تفسير ابن كثير
{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)}
يخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يريدون علوًا في الأرض؛ أي: ترفعًا على خلق الله وتعاظمًا عليهم وتجبرًا بهم ولا فسادًا فيهم، كما قال عكرمة العلو: التجبر ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق زياد بن أبي زياد عن عكرمة، وزياد ضعيف كما في التقريب، ومعناه صحيح.¥.
وقال سعيد بن جبير: العلو البغي ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد.¥.
وقال سفيان بن سعيد الثوري، عن منصور، عن مسلم البطين: العلو في الأرض التكبر بغير حق، والفساد أخذ المال بغير حق ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سفيان به.¥.
وقال ابن جريج: {لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ} تعظمًا وتجبرًا {وَلَا فَسَادًا} عملًا بالمعاصي ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف.¥.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن أشعث السمان، عن أبي سلام الأعرج، عن علي قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل في قوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)} ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه أشعث، سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل 2/ 277).¥. وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره، فإن ذلك مذموم، كما ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد" ¬أخرجه مسلم من حديث عياض بن حمار - رضي الله عنه - (الصحيح، الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ح 2865).¥.
وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل، فهذا لا بأس به، فقد ثبت أن رجلًا قال: يا رسول الله إني أحبُّ أن يكون ردائي حسنًا ونعلي حسنة، أفمن الكبر ذلك؟ فقال: "لا، إن الله جميل يحب الجمال" ¬أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود، الإيمان، باب تحريم الكبر (ح 91).¥.