61] ¬ذكره ابن هشام في السيرة النبوية (1/ 358)، وسنده ضعيف معضل، ويشهد لبعضه ما تقدم في رواية ابن مردويه.¥. وهذا الذي قاله ابن الزبعري خطأ كبير؛ لأن الآية إنما نزلت خطابًا لأهل مكة في عبادتهم الأصنام التي هي جماد لا تعقل، ليكون ذلك تقريعًا وتوبيخًا لعابديها، ولهذا قال: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} فكيف يورد على هذا المسيح وعزير ونحوهما ممن له عمل صالح ولم يرضَ بعبادة من عبده، وعول ابن جرير في تفسيره في الجواب على أن {مَا} لما لا يعقل عند العرب، وقد أسلم عبد الله بن الزبعري بعد ذلك، وكان من الشعراء المشهورين، وقد كان يهاجي المسلمين أولًا ثم قال معتذرًا: يا رسول المليك إن لساني ... رائق ما فتقت إذ أنا بور إذ أجاري الشيطان في سنن الغي ... ومن مال ميله مثبور ¬استشهد به ابن هشام (السيرة النبوية 2/ 419).¥